الإغلاق الحكومي في أمريكا.. تشريعات هشة وأزمة تهدد ملايين الأسر
مع تجدد أزمة الإغلاق الحكومي في أمريكا يدخل الاقتصاد مرحلة جديدة من الاضطراب، حيث تتزايد المخاوف من تشريد ملايين المواطنين، فيما تكشف الأزمة عن هشاشة التشريعات المالية وعمق الانقسامات بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي، ورغم أن الإغلاق لا يعني توقف مؤسسات الدولة بالكامل إلا أنه يفرض شللًا جزئيًا على الجهاز الإداري والخدمات الأساسية نتيجة تجميد التمويل المرتبط بالموازنة الفيدرالية.
ويرى خبراء أن هذه الأزمة لم تعد مجرد ورقة ضغط سياسية، بل تحولت إلى تهديد مباشر للاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، في وقت يعاني فيه الأمريكيون أصلًا من التضخم وارتفاع تكاليف المعيشة.
صراع سياسي على الموازنة
قال الدكتور عمرو يوسف، أستاذ التشريعات الاقتصادية، إن جذور الأزمة تكشف عن تناقضات هيكلية في النظام السياسي الأمريكي، حيث يقف الجمهوريون بقيادة الرئيس دونالد ترامب في مواجهة الديمقراطيين حول أولويات الإنفاق.
وأوضح أن الجمهوريين يسعون إلى زيادة الإنفاق الدفاعي والأمني وقوات الهجرة والجمارك، حتى لو جاء ذلك على حساب برامج الرعاية الصحية والتعليم والدعم الاجتماعي، في المقابل يتمسك الديمقراطيون بضرورة حماية هذه البرامج باعتبارها صمام أمان للمجتمع الأمريكي.
وأضاف يوسف: “الإغلاق الحكومي يتم استخدامه كأداة في لعبة عض الأصابع السياسية، إذ يعتبره ترامب وسيلة للضغط على الديمقراطيين وتمرير رؤيته الاقتصادية، بل وذريعة لتقليص حجم الجهاز الإداري وتسريح آلاف الموظفين بدلًا من منحهم إجازات غير مدفوعة”.
تداعيات مباشرة على الموظفين والخدمات
يرى يوسف أن الأزمة تضرب مباشرة حياة ملايين الموظفين الفيدراليين، فالعاملون الدائمون يستمرون في أداء مهامهم لكن دون رواتب منتظمة، بينما يجبر الموظفون المتعاقدون على إجازات غير مدفوعة الأجر، ما يعني حرمانهم من الدخل والتأمين الصحي لفترة قد تمتد لأسابيع أو أشهر.
وقال: “إذا طال أمد الأزمة فإن برامج مثل المساعدات الغذائية SNAP، والرعاية الصحية، والأنشطة التعليمية بعد المدرسة، وحتى الحدائق العامة والمتنزهات، ستتوقف، وهو ما يربك حياة ملايين الأسر ويضعف شبكات الأمان الاجتماعي”.
وأشار إلى أن ولايات مثل ميريلاند وفرجينيا والعاصمة واشنطن هي الأكثر تأثرًا بحكم اعتمادها الكبير على العقود الحكومية، بينما تشعر بقية الولايات بالأثر بدرجات متفاوتة.
البعد الاجتماعي للأزمة
من جانبها، حذرت الدكتورة مروى خضر، الخبيرة الاقتصادية، من أن الأبعاد الاجتماعية قد تكون الأشد خطورة، فتوقف برامج مثل SNAP أو المساعدات الصحية والتعليمية يعرض ملايين الأسر الأمريكية لخطر الفقر وفقدان الأمن الغذائي.
وقالت: “المواطن العادي قد لا يهتم بالخلافات التقنية بين البيت الأبيض والكونغرس، لكنه يشعر مباشرة بتأثير توقف الرواتب أو تعطل الخدمات، وهذا يولد حالة من القلق وعدم اليقين تهدد بتصاعد الاحتجاجات أو فقدان الثقة في الدولة”.
أما يوسف فأكد أن استمرار الإغلاق لفترة طويلة سيؤدي إلى تشريد ملايين الأمريكيين نتيجة فقدان الدخل وتعطل الخدمات الأساسية، معتبرًا أن ذلك “تهديد مباشر للاستقرار الداخلي في دولة معروفة بحدة الرأسمالية وقسوتها الاجتماعية”.
اقرأ أيضًا: واشنطن تؤسس صندوقًا سياديًا وتستحوذ على حصص لحماية الصناعات
الانعكاسات الاقتصادية العالمية للإغلاق الأمريكي
أوضحت مروى خضر أن الأزمة لا تقتصر على كونها خلافًا سياسيًا داخليًا، بل تحمل انعكاسات اقتصادية عالمية. وقالت إن توقف الخدمات الفيدرالية يعطل قطاعات حيوية مثل الصحة والهجرة والجوازات والضرائب، وجميعها متشابكة مع القطاع الخاص، ما يؤدي إلى ارتباك النشاط الاقتصادي وتعطيل سلاسل الإنتاج والخدمات.
وأضافت: “تراجع الإنفاق الحكومي المؤقت يضغط على قطاعات صناعية رئيسية مثل السيارات والإلكترونيات، في وقت حساس تتبنى فيه الولايات المتحدة سياسة الفائدة المرتفعة لمحاربة التضخم، ما يضاعف الأزمة ويقيد قدرة الشركات على التوسع أو حتى الحفاظ على مستويات إنتاجها”.
كما أكدت خضر أن كلفة الإغلاق تظهر سريعًا على الناتج المحلي الإجمالي، فكل أسبوع من التوقف يكلف الاقتصاد الأمريكي ما بين 0.1 إلى 0.2 نقطة مئوية من معدل النمو السنوي، أي ما يتجاوز مليار دولار أسبوعيًا.
وأشارت إلى أن هذه الخسائر تعود إلى توقف عمل مئات آلاف الموظفين الفيدراليين وتجميد العقود والمشتريات الحكومية، مؤكدة أن: “التجارب السابقة أثبتت أن جزءًا كبيرًا من هذه الخسائر لا يمكن تعويضه حتى بعد إعادة فتح الحكومة، لأن بعض العقود والمشروعات تتوقف نهائيًا أو تتأخر بشكل يصعب تداركه”.
مقارنة تاريخية مع إغلاقات سابقة
لفهم خطورة الوضع الراهن، أشار الخبراء إلى تجارب الإغلاقات السابقة؛ حيث كان أطول إغلاق حكومي شهدته الولايات المتحدة عام 2018/2019 خلال فترة ترامب الأولى، واستمر 34 يومًا، متجاوزًا الرقم القياسي السابق في 1995 (21 يومًا).
وعلق الدكتور عمرو يوسف على ذلك قائلًا: “الإغلاق الطويل في 2019 كلف الاقتصاد أكثر من 11 مليار دولار وفق تقديرات مكتب الميزانية بالكونغرس، منها 3 مليارات لم يتم تعويضها أبدًا، بالإضافة إلى خسائر غير مباشرة على ثقة المستثمرين والأسواق المالية“.
أما الإغلاق في 2013 خلال فترة الرئيس أوباما، فقد استمر 16 يومًا وأدى إلى خسائر مباشرة قدرت بـ 24 مليار دولار، مع تراجع واضح في مؤشرات ثقة المستهلك.
وأضاف يوسف: “التاريخ يثبت أن الإغلاقات لا تمر بلا أثر، وكلما طالت مدتها زادت كلفتها الاقتصادية والاجتماعية، وارتفعت معها احتمالات فقدان الثقة في كفاءة التشريعات المالية الأمريكية”.
راي داليو: أزمة ديون تلوح في الأفق بسبب سياسات ترامب.. اقرأ التقرير كاملًا!
السيناريوهات المحتملة للأزمة الحالية
ويرى الدكتور عمرو يوسف أن الأزمة أمام ثلاثة سيناريوهات رئيسية:
- قصير الأجل: تمرير سريع للميزانية عبر مساومات محدودة، لتفادي الفوضى.
- متوسط الأجل: استمرار الإغلاق لأسابيع، مع تصاعد الضغوط على الموظفين والبرامج الاجتماعية.
- طويل الأجل: أزمة ممتدة تتجاوز الرقم القياسي السابق، مع تصاعد الغضب الشعبي وضغوط الأسواق المالية.
وأكد الخبير أن السيناريو الأخير قد يضع الاقتصاد الأمريكي في مواجهة مباشرة مع ركود اقتصادي مصحوب بتضخم، وهو السيناريو الأخطر.
الثقة في الاقتصاد الأمريكي على المحك
اختتمت الدكتورة مروى خضر تصريحاتها بالتأكيد على أن الأزمة الحالية تأتي في وقت بالغ الحساسية للاقتصاد الأمريكي، الذي يواجه أصلًا تحديات التضخم وتباطؤ النمو. وقالت: “أي إشارة إلى شلل حكومي مطوّل ستضعف ثقة المستثمرين العالميين في استقرار الاقتصاد الأمريكي، وقد تفتح الباب أمام موجات من التذبذب في الأسواق المالية العالمية”.
أما يوسف فشدد على أن “الإغلاق الحكومي في أمريكا ليس مجرد صراع على أرقام الموازنة، بل هو انعكاس لانقسام سياسي وتشريعي عميق يهدد مستقبل التشريعات الاقتصادية في الولايات المتحدة”، وأضاف: “الثمن النهائي سيدفعه المواطن الأمريكي أولًا عبر فقدان وظيفته أو حرمانه من الغذاء والرعاية الصحية، وهو ما يجعل هذه الأزمة الأخطر منذ الأزمة المالية العالمية”.
اقرأ أيضًا: الاقتصاد الأمريكي بين أزمة هيكلية وشبح الإغلاق الحكومي
