الأسواق العالمية تترقب قرارات الفيدرالي وخفض الفائدة

تعيش الأسواق العالمية حالة من الترقب الحذر مع تزايد مؤشرات التحول في السياسة النقدية الأمريكية، بعدما بعث رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي جيروم باول رسائل واضحة خلال اجتماع جاكسون هول الأخير حول احتمالية خفض أسعار الفائدة في ظل تباطؤ سوق العمل وتصاعد المخاطر المرتبطة بالتوظيف.

هذه الإشارات انعكست فورًا على الأسواق، حيث تراجع الدولار الأمريكي بقوة، وهبطت عوائد السندات، بينما ارتفعت الأسهم، ومع أنَّ اللحظة بدت مفاجئة للبعض، إلا أن مسار العملة الأمريكية منذ مطلع عام 2025 يكشف عن ضعف متراكم تجسّد في خسارة تجاوزت 10% خلال نصف عام واحد، لتسجل أسوأ فترة أداء لها منذ سنوات طويلة.

الدولار يواصل خسائره منذ بداية 2025

أكد الدكتور وليد عادل، الخبير الاقتصادي والمصرفي، أن الأسواق شهدت تقلبات حادة عقب خطاب باول، موضحًا أن الإشارة إلى ضعف سوق العمل كانت كافية لدفع الدولار إلى الهبوط السريع، مع تراجع عوائد السندات الأمريكية وصعود الأسهم.

وأشار إلى أن الرهان على خفض الفائدة بمقدار ربع نقطة في سبتمبر تجاوز 70–90%، وهو ما انعكس على مؤشر الدولار الذي سجل هبوطًا حادًا، مضيفًا أن العملة الأمريكية فقدت أكثر من 10% من قيمتها منذ بداية 2025، وهو ما يعكس الضغوط المتراكمة على الاقتصاد الأمريكي.

لماذا يؤدي خفض الفائدة إلى إضعاف الدولار؟

أوضح عادل أن خفض الفائدة يؤدي إلى تراجع العائد على السندات الأمريكية، وهو ما يقلل من جاذبية الدولار لدى المستثمرين، ويجعل رؤوس الأموال تتحرك نحو أسواق ناشئة تقدم عوائد أعلى.

وأضاف: “كلما انخفضت العوائد الأمريكية فقد المستثمرون الحافز للاحتفاظ بالدولار، وزادت شهية المخاطرة نحو الذهب، والأسهم، وأسواق ناشئة مثل مصر”، لافتًا إلى أنَّ ارتفاع العوائد على أدوات الدين المصرية يجذب “الأموال الساخنة”، رغم تساؤلات عن استدامة هذه التدفقات.

مكاسب الذهب والسلع مقابل مخاطر النفط

حول انعكاسات خفض الفائدة على الأسواق العالمية، قال عادل إنَّ الأسهم ستستفيد من سياسة التيسير النقدي، لكن أي مفاجآت في بيانات التضخم قد تدفع إلى عمليات جني أرباح وهبوط مؤقت، أما السندات فعوائدها مرشحة لمزيد من الانخفاض، في حين أن الذهب والسلع سيكونان المستفيد الأكبر من ضعف الدولار. وأضاف الخبير أنَّ النفط قد يحقق مكاسب محدودة، لكن استمرار ضعف الطلب العالمي سيحد من ارتفاعاته.

عملات الأسواق الناشئة تنتعش مع ضعف الدولار

أوضح الخبير الاقتصادي أن ضعف الدولار يمنح عملات الأسواق الناشئة فرصة للانتعاش، حيث تعود التدفقات المالية وتتحسن الأسعار، لكنه شدد على أن الدول ذات الأزمات السياسية أو العجز المالي الكبير ستظل معرضة للمخاطر.

وأشار إلى أن انخفاض الدولار يخفف كذلك من أعباء الديون الدولارية على الحكومات والشركات، إذ تقل تكلفة السداد بالعملات المحلية، ما يمثل متنفسًا مهمًا لاقتصادات تعاني ضغوطًا مالية.

اقرأ أيضًا: من يقود تراجع الدولار.. الفيدرالي أم ترامب أم الاقتصاد العالمي؟

تأثير الدولار الضعيف على الاقتصاد الأمريكي

أشار عادل إلى أن ضعف الدولار يعزز تنافسية الصادرات الأمريكية، لكنه يرفع كلفة الواردات، ما قد يشكل ضغطًا على المستهلك الأمريكي، وأضاف أن التأثير على التضخم سيكون محدودًا إذا ظل الطلب المحلي ضعيفًا، موضحًا أن العوامل الداخلية مثل مستويات الأجور والإنفاق الاستهلاكي ستظل الأكثر تأثيرًا في تحديد مساره.

في سياق متصل، دعا جيمس بولارد، الرئيس السابق لبنك الاحتياطي الفيدرالي في سانت لويس والمرشح المحتمل لرئاسة الفيدرالي، إلى خفض أسعار الفائدة بنسبة مئوية كاملة خلال 2025، مع إمكانية إجراء مزيد من الخفض في عام 2026.

وقال بولارد إن أسعار الفائدة الحالية “مرتفعة بعض الشيء”، وإنه يرى إمكانية خفضها بمقدار 100 نقطة أساس بحلول 2026، على أن يبدأ ذلك بقرار في اجتماع سبتمبر المقبل.

وأضاف في تصريحات نقلتها بلومبرغ أنه على اتصال بوزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت لترتيب مقابلة بشأن ترشحه لرئاسة الفيدرالي بعد عطلة عيد العمال، وأكد أن استمرار خفض الفائدة في 2026 سيعتمد على طبيعة البيانات الاقتصادية، مشددًا في الوقت ذاته على ضرورة حماية مكانة الدولار كعملة احتياطي عالمية.

هل تنجح الصين في كسر هيمنة الدولار والتحول لنظام متعدد الأقطاب؟ اقرأ التحليل الشامل!

سيناريوهات الدولار بين الحذر والتوسع النقدي

رسم الخبير الاقتصادي وليد عادل سيناريوهين محتملين للفترة المقبلة:

السيناريو الأول (الأقرب): خفض الفائدة ربع نقطة في سبتمبر، مع احتمال خفض إضافي بنهاية العام إذا استمر ضعف سوق العمل، وهو ما يعني استمرار الضغط على الدولار.
السيناريو الثاني: في حال عادت معدلات التضخم أو الأجور للارتفاع، قد يتراجع الفيدرالي عن سياسة التيسير، ما يمنح الدولار فرصة قوية للتعافي.

أما رؤية بولارد، فتفتح الباب لسياسة أكثر توسعية، إذ يدعو إلى خفض أكبر وأكثر استمرارية، وهو ما قد يغير مسار السياسة النقدية إذا تولى قيادة الفيدرالي مستقبلًا.

واختتم عادل بالتأكيد على أن التوترات الجيوسياسية المستمرة، سواء في الشرق الأوسط أو آسيا أو في إطار التوترات التجارية بين الولايات المتحدة والصين، تزيد من صعوبة التنبؤ بمسار الأسواق والدولار، وأوضح أن أي تصعيد سياسي أو أمني قد يعيد الدولار إلى موقعه كملاذ آمن للمستثمرين، حتى وإن كان ضعيفًا من الناحية الاقتصادية.

قد يهمّك أيضًا: كيف حوّل ترامب الرسوم الجمركية إلى سلاح سياسي؟

تابعنا على صفحتنا على فيسبوك

تابعنا أيضًا على صفحتنا على إنستغرام

أخبار ذات صلة