اقتصاد تركيا.. من دوامة التضخم إلى التشديد النقدي

منذ عام 2018، دخل الاقتصاد التركي نفقاً مظلماً من الضغوط الهيكلية أسفرت عن انهيار دراماتيكي في قيمة الليرة التي فقدت نحو 89% من قيمتها، لتستقر عند مستويات متدنية تاريخياً أمام الدولار وسلة العملات الرئيسة.

ولم يكن هذا التراجع وليد الصدفة، بل جاء نتاج تراكمات بدأت بهزات سياسية أعقبت أحداث عام 2016، وما تلاها من حملات أمنية وتوترات دبلوماسية حادة مع إدارة الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، تركزت حول ملفات الرسوم الجمركية وصفقات التسلح الروسية؛ مما دفع المستثمرين الأجانب نحو “هروب جماعي” من مختلف القطاعات الحيوية.

الاقتصاد التركي.. من وهج “المعجزة” إلى دوامة الانكماش

هذا النزوح الاستثماري، مقترناً بحالة عدم اليقين، وضع الاقتصاد في مواجهة مباشرة مع التضخم الذي بلغت ذروته عام 2022 عند قرابة 86%. وبالعودة إلى الوراء قليلاً، نجد أن الاقتصاد التركي كان يمثل “قصة نجاح” لافتة خلال العقد الأول من حكم الرئيس أردوغان؛ حيث تراجعت معدلات الفقر بمقدار النصف واتسعت رقعة الطبقة المتوسطة بشكل ملحوظ، وأصبحت الأسواق التركية مغناطيساً للقروض الأجنبية بفضل هوامش الفائدة الجذابة، إلا أن هذه “الاستدانة السهلة” تحولت لاحقاً إلى عبء ثقيل كبّل النمو بفعل الفوائد المتراكمة.

أمام هذه المقايضة الصعبة، تبنى الرئيس أردوغان نهجاً اقتصادياً مغايراً بإصراره على خفض أسعار الفائدة، واصفاً إياها بأنها “شر لابد من استئصاله”، وذلك في وقت كانت فيه القواعد النقدية التقليدية تستوجب الرفع لكبح جماح الأسعار. ورغم أن سياسة الفائدة المنخفضة تهدف نظرياً إلى ضخ السيولة وتحفيز الاستهلاك والإنفاق، إلا أن تطبيقها في بيئة غير مستقرة أدى إلى نتائج عكسية؛ حيث أشعلت موجات تضخمية متلاحقة أرهقت كاهل الاقتصاد المحلي، ودفعت وكالات التصنيف الائتماني الدولية لهدم جدار الثقة ووضع تركيا في أدنى درجات التصنيف الاستثماري.

معالم خطة أردوغان

يرتكز الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في رؤيته على أن بلاده صاغت تجربتها الخاصة عبر بوابة “الاقتصاد الحقيقي”، وهو ما دفع بها إلى نادي العشرين الكبار عالمياً. وتنطلق هذه القناعة من مبدأ تفضيل الإنتاج السلعي والخدمي على المنظومة الريعية؛ إذ يرى أردوغان أن معدلات الفائدة المرتفعة -التي تراوحت سابقاً بين 19% و24%- تشكل عائقاً بنيوياً أمام الاستثمار، وتدفع أصحاب رؤوس الأموال نحو “الخمول المصرفي” بدلاً من تشغيل المصانع وتوسيع الشركات.

وتتقاطع وجهة نظر الرئاسة التركية مع نظريات اقتصادية ترى في رفع الفائدة عاملاً لزيادة التضخم من جهة “العرض”، نظراً لارتفاع تكلفة التمويل والإنتاج، ومع ذلك اصطدمت هذه الطموحات بواقع معقد، فالتضخم التركي لم يكن محكوماً بالفائدة فحسب، بل تأثر بشدة بتهاوي قيمة العملة، مما وضع صانع القرار في اختبار عسير للتوفيق بين مصالح المستثمرين وقدرة المستهلكين الشرائية.

وعلى الجانب الآخر، يرى خبراء أن هذه السياسة لم تصمد أمام اختبار الواقع؛ إذ أسفرت عن نتائج وُصفت بالـ “كارثية” على هيكل الاقتصاد، فقد أدى الإصرار على خفض الفائدة في بيئة تضخمية إلى انهيار تاريخي لليرة، مما أشعل موجات غلاء متلاحقة نهشت جيوب المواطنين ورفعت معدلات الفقر. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل امتدت الآثار لتستنزف احتياطيات البنك المركزي في محاولات فاشلة لدعم العملة، ودفعت ديون الشركات المقومة بالدولار إلى مستويات غير مسبوقة.

اقرأ أيضًا: تركيا وإسرائيل.. العداء غير المرغوب

جائحة كورونا.. الضربة الموجعة

لم تكن الضغوط النقدية وحدها هي التحدي، إذ جاءت أزمة “كوفيد-19” لتعمق جراح الاقتصاد التركي عبر سياسات الإغلاق العالمي وشلل حركة التجارة، ومع إغلاق الحدود البرية والجوية تلقى قطاع الخدمات -وهو الركيزة الأساسية للنمو- طعنة نافذة، خاصة في قطاع السياحة الذي يمثل وحده نحو 4% من الناتج المحلي الإجمالي.

وبعد أن كانت السياحة تضخ نحو 34.5 مليار دولار من النقد الأجنبي في عام 2019، تسببت الجائحة في تجفيف هذا المورد الحيوي، وتكبيد قطاع الطيران خسائر فادحة في الإيرادات وصلت إلى 85%، وقد تزامن هذا التوقف المفاجئ للموارد الدولارية السياحية مع أزمة الليرة، ليزيد من تعقيد مشهد السيولة ويضع الاقتصاد التركي في مواجهة واحدة من أصعب أزماته الهيكلية في العصر الحديث.

اقرأ المزيد حول أزمة الليزة التركية في عام 2024

فاتورة الزلزال وإعادة هندسة الاقتصاد

لم تكن الضغوط الهيكلية وحدها ما يؤرق أنقرة؛ ففي السادس من فبراير 2023 تعرضت تركيا لهزة عنيفة تجاوزت أبعادها الجيولوجية لتضرب مفاصل الإنتاج، وحصدت أرواح ما لا يقل عن 50 ألف مواطن، وخلفت دماراً واسعاً في أقاليم تشكل الثقل الصناعي والزراعي للبلاد.

ووفقاً لتقديرات الرئيس رجب طيب أردوغان، بلغت الخسائر المباشرة نحو 104 مليارات دولار، مما وضع المالية العامة أمام استحقاق تاريخي في لحظة حرجة من تاريخ البلاد النقدي.

انعطافة “ما بعد الانتخابات”

دخل الرئيس أردوغان سباق انتخابات 2023 محملاً بوعود طموحة؛ شملت كبح جماح التضخم، وتحقيق معدل نمو بنسبة 5.5%، وإنجاز ملف إعادة الإعمار، وعقب فوزه دشَّن مرحلة جديدة اتسمت بالبراغماتية السياسية والاقتصادية؛ إذ سارعت أنقرة إلى ترميم علاقاتها الإقليمية، لا سيما مع دول الخليج العربي. وتوجت هذه التحركات بإنهاء قطيعة دامت عقداً من الزمن، وإطلاق شراكات استراتيجية واستثمارية واسعة مع الإمارات والسعودية، لتوفير تدفقات مالية تدعم استقرار الليرة.

وتمثلت المفاجأة الكبرى في التغيير الجذري لهوية الإدارة الاقتصادية؛ حيث استعان أردوغان بأسماء تحظى بثقة الأسواق الدولية، على رأسها محمد شيمشك وزيراً للمالية، وحفيظة غاية أركان كأول سيدة تقود البنك المركزي التركي، ومُنح هذا الفريق تفويضاً كاملاً لإعادة المسار الاقتصادي إلى القواعد التقليدية (Orthodox Policy) لاستعادة ثقة المستثمرين الأجانب.

وفي غضون 9 أشهر فقط، نفذ البنك المركزي “جراحة نقدية” حازمة، قفزت خلالها أسعار الفائدة من مستويات متدنية إلى 45%، بزيادة إجمالية بلغت 36.5%، في محاولة جادة لمحاصرة التضخم المفرط وتجفيف منابع السيولة الزائدة، لتدخل تركيا بذلك عهداً جديداً من الانضباط المالي والنقدي.

اقرأ أيضًا: استئناف المحادثات بين تركيا وروسيا لإنشاء مركز إقليمي لتجارة الغاز

ثمار “التشدد النقدي”

بدأت ملامح الانقلاب الجذري في السياسة النقدية التركية تؤتي ثمارها على مؤشرات الاقتصاد الكلي؛ إذ سجل الناتج المحلي الإجمالي لتركيا قفزة تاريخية بنهاية عام 2023 متجاوزاً حاجز 1.1 تريليون دولار للمرة الأولى، ما دفع وكالات التصنيف الدولية لإعادة النظر في نظرتها المستقبلية لأنقرة، حيث رفعت وكالة “فيتش” التصنيف الائتماني لتركيا من (B) إلى (+B)، معتبرة أن نهج “التشدد النقدي” الذي تتبعه الحكومة يمثل الأداة الأكثر فعالية لمكافحة الضغوط التضخمية.

وأشارت الوكالة إلى أن هذا التعديل يعكس تنامي الثقة الدولية في نجاعة الحزمة السيادية التي طُبقت منذ التحول التاريخي في يونيو 2023، وهو ما تُرجم عملياً في تعافي احتياطات البنك المركزي لتصل إلى مستوى قياسي بلغ 141 مليار دولار.

عناد التضخم.. معركة “النفس الطويل”

لا يزال الواقع المعيشي يرزح تحت وطأة ضغوط لم تروضها الفائدة بعد؛ حيث أظهرت بيانات فبراير 2024 تسجيل التضخم السنوي لمعدل 67%، مواصلاً منحناه التصاعدي وسط تذبذب مستمر في قيمة الليرة.

وفي تعقيب له عبر منصة “X”، أقر وزير المالية محمد شيمشك بأن القراءات الشهرية للتضخم تجاوزت التوقعات، مشدداً على أن كبح جماح الأسعار يتطلب “وقتاً وتصميماً”، وأكّد أن الإجراءات الإضافية التي يتخذها البنك المركزي تهدف بالأساس إلى إعادة توازن معدلات النمو، وتضييق فجوة عجز الحساب الجاري، وكسر التوقعات التضخمية لدى الأسواق.

ومع استمرار هذه الضغوط، يذهب اقتصاديون إلى أن البنك المركزي التركي قد يجد نفسه مضطراً لسلوك مسار “أكثر تشدداً” عبر زيادات إضافية في أسعار الفائدة خلال الفترة المقبلة، لضمان السيطرة على السيولة ومنع انزلاق العملة نحو مستويات أكثر تراجعاً.

تابعنا على صفحتنا على فيسبوك

تابعنا أيضًا على صفحتنا على إنستغرام

أخبار ذات صلة