كيف تتعامل الأسواق مع أول رئيسة وزراء في اليابان؟

فاجأت ساناي تاكايشي الأسواق اليابانية والدولية بانتزاعها رئاسة الحزب الليبرالي الديمقراطي الحاكم، في نتيجة لم تكن مطروحة ضمن السيناريوهات التي سعّرها المستثمرون مسبقًا. وعند صدور النتائج، كانت ردة فعل الأسواق فورية وواضحة؛ حيث ارتفعت الأسهم اليابانية مدفوعة بتفاؤل المستثمرين، فيما تراجع الين تحت ضغط متجدد، وتعرضت السندات الحكومية طويلة الأجل لموجة بيعٍ جديدة أدت إلى ازدياد انحدار منحنى العائد.

ومع ترجيح المحللين أن بنك اليابان سيؤجل أي خطوة نحو رفع أسعار الفائدة، عادت إلى الواجهة ما تُعرف بـ “التجارة الكلاسيكية” في الأسواق اليابانية: ينّ ضعيف، وأسهم قوية، ومنحنى عائد أكثر انحدارًا، في مشهدٌ يعيد إلى الأذهان ملامح السياسة النقدية الميسّرة التي طالما هيمنت على الاقتصاد الياباني.

هذا التحول ليس حدثا سياسيًا فحسب، بل هو إعادة تسعير لفرضيات المستثمرين حول السياسة المالية والنقدية، وتوزيع جديد محتمل للمكاسب القطاعية داخل البورصة اليابانية، وامتحان مبكر لقدرة الحكومة المقبلة على تمرير أجندتها، في برلمان لا يملك فيه الحزب الحاكم أغلبية مُريحة، بحسب بلومبرغ.

ومن المنتظر أن تصبح تاكايشي أول امرأة تتولى رئاسة الوزراء في اليابان في تصويت البرلمان المقرر لاحقاً هذا الشهر، بعد فوزها برئاسة الحزب الليبرالي الديمقراطي، وكان المستثمرون يتوقعون فوز شينغيرو كويزومي، الوريث السياسي لعائلة كويزومي.

لماذا ارتبك التسعير؟

يقول مايكل براون، كبير استراتيجيي الأبحاث في Pepperstone: “كانت هذه نتيجة مفاجئة للغاية، ولم تكن ضمن السيناريوهات التي كانت الأسواق تُسعِّرها مسبقاً”، إذ كانت التوقعات تميل إلى فوز شينغيرو كويزومي، المعروف بنهجه المالي الأكثر حذرًا.

وبينما بنت الأسواق اليابانية افتراضاتها على استمرار نهج التطبيع التدريجي للسياسة النقدية، جاءت تاكايشي بخطابٍ توسعيٍّ واضح وصريح، ما دفع المستثمرين إلى إعادة تسعير المشهد الاقتصادي بالكامل، فقد تراجعت رهانات رفع الفائدة في المدى القريب، وارتفعت المخاوف من إصدار سندات إضافية لتمويل حزم تحفيزية جديدة، في حين ازداد انحدار منحنى العائد نتيجة الضغوط على السندات طويلة الأجل.

في المقابل، تلقّى مؤشر نيكاي 225 دفعة معنوية قوية، مستفيدًا من الزخم العالمي في ارتفاع أسهم التكنولوجيا، ليعكس التفاؤل بمرحلة جديدة من السياسات التوسعية التي قد تعيد رسم ملامح المشهد الاقتصادي الياباني في المرحلة المقبلة.

بنك اليابان.. سياسة حذرة تطيل عمر الفائدة المنخفضة

يرى محللون في Nomura Securities أن فوز تاكايشي يُضعف بشكل واضح احتمالات رفع الفائدة في أكتوبر، ويُبقي بنك اليابان في حالة من الحيطة والحذر، الأمر الذي يعني عمليًا إطالة أمد بيئة الفائدة شبه الصفرية.

هذا التوجّه يحمل انعكاسات متعددة على الأسواق: فمن جهة، يُتوقع أن يتعرض الين الياباني لمزيد من الضغوط نتيجة اتساع فوارق العوائد مع الاقتصادات الكبرى، حتى وإن كان الفارق بين اليابان والولايات المتحدة يتقلص تدريجيًا. ومن جهة أخرى، فإن استمرار السياسة النقدية الميسّرة يمنح الأسهم اليابانية دفعة إضافية، عبر تخفيف كلفة التمويل على الشركات الصغيرة والقطاعات الحساسة لسعر الفائدة، ما يعزز النشاط الاستثماري المحلي.

في المقابل، يُرجَّح أن تشهد السندات الحكومية طويلة الأجل مزيدًا من الضعف، مع اتساع علاوة الأجل وارتفاع مطالب المستثمرين بعائد أكبر، تعويضًا عن المخاطر المالية المحتملة في بيئة تزداد توسعية.

وإن كانت ماري إيواشيتا من “Nomura” تلخص المشهد بعودة “التجارة التقليدية”، فإن رونغ رين جوه من “Eastspring Investments” يضع كابحاً: أي ضعفٍ محتمل في “الين” قد يكون محدوداً بفعل تضاؤل فارق العائد الياباني – الأمريكي، وغموض مسار الاحتياطي الفيدرالي.

تحفيز مالي أوسع وتمويل بالدين

بوصفها مقرّبة من الراحل شينزو آبي، تميل تاكايشي لإحياء ثلاثية “أبينوميكس”: تحفيز مالي مباشر عبر منح نقدية للأسر الأكثر تضرراً من التضخم، وتخفيضات ضريبية تعيد جزءًا من القوة الشرائية، واستعداد لتمويل هذه الإجراءات عبر إصدار سندات إضافية.

هذه الوصفة، ترفع على الفور هواجس الدين لدى حاملي السندات، وخاصة الفترات الأطول أجلاً، وتُشعل انحدار منحنى العائد، وتُطيل العمر الافتراضي لسياسة نقدية أقل تقييداً، والنتيجة المركبة: ضغط تنازلي على الين بفعل مفارقة “تحفيز بلا تشديد نقدي”، ودعم أكبر لأسهم الشركات الصغيرة والطلب المحلي على المدى القصير، وتبدُّل القيادة القطاعية داخل السوق لصالح “الاستفادة من الطلب” على حساب “الاستفادة من سعر الفائدة”.

من يستفيد أولاً؟

  1. البنوك

يرى ريتشارد كاي من “Comgest” أنَّ أسهم البنوك قد تواجه ضغوطاً مع تأجيل رفع الفائدة، فالمصارف التي كانت تراهن على اتساع الهامش مع التطبيع النقدي قد تضطر إلى تأجيل هذه الآمال، بخاصةً إذا زادت تقلبات السندات الطويلة وأثقلت تقييمات محافظها.

  1. الشركات الصغيرة والاقتصاد المحلي

بيئة تمويل رخيصة وحوافز مالية وضريبية تُغذي الطلب الداخلي، تُرجح أداءً أفضل لشركات الاقتصاد المنزلي، ومكونات سلاسل القيمة المحلية، والمستفيدين من الإنفاق الاستهلاكي.

  1. أسهم التكنولوجيا

تستفيد بشكل غير مباشر من ضعف الين (تعزيز القدرة التنافسية للصادرات)، ومن إطالة دورة السيولة عالمياً، ومن موجة الصعود الهيكلية لأسهم التكنولوجيا التي كانت أصلا تدفع نيكاي 225 نحو قمم تاريخية.

السندات طويلة الأجل.. لماذا تتعرض لضربة مزدوجة؟

سجّلت عوائد السندات اليابانية لأجل 10 سنوات مؤخرًا أعلى مستوياتها منذ عام 2008، ما دعم الين أمام الدولار خلال الأسابيع الماضية، إلا أن فوز ساناي تاكايشي غيّر المشهد جذريًا، إذ إن التمويل التحفيزي الموسّع الذي تطرحه يعني زيادة في عرض السندات الحكومية، وبالتالي تراجع أسعارها وارتفاع عوائدها.

في المقابل، يتوقع أن يتّسم بنك اليابان بسياسة نقدية أكثر حذرًا وميلاً للتريث، ما يقلّص احتمالات أي تشديد قوي في الأجل القريب ويحد من الارتفاع المفرط في العوائد، إلا أن النتيجة النهائية تبقى ضغوطًا إضافية على السندات طويلة الأجل.

في هذا السياق، يصبح انحدار منحنى العائد هو السردية المركزية في الأسواق، بما ينعكس على تقييمات الأصول المختلفة ويعيد تشكيل فرضيات خصم التدفقات النقدية المستقبلية.

الين أمام اختبار السوق والسندات

على المدى القريب، تتضافر ثلاثة عوامل تصب في مصلحة ضعف الين الياباني:

  • تحفيز مالي توسّعي يقابله غياب لتشديد نقدي من البنك المركزي.
  • انحدار منحنى العائد الذي يحسّن عوائد الآجال الطويلة نسبيًا دون رفعٍ للفائدة الأساسية.
  • ارتفاع شهية المخاطرة في الأسواق، ما يدفع المستثمرين نحو تجارة الحمل (Carry Trade) وتفضيل العملات ذات العائد الأعلى.

لكن في المقابل، يلفت رونغ رين جوه إلى عوامل توازن مضادة؛ إذ إنّ فارق العائد بين السندات اليابانية والأمريكية يضيق تدريجيًا، ومسار الاحتياطي الفيدرالي لا يزال غير محسوم، ما يحدّ من احتمالات الضعف المفرط للين، ويبقي تقلباته تحت سيطرة نسبية في المدى المنظور.

أغلبية غير مكتملة واختبار دبلوماسي مبكر

تواجه ساناي تاكايشي تحديًا تشريعيًا مباشرًا ومعقّدًا؛ إذ إن الحزب الليبرالي الديمقراطي لا يمتلك الأغلبية في أي من مجلسي البرلمان، ما يجعل تمرير حزم التحفيز الاقتصادي والتخفيضات الضريبية مرهونًا بقدرتها على هندسة تحالفات وائتلافات دقيقة، والموازنة بين التنازلات السياسية وضرورات التنفيذ المالي السريع. وأي تعطيل تشريعي أو تأخير في إقرار السياسات الاقتصادية سيُترجم فورًا إلى ارتفاعٍ في علاوات المخاطر على الأصول اليابانية، وعلى رأسها السندات الحكومية، نظرًا لحساسية المستثمرين تجاه مؤشرات الجمود السياسي.

أما على الصعيد الخارجي، فتستقبل رئيسة الوزراء المتوقعة اختبارًا دبلوماسيًا مبكرًا مع تقارير عن زيارة مرتقبة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، حيث يُنتظر أن يتصدر الملف التجاري والجمركي محادثات الطرفين، إلى جانب فارق العوائد وطبيعة التفاهمات الاقتصادية الثنائية. وبذلك، تتحول هذه الملفات إلى عناوين مزدوجة التأثير؛ فهي بنود سياسية على جدول المباحثات، لكنها أيضًا إشارات سوقية مؤثرة في اتجاهات العملات والعوائد والأسهم اليابانية خلال المرحلة المقبلة.

اقرأ تفاصيل الاتفاق الجمركي التاريخي بين أمريكا واليابان

كيف يقرأ المستثمرون الأجانب المشهد؟

تاريخيًا، عانت القصة اليابانية من خصمٍ مزمنٍ في أعين المستثمرين الدوليين، نتيجة الانكماش الممتد، وضعف ربحية رأس المال، وتعقيدات حوكمة الشركات التي كبحت جاذبية السوق اليابانية لعقود. لكن اليوم، يرى ريتشارد كاي أن هناك تحولًا جوهريًا في التصوّر تجاه اليابان، قد يشكّل محركًا رئيسيًا للأسواق على المدى المتوسط والطويل.

ومن المتوقع أن تشهد البلاد مقاربات اقتصادية جديدة تقوم على تحريرٍ تدريجي لقطاعات الإنتاج والخدمات، مع سياسة نقدية أكثر توازنًا بين دعم النمو وكبح التضخم، إلى جانب إعادة صياغة العلاقات التجارية مع الولايات المتحدة على نحوٍ يخدم سلاسل التوريد وقيمتها المضافة.

هذه السردية الجديدة — التي تجمع بين إصلاحات هيكلية حقيقية ونظرة أكثر انفتاحًا للأسواق — قد تمنح الأسهم اليابانية قيمة نسبية متزايدة في محافظ المستثمرين الأجانب، خصوصًا إذا ترافقت مع ينٍّ أضعف وتحسنٍ متدرّج في الإنتاجية، وهو مزيج يعيد وضع اليابان على خريطة الاستثمار العالمي بوصفها اقتصادًا ناضجًا لكنه في طور تجديد دوره.

“التجارة الكلاسيكية” تعود.. ما الذي يعنيه ذلك؟

تلخص “Nomura” المعادلة: ين ضعيف، وأسهم مرتفعة، ومنحنى عائد أكثر انحدارًا، كل ذلك يُترجم إلى زيادة أوزان القطاعات الدورية والمرتبطة بالطلب المحلي والشركات الصغيرة والمتوسطة، وحذر أعلى تجاه البنوك وشركات التأمين التي تتأثر بارتفاع عوائد السندات الطويلة وتقلباتها.

بالإضافة إلى تفضيل انتقائي لشركات التكنولوجيا والمصدّرين الذين يستفيدون من ضعف العملة ومن دورة عالمية ما زالت داعمة، وتبقى إدارة المخاطر حاسمة، فأي التواء في مسار بنك اليابان أو “انكماش مفاجئ” في الطلب العالمي، قد يقلب هندسة المراكز سريعاً.

“صدمة إيجابية” تحتاج قواعد لعب واضحة

فوز ساناي تاكايشي يُعيد رسم خريطة التوقّعات الاقتصادية والمالية في اليابان؛ فرفع الفائدة مرجَّح أن يتأجل، بينما يتقدم التحفيز المالي إلى الواجهة، ما ينعكس انتعاشًا في الأسهم، وتراجعًا نسبيًا في الين، وضغوطًا على السندات طويلة الأجل ضمن سياق انحدارٍ متزايدٍ لمنحنى العائد.

لكنّ تحويل هذه الصدمة الإيجابية القصيرة إلى مسارٍ مستدام يتطلّب أكثر من ردّ فعلٍ سوقي؛ إذ يحتاج إلى خارطة تشريعية واضحة تُحدد آليات الحِزم التحفيزية والمنح والتخفيضات الضريبية، إلى جانب إشارات دقيقة من بنك اليابان تُحقق التوازن بين دعم النمو الاقتصادي واليقظة تجاه التضخم. كما أن بناء تفاهمات خارجية مستقرة، خصوصًا مع الولايات المتحدة، سيبقى عنصرًا أساسيًا لتخفيف حالة عدم اليقين التجاري والتمويلي.

وعند هذا التقاطع، تبدو اليابان -في نظر كثيرين- أمام نقطة تحوّل حقيقية؛ فإن نجحت حكومة تاكايشي في إتقان “فنّ المعادلة” بين تحفيزٍ كافٍ وثقةٍ سوقيةٍ راسخة، فقد تنتقل “القصة اليابانية” من إطار تداولٍ تكتيكي قصير الأجل إلى إعادة تموضعٍ استثماري طويل الأمد، أما إذا تعثرت الأجندة الإصلاحية أو اختلّ توازن الرسائل النقدية، فستكون النتيجة جولة إعادة تسعير سريعة، تُعيد الأسواق اليابانية إلى مربع التحوّط والحذر.

قد يهمّك أيضًا: صراع اقتصادي جديد.. اليابان تنافس الصين في إفريقيا

تابعنا على صفحتنا على فيسبوك

تابعنا أيضًا على صفحتنا على إنستغرام

أخبار ذات صلة