اكتتاب سبيس إكس.. تضارب المصالح يلاحق إدارة ترامب

تتجه الأنظار في الولايات المتحدة والعالم إلى الطرح العام الأولي المرتقب لشركة “سبيس إكس”، المملوكة للملياردير إيلون ماسك، والذي قد يسجل رقماً قياسياً باعتباره أكبر اكتتاب في تاريخ الأسواق المالية العالمية

وتستهدف الشركة جمع ما يصل إلى 75 مليار دولار، في صفقة قد ترفع قيمتها السوقية إلى نحو 1.8 تريليون دولار، وهو ما قد يجعل ماسك أول شخص في التاريخ تتجاوز ثروته حاجز التريليون دولار.

لكن الاهتمام بالصفقة لا يقتصر على حجمها المالي الضخم، بل يمتد إلى ما أثارته من تساؤلات أخلاقية وقانونية بشأن ارتباط عدد من كبار المسؤولين في إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب باستثمارات مباشرة أو غير مباشرة في “سبيس إكس” أو شركة “إكس إيه آي” التابعة لماسك، والتي اندمجت مع الشركة في وقت سابق من العام الجاري.

استثمارات مسؤولي إدارة ترامب في سبيس إكس

كشفت أحدث الإقرارات المالية العامة أن 10 مسؤولين في الإدارة الأمريكية يمتلكون حصصاً في “سبيس إكس” أو “إكس إيه آي”، تتراوح قيمتها الإجمالية بين 9.9 ملايين دولار و43.8 مليون دولار. ويضم هؤلاء مسؤولين بارزين من بينهم المبعوث الأمريكي الخاص ستيف ويتكوف، ورئيسة إدارة المشروعات الصغيرة كيلي لوفلر، إضافة إلى مسؤولين وسفراء يشغلون مناصب مؤثرة داخل الحكومة الأمريكية.

وتكتسب هذه الاستثمارات حساسية خاصة نظراً للعلاقة الوثيقة بين “سبيس إكس” والحكومة الأمريكية، إذ تعد الشركة أحد أكبر المتعاقدين مع الحكومة الفيدرالية، بعدما بلغت قيمة عقودها نحو 4 مليارات دولار خلال السنة المالية 2025، كما حصلت مؤخراً على عقدين جديدين بقيمة 6.5 مليارات دولار من قوة الفضاء الأمريكية لتوفير خدمات الاتصالات الفضائية وأنظمة مراقبة التهديدات الجوية.

ومن بين أبرز الأسماء المرتبطة بالقضية بول ماكينيرني، كبير مسؤولي المعلومات بوزارة الداخلية الأمريكية والمهندس السابق في “سبيس إكس”، والذي يمتلك أكبر حصة معلنة بين المسؤولين الحكوميين في الشركة، حيث تتراوح قيمة استثماراته بين 5 ملايين و25 مليون دولار، ورغم ذلك حصل على إعفاء أخلاقي يسمح له بمواصلة أداء مهامه الحكومية دون إلزامه بالتخارج من استثماراته، مع التزامه بعدم المشاركة في القرارات المرتبطة مباشرة بمصالحه المالية.

كما يمتلك ستيف ويتكوف، الذي شارك في ملفات دبلوماسية حساسة تتعلق بأوكرانيا وغزة وإيران، استثمارات مرتبطة بـ”سبيس إكس” تتراوح بين مليون و5 ملايين دولار، بينما تمتلك كيلي لوفلر استثمارات مماثلة في شركة “إكس إيه آي” المتخصصة في الذكاء الاصطناعي.

وتزداد تعقيدات الملف بسبب طبيعة “سبيس إكس” كشركة خاصة غير مدرجة، إذ لا يفرض القانون الأمريكي على المسؤولين الإفصاح الفوري عن بيع أو شراء حصصهم فيها، على عكس الأسهم المدرجة في البورصات. وهذا يعني أنه من الصعب معرفة ما إذا كان بعض المسؤولين قد احتفظوا باستثماراتهم أو قاموا بتقليصها خلال الفترة الماضية.

ويرى خبراء أخلاقيات العمل الحكومي أن هذه الحالة غير مسبوقة من حيث حجمها وتشابكها، خاصة أن الشركة ترتبط بعقود حكومية ضخمة، بينما يشغل عدد من مالكي أسهمها مناصب رسمية مؤثرة في مؤسسات الدولة، بالإضافة إلى أن ماسك نفسه لعب دوراً بارزاً في ترشيح عدد من المسؤولين والكوادر للعمل داخل أجهزة الحكومة خلال الفترة الماضية، وكان بعضهم من العاملين السابقين في شركاته.

ويشير مراقبون إلى أن نجاح الاكتتاب قد لا يقتصر تأثيره على زيادة ثروة ماسك والمستثمرين الحاليين، بل قد يعيد تشكيل خريطة الاستثمارات في قطاع التكنولوجيا، مع توقعات بانتقال جزء من السيولة من أسهم الشركات التقنية الكبرى إلى “سبيس إكس”.

اقرأ أيضًا: الدين العام والفائدة.. كيف يتأثر الاقتصاد الأمريكي بأزمة هرمز؟

العلاقة بين السلطة السياسية ورأس المال في الولايات المتحدة

في هذا الشأن، أكدت حنان رمسيس، خبيرة أسواق المال، أن ما يُثار حاليًا حول شركة سبيس إكس لا يتعلق فقط بطرح عام أولي ضخم قد يعيد تشكيل أسواق المال العالمية، وإنما يفتح أيضًا نقاشًا واسعًا حول طبيعة العلاقة بين السلطة السياسية ورأس المال الخاص في الولايات المتحدة، ومدى تأثير تضارب المصالح المحتمل على نزاهة الأسواق وشفافية القرارات الحكومية.

وأوضحت رمسيس أن نجاح هذا الطرح قد يرفع القيمة السوقية للشركة إلى نحو تريليوني دولار، لافتة إلى أن القضية لا تتوقف عند حجم الطرح أو التقييمات القياسية، بل تمتد إلى ما وصفته بحالة التداخل غير المسبوقة بين دوائر صنع القرار الحكومي والمصالح الاستثمارية المرتبطة بالشركة، مشيرة إلى وجود مسؤولين كبار في الإدارة الأمريكية يمتلكون حصصًا واستثمارات في سبيس إكس أو في شركة XAI المرتبطة بها، والتي اندمجت معها في صفقة ضخمة خلال الفترة الماضية.

وأضافت أن امتلاك عدد من المسؤولين الحكوميين حصصًا في شركات تخضع بشكل مباشر أو غير مباشر لقرارات الجهات التي يعملون بها يثير تساؤلات مشروعة حول مفهوم تعارض المصالح، خاصة في ظل وجود استثناءات قانونية تسمح بعدم الإفصاح الكامل عن ملكيات الأسهم في الشركات الخاصة غير المدرجة بالبورصة. وأشارت إلى أن هذا الوضع يخلق منطقة رمادية بين ما هو قانوني وما هو أخلاقي من منظور الحوكمة والشفافية.

وأشارت رمسيس إلى أن بعض المسؤولين الحاليين سبق لهم العمل داخل سبيس إكس قبل انتقالهم إلى مناصب حكومية مؤثرة، بينما لا يزال آخرون يحتفظون بحصص مالية كبيرة في الشركة أو في شركات مرتبطة بها، الأمر الذي يجعل الأسواق تتابع من كثب مدى تأثير هذه العلاقات على القرارات التنظيمية والعقود الحكومية المستقبلية.

قضايا مشابهة في الاقتصاد الأمريكي

أكدت رمسيس أن التاريخ الاقتصادي الأمريكي شهد سابقًا قضايا مشابهة مرتبطة بتضارب المصالح، إلا أن الحالة الحالية تختلف من حيث الحجم والتأثير، نظرًا لأن سبيس إكس أصبحت لاعبًا رئيسًا في قطاعات استراتيجية تشمل الفضاء والدفاع والذكاء الاصطناعي والاتصالات، وهي قطاعات ترتبط بشكل مباشر بالأمن القومي الأمريكي والسياسات الحكومية طويلة الأجل.

وأضافت أن الشركة حصلت خلال العام المالي الماضي على عقود حكومية بمليارات الدولارات، سواء من الحكومة الفيدرالية أو من قوات الفضاء الأمريكية، وهو ما يعزز من أهمية مراقبة العلاقة بين الجهات المانحة للعقود والجهات المستفيدة منها،،كما أن توسع الشركة في مجالات الذكاء الاصطناعي عبر XAI يزيد من حجم الأسواق التي تستهدفها مستقبلاً، والتي تُقدّر بعشرات التريليونات من الدولارات.

وأوضحت خبيرة أسواق المال أن المستثمرين لا ينظرون فقط إلى الأرقام المالية أو الإيرادات المتوقعة، بل يهتمون كذلك بمستوى الحوكمة والشفافية والإفصاح داخل الشركات الكبرى، لأن أي شكوك تتعلق بتضارب المصالح قد تؤثر على ثقة المستثمرين وعلى تقييمات الشركة مستقبلاً، خاصة إذا كانت تستعد لأكبر اكتتاب في تاريخ الأسواق العالمية.

تأثير الطرح على الأسواق والشركات التكنولوجية

وأكدت خبيرة أسواق المال أن الطرح المرتقب لسبيس إكس لن يكون حدثًا يخص الشركة وحدها، بل ستكون له انعكاسات مباشرة على أسواق المال الأمريكية، وعلى رأسها مؤشر ناسداك الذي يضم أكبر شركات التكنولوجيا في العالم. وأوضحت أن إدراج شركة بتقييم يقترب من 1.8 تريليون دولار قد يعيد تشكيل أوزان الشركات داخل المؤشرات الرئيسة، كما سيجذب اهتمامًا استثنائيًا من المستثمرين والمؤسسات المالية العالمية.

وأضافت أن أسهم شركات التكنولوجيا الكبرى مثل تسلا وإنفيديا ومايكروسوفت وأمازون قد تشهد ضغوطًا مؤقتة خلال فترة الاكتتاب، ليس بسبب تراجع أساسياتها المالية، وإنما نتيجة اتجاه بعض المستثمرين إلى إعادة توزيع محافظهم الاستثمارية وتوفير سيولة للمشاركة في الاكتتاب الجديد، وأشارت إلى أن مثل هذه التحركات تعد طبيعية عند ظهور فرص استثمارية ضخمة واستثنائية في الأسواق.

وأوضحت أن شركة إنفيديا قد تكون الأقل تأثرًا على المدى المتوسط بسبب استمرار الطلب القوي على تقنيات الذكاء الاصطناعي والرقائق الإلكترونية، بينما قد تواجه تسلا حساسية أكبر بحكم ارتباطها المباشر بإيلون ماسك، حيث قد يعمد بعض المستثمرين إلى تحويل جزء من استثماراتهم من تسلا إلى سبيس إكس للاستفادة من النمو المتوقع في قطاع الفضاء والاتصالات.

كما توقعت أن تشهد صناديق الاستثمار المتخصصة في التكنولوجيا وصناديق المؤشرات الأمريكية عمليات إعادة توازن واسعة، مع احتمالات سحب جزء من السيولة من بعض المراكز الاستثمارية القائمة للمشاركة في الاكتتاب، إلا أنها أكدت أن هذه التحركات ستكون في الأغلب قصيرة الأجل، وأن قوة التدفقات الاستثمارية العالمية نحو قطاع التكنولوجيا الأمريكي قد تحد من أي تأثيرات سلبية ممتدة.

واختتمت تصريحاتها بالتأكيد على أن نجاح الطرح قد يخلق موجة جديدة من الاهتمام بشركات الفضاء والذكاء الاصطناعي، ويفتح الباب أمام إعادة تقييم العديد من الشركات التكنولوجية الخاصة التي قد تتجه بدورها إلى أسواق المال خلال السنوات المقبلة، ما قد يؤدي إلى مرحلة جديدة من المنافسة على جذب رؤوس الأموال داخل القطاع التكنولوجي العالمي.

اقرأ أيضًا: هل تنهي اتفاقية واشنطن وطهران المرتقبة أزمة هرمز؟

تابعنا على صفحتنا على فيسبوك

تابعنا أيضًا على صفحتنا على إنستغرام

أخبار ذات صلة