تدخل المملكة المتحدة واحدة من أكثر المراحل الاقتصادية حساسية منذ عدة سنوات، بعد أن أعلنت الحكومة البريطانية عن حزمة ضريبية موسعة تستهدف جمع إيرادات تتجاوز 34 مليار دولار، وتشمل هذه الحزمة زيادات في الضرائب على شرائح الدخل المرتفع، والألعاب الإلكترونية، والمراهنات، والمركبات الكهربائية، والقصور والمباني الفاخرة، إضافة إلى منح البلديات صلاحية فرض ضريبة سياحية للمرة الأولى.
وتأتي هذه الإجراءات في ظل موازنة توصف بأنها الأكثر صرامة منذ الأزمة المالية العالمية، في وقت تتراجع فيه مؤشرات النمو وترتفع كلفة الدين العام ويتزايد ضغط الإنفاق الاجتماعي والصحي على الخزانة، ما تسبب في تفاقم الأزمة الاقتصادية في بريطانيا.
جذور الأزمة الاقتصادية في بريطانيا
وبحسب الخبير الاقتصادي الدكتور محمد الشوربجي، فإن الاقتصاد البريطاني اليوم يقف عند “مفترق طرق حقيقي” بالتزامن مع إعلان الحكومة موازنتها الجديدة، وسط مخاوف متعاظمة من تراجع الإنتاجية وتباطؤ النمو وتصاعد تكاليف الديون، وشدد على أن ما تشهده لندن ليس مجرد صدمة مالية أو تقلب ظرفي، بل أزمة مركبة تعكس هشاشة النموذج الاقتصادي الذي اتسعت فجواته بعد بريكست
ويرى الشوربجي أن الفترة الحالية تعد الأكثر حساسية منذ خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، نظرًا لتداخل الضغوط المالية مع حالة عدم اليقين السياسي وتراجع ثقة المستهلكين.
وأضاف الشوربجي أن التوقعات الاقتصادية الصادرة عن مكتب مسؤولية الموازنة البريطاني تُظهر بوضوح أن النمو خلال السنوات المقبلة سيكون أقل بكثير مما كان مخططًا له، حيث كان ينتظر أن يسجل الاقتصاد نموًا بنحو 1% في عام 2025، ثم يرتفع إلى 1.9% في 2026، قبل أن يتراجع تدريجيًا ليستقر بين 1.7% و1.8% حتى عام 2029.
هذه المؤشرات – بحسبه – تعكس حجم التحدي الذي تواجهه الحكومة في احتواء العجز المالي وضبط الموازنة، حيث تشير التقديرات الرسمية إلى وجود فجوة مالية تتراوح بين 20 و30 مليار جنيه إسترليني، وهي فجوة لا يمكن سدها دون إجراءات ضريبية مؤلمة أو خفض إنفاق قد يثير غضب الشارع.
كيف استقبلت الأسواق المالية الموازنة الجديدة؟
وأشار الشوربجي إلى أن الأسواق المالية استقبلت ملامح الموازنة بحذر شديد، إذ افتتحت جلسات التداول بارتفاعات طفيفة في مؤشري “فوتسي 100” و”فوتسي 250″،، هذه الارتفاعات لا تعكس تفاؤلًا اقتصاديًا بقدر ما تعكس ترقبًا دقيقًا لتفاصيل السياسات الضريبية والإنفاق الحكومي التي ستعرضها وزيرة الخزانة ريتشل ريفز في موازنتها الخريفية، فالمستثمرون ينتظرون أي إشارة تمس بيئة الأعمال، خصوصًا في ظل تراجع تنافسية الشركات البريطانية بعد “بريكست”.
وأكد الشوربجي أن الحكومة البريطانية تجد نفسها في “ورطة حقيقية”، بسبب تضخم التزاماتها المالية مقابل تباطؤ الإيرادات، وتواجه ريفز – على حد وصفه – اختبارًا بالغ الصعوبة: فهي مطالبة بسد عجز مالي متنامٍ دون زيادة الضغط على الطبقة المتوسطة التي تتحمل الجانب الأكبر من أعباء المعيشة، وفي الوقت ذاته من دون إثارة مخاوف أصحاب الثروات والشركات الكبرى، الذين قد يدفعهم الضغط الضريبي الزائد إلى نقل استثماراتهم خارج بريطانيا، وهو سيناريو تخشاه الحكومة بشدة، خصوصًا في قطاعات التكنولوجيا والخدمات المالية.
ويرى الشوربجي أن السياسات الضريبية الجديدة التي يتوقع أن تضيف بين 20 و30 مليار جنيه إسترليني إلى الخزانة ليست خيارًا حكوميًا بقدر ما هي “إجراءات مفروضة” نتيجة تراكمات اقتصادية بدأت منذ سنوات، فبريطانيا لم تتخلص بعد من تداعيات الخروج غير المنظم من الاتحاد الأوروبي، الذي أدى إلى نقص حاد في العمالة وانخفاض الإنتاجية وتراجع القدرة التنافسية للصناعات البريطانية، كما أن موجة التضخم الأخيرة، المصحوبة بارتفاع أسعار الطاقة واضطرابات سلسلة التوريد، عمّقت التحديات الهيكلية التي يعاني منها الاقتصاد البريطاني.
هل الزيادات الضريبية عادلة؟
وأكد الخبير الاقتصادي أن التحدي الأكبر أمام الحكومة يتمثل في تحقيق توازن دقيق بين العدالة الضريبية والحفاظ على القدرة الشرائية للمواطنين،ففي وقت تتراجع فيه المخصصات الاجتماعية والطبية والتقاعدية، تتزايد حالة التململ الشعبي، بينما تظهر استطلاعات الرأي أن 9% فقط من البريطانيين يعتبرون أن وزيرة الخزانة تقوم بعمل جيد، مقابل 61% يرون أن أداءها لا يرقى للمستوى المطلوب، وأشار إلى أن وصف ريفز للزيادات الضريبية بأنها عادلة وضرورية لا يكفي لطمأنة الرأي العام المتشكك.
وأضاف أن الحكومة البريطانية تدير أزمتها المالية بمنطق “ترحيل المشكلة إلى الأمام” ، عبر الاعتماد المتزايد على الضرائب دون تقديم رؤية اقتصادية واضحة أو مسارات جديدة لتعزيز الإنتاجية وزيادة الدخل القومي ويرى الشوربجي أن هذا النهج قد يؤدي إلى زيادة الضغط على الطلب والاستهلاك، ويفاقم من التباطؤ الذي يعانيه قطاع التجزئة، الذي يمثل أحد محركات الاقتصاد البريطاني.
تفاقم الأزمة الاقتصادية في بريطانيا ومحاولات سد العجز المالي
من جانبه قال الدكتور ياسر حسين، أستاذ الاقتصاد، إن بريطانيا تواجه اليوم “إحدى أصعب اللحظات الاقتصادية منذ عقود”، وهو ما دفع حكومة حزب العمال الجديدة إلى اتخاذ قرارات ضريبية غير مسبوقة، وأشار حسين إلى أن حكومة ريفز فرضت، خلال أقل من عامين، زيادات ضريبية تجاوزت 87 مليار دولار، في محاولة لسد عجز مالي تقول الحكومة إنها ورثته عن الإدارة السابقة ويبلغ أكثر من 21 مليار جنيه إسترليني.
وأكد حسين أن ما يجعل هذه الإجراءات أكثر إثارة للجدل هو شمولها مجالات لم تكن خاضعة للضرائب من قبل، ما يعكس تحولًا جذريًا في فلسفة السياسة المالية البريطانية. وأبرز مثال على ذلك هو فرض ضريبة جديدة على القصور والمباني الفاخرة لأول مرة في تاريخ بريطانيا، حيث ستُفرض رسوم سنوية تبدأ من 2000 جنيه للمنازل التي تتجاوز قيمتها مليوني جنيه، وقد تصل إلى 7500 جنيه للمنازل التي تتجاوز قيمتها خمسة ملايين جنيه،ويرى حسين أن هذه الخطوة تستهدف أصحاب الأصول العقارية الضخمة لتوفير إيرادات إضافية دون المساس المباشر بالطبقات الفقيرة.
كما رفعت الحكومة الضرائب على الأصول المالية بما في ذلك أرباح الأسهم وعوائد الإيجارات، وخفضت الإعفاءات الضريبية من 20 ألف جنيه إلى 12 ألف جنيه، وتقول الحكومة إن هذه الإجراءات تهدف إلى توسيع القاعدة الضريبية وتحقيق إيرادات أكبر على المدى القصير، لكنها قد تؤثر على الادخار والاستثمار وتقلل من قدرة الأسر على مواجهة تكاليف المعيشة المرتفعة.
أهمية تجميد الضريبة على الدخل للطبقات المتوسطة والدنيا
وأشار حسين إلى أن الحكومة حاولت تمرير هذه القرارات عبر التأكيد على أنها لا تمس الفئات الأكثر ضعفًا، إذ جرى تجميد الضريبة على الدخل للطبقات المتوسطة والدنيا، كما جرى توسيع نطاق إعانات الأطفال بحيث تحصل الأسر على الدعم عن جميع أبنائها، ومع ذلك، تبقى الفئات المتوسطة الأكثر عرضة لتحمل الأعباء الضريبية خلال السنوات المقبلة، وهو ما أثار موجة واسعة من الانتقادات في الأوساط الاقتصادية والشعبية على حد سواء.
أما سياسيًا، فقد جاءت الردود حادة ومنقسمة، حيث وصف زعيم حزب “ريفورم يوكي” اليميني، نايجل فاراج، الحزمة الضريبية بأنها استهداف للأغنياء الذين يميلون لدعم التيار اليميني، فيما قالت زعيمة حزب المحافظين كيمي بادنوق إن “ليس من واجب أغنياء بريطانيا أن يصرفوا على فقرائها” ، في إشارة إلى رفض تحميل الطبقات العليا عبئًا إضافيًا لتعويض تراجع إيرادات الدولة.
واختتم حسين تصريحه بالتأكيد على أن بريطانيا بحاجة إلى نموذج اقتصادي جديد يجمع بين الانضباط المالي والتحفيز الإنتاجي، وليس مجرد رفع للضرائب، ويرى أن استمرار الحكومة في هذا النهج قد يحقق استقرارًا ماليًا مؤقتًا، لكنه لن يعالج جذور الأزمة ما لم يتم تنفيذها إصلاحات هيكلية شاملة تعالج ضعف الإنتاجية وتراجع الاستثمار، وتعيد جذب رؤوس الأموال وتعزيز قدرات الاقتصاد الحقيقية.
اقرأ أيضًا: هل تفتح مهمة جينيسيس عصرًا جديدًا لهيمنة أمريكا في الذكاء الاصطناعي؟