تعيش سويسرا هذه الأيام على وقع جدل واسع النطاق حول واحد من أكثر الإصلاحات الضريبية إثارة للجدل في تاريخها الحديث، فالمسألة تجاوزت الأرقام والجداول الضريبية لتصبح اختبارًا لهوية المجتمع السويسري نفسه؛ حيث يرى مؤيدون أن النظام الضريبي الحالي يفرض عبئًا غير عادل على الأزواج العاملين معًا، في حين يحذّر معارضون من أن أي تعديل قد يهدد مكانة الأسرة التقليدية.
وبين شدّ وجذب، صوّت البرلمان لصالح القانون بفارق ضئيل، غير أن المسار لم يُحسم بعد، إذ يلوح في الأفق استفتاء شعبي قد يعيد النقاش إلى بدايته، بحسب ما أوردته صحيفة فاينانشيال تايمز.
جذور الأزمة.. “عقوبة الزواج”
القانون الحالي في سويسرا يقوم على الضريبة المشتركة للأزواج المتزوجين، ما يعني أن دخل الزوجين يُجمع ويُعامل ككتلة واحدة، الأمر الذي يرفع معدل الضريبة الهامشية على المعيل الثاني، وغالباً ما تكون المرأة، وهذه الآلية تجعل الدخول الإضافية أقل جدوى، وتُثبّط مشاركة النساء في سوق العمل.
القضية ليست جديدة، فمنذ ثمانينيات القرن الماضي، والمحكمة العليا السويسرية تُشير إلى أن هذا النظام يحمل تمييزاً غير دستوري بين المتزوجين وغير المتزوجين، ومع ذلك ظلّت “عقوبة الزواج” قائمة، لتتحول تدريجياً إلى ملف سياسي واجتماعي بامتياز.
التأثير على النساء وسوق العمل
يرى مؤيدو الإصلاح أن النظام الحالي يكرّس النموذج التقليدي للأسرة السويسرية، حيث يعمل الزوج بدوام كامل بينما تظل الزوجة في المنزل، وهذا ما وصفه الخبراء بأنه “عقوبة غير مباشرة” للمُعيل الثاني.
المعطيات تكشف أن مشاركة النساء في سوق العمل تصل إلى 80.4%، وهي من بين الأعلى في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD)، لكن عند قياس العمل بدوام كامل تنخفض النسبة إلى 60% فقط، أي أقل بكثير من المعدل في الدول المتقدمة، والفجوة هنا تعكس تأثير السياسات الضريبية، حيث تجد كثير من النساء أن العمل بدوام أطول غير مجدٍ اقتصادياً بسبب ارتفاع معدل الضريبة المشترك.
الإصلاح المقترح الذي يعتمد على الضريبة الفردية يُتوقع أن يُعزز دخول النساء إلى سوق العمل، ويزيد مرونتهن الاقتصادية، ويضع سويسرا في انسجام مع سياسات معظم الدول الأوروبية.
الدفاع عن الأسرة التقليدية
على الجانب الآخر، يقود تحالف محافظ يضم حزب الشعب السويسري (SVP) وحزب الوسط (Centre Party) وجماعات إنجيلية حملة لإسقاط القانون عبر استفتاء شعبي، وحجتهم الأساسية أنّ الإصلاح يضر بالأسر ذات الدخل الواحد، ويعاقب الآباء والأمهات الذين يختارون البقاء في المنزل لرعاية الأطفال.
كما يشيرون إلى أن الإصلاح سيخلق عبئًا بيروقراطيًا هائلًا، إذ من المتوقع أن يتطلب 1.7 مليون إقرار ضريبي جديد، وبالنسبة لهؤلاء فإنّ القضية ليست مجرد ضريبة، بل مسألة قيم مجتمعية ودور الدولة في تشجيع أو تثبيط أنماط معينة من الأسر.
نحو الضريبة الفردية
المجلس الفيدرالي السويسري اقترح أن يخضع كل شخص بالغ للضريبة بشكل مستقل عن حالته الاجتماعية، والهدف من ذلك هو إنهاء تأثير جمع الدخل الذي يرفع معدل الضريبة الهامشية، لكن التقديرات الحكومية أشارت إلى أن هذا الإصلاح قد يضيف نحو 60 ألف شخص إلى سوق العمل ويرفع الناتج المحلي الإجمالي بنحو 1%.
لكن هذه المكاسب الاقتصادية تأتي مع كلفة مالية، إذ يتوقع أن تُفقد الخزانة العامة ما يقارب مليار فرنك سويسري سنوياً، على المستويين الفيدرالي والكانتونات، بحسب تحذيرات مؤتمر مديري المالية في الكانتونات، وهذا ما يجعل القضية معركة بين العدالة الاجتماعية والكفاءة الاقتصادية من جهة، والاستدامة المالية من جهة أخرى.
خسائر ومكاسب متباينة
بيانات الحكومة أوضحت أن نحو نصف السكان سيستفيدون من الإصلاح، فيما لن يتأثر 36%، بينما ستتضرر نسبة 14% فقط، وهذه الأرقام تُظهر أن الغالبية ستخرج رابحة، لكن الخسائر المالية للدولة تظل نقطة مركزية في النقاش.
المعارضون يحذرون من أن خسائر الإيرادات ستضعف قدرة الكانتونات على تمويل الخدمات العامة والبنية التحتية، بينما يؤكد المؤيدون أن زيادة مشاركة النساء في سوق العمل وارتفاع الناتج المحلي سيعوضان هذه الخسائر على المدى الطويل.
تعرّف إلى التهرب الضريبي وتأثيره على الاقتصاد وسبل مكافحته!
أبعاد اجتماعية غير متوقعة
النظام الحالي دفع بعض الأزواج إلى حلول غير تقليدية مثل “الزواج الشكلي” دون تسجيل رسمي، أو حتى “الطلاق الضريبي” للاستفادة من معدلات أقل، وهذه الظواهر تكشف حجم التشوّه الذي أحدثته “عقوبة الزواج” في المجتمع السويسري، وكيف جعلت القرارات الضريبية العلاقة الزوجية خاضعة لحسابات اقتصادية بحتة.
الأستاذة هيذر كيرنز – لي من كلية “IMD” للأعمال، أوضحت أنّ بعض الأزواج يخسرون ما يصل إلى 40 ألف فرنك سنوياً بسبب الزواج الرسمي، ما يجعل العلاقة المسجلة قانونيًا عبئًا ماليًا أكثر من كونها مؤسسة اجتماعية.
الإصلاح بين الماضي والحاضر
هذا ليس أول جهد لإصلاح النظام الضريبي، ففي عام 2016 جرى تنظيم استفتاء شعبي حول مقترح مشابه، لكنه سقط بفارق ضئيل، واليوم يرى كثيرون أن المجتمع السويسري تغيّر خلال العقد الماضي مع ارتفاع مشاركة النساء في سوق العمل، وتزايد الضغوط من المؤسسات الدولية، لتطبيق سياسات أكثر عدالة.
ومع ذلك، تبقى الذكريات السياسية للاستفتاء السابق حاضرة بقوة، وتثير الشكوك حول قدرة البرلمان على تمرير القانون في حال عُرض للاستفتاء مجدداً، فالدستور السويسري يمنح المعارضة أدوات قوية، بحيث يكفي جمع 50 ألف توقيع لفرض استفتاء شعبي على القانون، والتحالف المحافظ يعمل بالفعل على هذه الحملة، بينما يمكن لثمانية كانتونات معاً فرض اقتراع وطني بموجب بند دستوري نادر الاستخدام.
التجربة السويسرية مع الديمقراطية المباشرة تجعل مصير القانون بيد الناخبين، لا السياسيين وحدهم، وبالتالي فإنّ مصير “عقوبة الزواج” سيُحسم في صناديق الاقتراع.
أصوات من النخبة السياسية
بيتينا بالمر، النائبة في المجلس الوطني وأخصائية جراحة أعصاب الأطفال، أكدت أن الإصلاح خطوة ضرورية رغم المعارضة الواسعة، وقالت: “لو سرنا على منطق الخوف من البيروقراطية لما مُنحت النساء حق التصويت أصلاً”، وبالنسبة لها فإنّ الإصلاح ليس مجرد تعديل ضريبي بل استكمال لمسار المساواة بين الجنسين في المجتمع السويسري.
في المقابل، يشدد المحافظون على أن ما يُسمى إصلاحاً ليس سوى “تفكيك للأسرة التقليدية”، وأن الدولة لا يجب أن تتدخل لتشجيع نموذج أسري على حساب آخر.
كما أشار الخبير الضريبي توماس هوغ، من شركة ديلويت، إلى أنّ “النقاش يبدو فنيًا رغم أنّه في جوهره يتعلق بكيفية تنظيم الأسرة والدور الذي يجب أن يلعبه المجتمع والدولة في رسم ملامحها”، ولعلّ هذه العبارة تختصر البُعد الأعمق للنقاش.
فهل الضرائب مجرد أداة مالية، أم أنها وسيلة لتشكيل القيم الاجتماعية؟ الإجابة عن هذا السؤال لن تحدد مستقبل النظام الضريبي السويسري فحسب، وإنّما طبيعة الهوية الاجتماعية للبلاد في العقود المقبلة أيضاً.
قانون في الميزان
القانون الذي مرّره البرلمان قد يحدث تغييرًا جذريًا في بنية النظام الضريبي السويسري، لكنَّه ما زال في مهبّ الريح أمام احتمالات الاستفتاء الشعبي، ورغم أنّ المؤيدين يرونه خطوة نحو عدالة ضريبية ومساواة أكبر بين الجنسين، يراه المعارضون تهديدًا للأسرة التقليدية وعبئًا على الخزينة العامة.
سويسرا -الدولة التي منحت النساء حق التصويت متأخراً عام 1971- تقف اليوم أمام لحظة تاريخية جديدة قد تُحدد علاقتها بالعمل والأسرة والعدالة الاجتماعية. وما بين “عقوبة الزواج” و”حرية الاختيار” يظل القرار النهائي بيد الشعب، في مشهد يختصر التوتر الأزلي بين الاقتصاد والمجتمع، في ديمقراطية مباشرة لا تعرف حلولاً وسطى.
قد يهمّك أيضًا: 6 خطوات ذكية للانتقال الآمن إلى مرحلة التقاعد