منذ أربعين يومًا، تواجه الولايات المتحدة الأمريكية أزمة غير مسبوقة أدخلت مؤسساتها الفيدرالية في حالة شلل تام، إثر أطول إغلاق حكومي في تاريخ البلاد، الأمر الذي تجاوز حدود الخلاف السياسي بين الكونغرس والبيت الأبيض ليضرب عمق الاقتصاد الأمريكي ويؤثر في الحياة اليومية للمواطنين على نطاق واسع.
وقد انعكست تداعيات الإغلاق الحكومي الأمريكي على المطارات والمتاجر الصغيرة، والمصانع، وحتى على ملايين الأسر محدودة الدخل وموظفي الحكومة الذين لم يتقاضوا رواتبهم منذ عدة أسابيع، ما خلق أجواء من القلق الاجتماعي وعدم اليقين الاقتصادي داخل المجتمع الأمريكي.
شلل سياسي يعمّق أزمة الإغلاق الحكومي الأمريكي
تعود جذور الأزمة إلى صراع محتدم بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي بشأن تمرير قانون تمويل الحكومة، بعد أن تعثرت المفاوضات حول بند تمويل برنامج الرعاية الصحية “أوباما كير” الذي يمثل نقطة خلاف أيديولوجي عميقة بين الطرفين، فبينما يرى الجمهوريون أنَّ البرنامج يرهق الميزانية ويؤدي إلى تضخم الإنفاق الحكومي، يتمسك الديمقراطيون به كأحد ركائز العدالة الاجتماعية وضمان الحقوق الأساسية للمواطنين ذوي الدخل المحدود.
وأعلن جون ثيون، زعيم الأغلبية الجمهورية في مجلس الشيوخ، أن “العجلات خرجت عن المسار” في إشارة إلى انهيار المحادثات مع الديمقراطيين، فيما ردّ تشاك شومر، زعيم الأقلية الديمقراطية، بأن حزبه مستعد لإنهاء الإغلاق مقابل تمديد الدعم الصحي لعام إضافي، وهو عرض رفضته الأغلبية الجمهورية، ومع هذا الانسداد السياسي دخلت مؤسسات الحكم في أزمة ثقة متبادلة، وتعطلت آليات التفاوض التي كانت تُعدّ جوهر النظام الديمقراطي الأمريكي.
على الجانب التنفيذي، تمسك الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بموقفه الرافض لأي حلول مؤقتة، معتبرًا أن استمرار الإغلاق وسيلة للضغط من أجل تصحيح مسار السياسات المالية، وهذا التعنّت، كما وصفه محللون اقتصاديون، تسبب في تفاقم الخسائر، إذ أشار كيفن هاسيت، مدير المجلس الاقتصادي القومي في البيت الأبيض، إلى أن تأثير الإغلاق “أسوأ بكثير مما توقعناه”، مؤكدًا أن استمرار الأزمة يهدد معدلات النمو ويضغط على القطاعات الإنتاجية والخدمية في آن واحد.
اقرأ أيضًا: تشريعات هشة وانقسامات سياسية تفاقم أزمة الإغلاق الحكومي الأمريكي
انعكاسات تتجاوز الداخل الأمريكي
بحسب تقديرات مؤسسات مالية دولية مثل بلومبرغ، فإن استمرار الشلل الحكومي يكلف الاقتصاد الأمريكي مليارات الدولارات يوميًا نتيجة توقف الإنتاج في المؤسسات الفيدرالية، وتعطل البرامج الاجتماعية التي يستفيد منها أكثر من 40 مليون أمريكي. كما تسبب توقف الرواتب الحكومية في تراجع الاستهلاك المحلي، وخلق موجات من التوتر في أسواق المال التي شهدت انخفاضات حادة خاصة في قطاع التكنولوجيا.
لم تكن التداعيات اقتصادية فحسب، بل امتدت لتصيب البنية التحتية الحيوية للدولة، خصوصًا قطاع الطيران المدني، فقد أعلنت هيئة الطيران الفيدرالية الأمريكية عن خفض الرحلات الداخلية بنسبة 4% بسبب نقص المراقبين الجويين الذين تضرروا من الإغلاق بعد تأخر رواتبهم، مما أدى إلى إلغاء أكثر من ألف رحلة وتأخير آلاف الرحلات الأخرى في نحو 40 مطارًا رئيسيًا من بينها واشنطن، وأتلانتا، وسان فرانسيسكو، ونيوآرك.
علاوة على ذلك، تجاوزت الأزمة الحالية كونها صراعًا داخليًا لتتحول إلى تهديد لصورة الولايات المتحدة كرمز للاستقرار المؤسسي والسياسي، ومع تصاعد الغضب الشعبي ضد النخبة الحاكمة في واشنطن حذَّر محللون من أنَّ استمرار الإغلاق لفترة أطول سيؤدي إلى تراجع ثقة المستثمرين العالميين في الاقتصاد الأمريكي، وقد ينعكس على التصنيف الائتماني للبلاد إذا استمر الشلل الحكومي دون حل سياسي قريب.
كما أنَّ فقدان الحكومة القدرة على الوفاء بالتزاماتها المالية في الداخل والخارج يثير قلق الأسواق الدولية، ويزيد من احتمالية اضطرابات في النظام المالي العالمي، باعتبار الاقتصاد الأمريكي محورًا رئيسيًا في حركة التجارة والاستثمار الدولية.
اقرأ أيضًا: ماذا يعني تخفيض تصنيف أمريكا الائتماني؟
ضباب اقتصادي يعطل قرارات الاحتياطي الفيدرالي
من أخطر التداعيات الاقتصادية المباشرة للإغلاق أنه أدى إلى توقف إصدار التقارير الاقتصادية الشهرية الأساسية مثل تقرير الوظائف ومؤشر أسعار المستهلك، وهما من المؤشرات الحيوية التي يعتمد عليها مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي في رسم سياساته النقدية؛ فقد كان مكتب إحصاءات العمل يستعد لنشر بيانات التضخم لشهر أكتوبر، لكن الإغلاق أوقف جمع البيانات الميدانية وأجّل موعد الإصدار إلى أجل غير مسمى.
وهذا يعني أن مجلس الاحتياطي الفيدرالي فقد الركيزة الأساسية لتقييم مسار الأسعار والنمو، وهذا يأتي في وقت حرج، حيث يستعد المجلس لعقد اجتماع حاسم في ديسمبر المقبل لمناقشة إمكانية خفض أسعار الفائدة، وهو قرار أصبح مغطى بالضباب بسبب نقص المعلومات.
وأوضح جيروم باول، رئيس الفيدرالي، أن النقاش داخل المجلس يشهد “خلافًا قويًا في وجهات النظر”، مشيرًا إلى أن غياب البيانات جعل المسؤولين أكثر حذرًا. ووفقًا لتحليل نشره إنفستوبيديا، فإن رسائل الفيدرالي الأخيرة باتت “مربكة ومتناقضة”، نتيجة انقسام داخلي حول المسار النقدي الأمثل.
وبينما دعا أوستن غولسبي، رئيس فرع شيكاغو، إلى “التحرك ببطء في أجواء ضبابية”، يرى المحافظ ستيفن ميران أن الإبقاء على أسعار الفائدة المرتفعة يهدد سوق العمل ويشكل خطرًا على النمو. أما بيث هاماك، رئيسة فرع كليفلاند، فحذرت من أن التضخم لا يزال أعلى من هدف 2%، داعية إلى “عدم تقديم دعم إضافي للاقتصاد القوي في الوقت الحالي”.
صراع أيديولوجي حول هوية الاقتصاد الأمريكي
في تعليق شامل على الوضع، أكد الدكتور عمرو سلامة، الخبير الاقتصادي، أن الأزمة الحالية “تتجاوز الخلافات التشريعية لتتحول إلى صراع أيديولوجي حول هوية الاقتصاد الأمريكي ودور الدولة”، وقال إنَّ فشل الكونغرس في إعادة صرف رواتب الموظفين الفيدراليين يعكس عمق الانقسام السياسي بين الحزبين، اللذين يخوضان معركة نفوذ تتجاوز الموازنة إلى مستقبل النظام الاجتماعي بأكمله.
وأوضح سلامة أن الجمهوريين يسعون لتقليص حجم الحكومة والحد من تدخلها في الاقتصاد، بينما يدافع الديمقراطيون عن نموذج “دولة الرفاه” التي تكفل الرعاية الصحية والاجتماعية للفئات الضعيفة. وأشار إلى أن ما يحدث داخل الكونغرس أصبح معركة انتخابية مبكرة قبل انتخابات التجديد النصفي؛ حيث يحاول كل طرف تسجيل نقاط سياسية أمام الرأي العام.
وأضاف أن استمرار الإغلاق سيقود إلى تراجع معدلات النمو خلال الربع المالي الجاري، وزيادة الضغوط على الفئات المتوسطة والدنيا التي تعاني من ارتفاع تكاليف المعيشة وتعطل الخدمات العامة، وأكد أن “كل أسبوع إضافي من الإغلاق يعني مليارات الدولارات من الخسائر وانخفاضًا في الإنتاجية واهتزازًا في الثقة العامة بالاقتصاد الأمريكي”.
اقرأ أيضًا: الإغلاق الحكومي الأمريكي يهدد الاقتصاد بخسائر 15 مليار دولار أسبوعيًا
أزمة ثقة في الديمقراطية الأمريكية
شدَّد الدكتور عمرو سلامة على أنَّ الأزمة الحالية تمثل جرس إنذار للنظام السياسي الأمريكي، مشيرًا إلى أن الإغلاق لم يعد مجرد خلاف حول الموازنة بل أزمة ثقة في فعالية الديمقراطية الأمريكية نفسها، وأضاف أن تفاقم الانقسام الحزبي يهدد بتقويض أسس الحكم المستقرة التي طالما اعتُبرت نموذجًا عالميًا في التوازن المؤسسي.
وقال سلامة إن “المخرج الوحيد هو تسوية سياسية متوازنة تعيد الانضباط إلى المؤسسات وتعيد ثقة المواطنين في دولتهم”، محذرًا من أن استمرار الأزمة دون حل سيترك آثارًا تمتد إلى الأسواق العالمية التي تعتمد على استقرار الاقتصاد الأمريكي كمرتكز رئيسي للنظام المالي الدولي.
واختتم الخبير تصريحاته قائلاً: “الإغلاق الحكومي الأمريكي الحالي ليس مجرد أزمة تمويلية عابرة، بل تحول إلى اختبار شامل للنظام السياسي والاقتصادي والاجتماعي الأمريكي، إنه صراع يعكس عمق الانقسام داخل الدولة حول مفهوم العدالة ودور الحكومة وحدود تدخلها في حياة المواطن، وبينما تتأرجح الأسواق في ضباب من القلق وتنتظر قرارات “الاحتياطي الفيدرالي” يظل المواطن الأمريكي هو الخاسر الأكبر في هذه المواجهة التي تهدد أكبر اقتصاد في العالم بفقدان توازنه أمام العالم بأسره”.
قد يهمّك أيضًا: بكين تعلّق الرسوم الجمركية الانتقامية على الواردات الأمريكية
