تقرير: باسل محمود
في خضم سباق عالمي محموم على الاستثمار في مجال الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا المتقدمة، تبرز الإمارات العربية المتحدة كوجهة رئيسة تستقطب كبرى الشركات العالمية، لتعزيز مكانتها كلاعب رئيس في صناعة الرقائق الإلكترونية وتكنولوجيا الذكاء الاصطناعي التي تُعد من أبرز مكونات الاقتصاد الرقمي العالمي.
وقد انتقلت طموحات الإمارات في قطاع أشباه الموصلات من مرحلة التخطيط إلى خطوات تنفيذية متسارعة؛ حيث كشفت تقارير حديثة في عام 2026 عن تقدم كبير في المحادثات مع شركتي “سامسونج” و “TSMC” لإنشاء مجمعات ضخمة لإنتاج الرقائق المتقدمة بتكلفة تتجاوز 100 مليار دولار.
وتلعب شركة “MGX” الاستثمارية، المدعومة من “مبادلة”، دوراً محورياً في تمويل هذه المشاريع التي تهدف لتأمين سلاسل توريد رقائق الذكاء الاصطناعي عالمياً. ومع تزايد التنسيق مع الولايات المتحدة لضمان المعايير الأمنية، رسخت الإمارات مكانتها ليس فقط كمركز للابتكار، بل كشريك استراتيجي لا غنى عنه في “حرب الرقائق” العالمية.
استثمارات استراتيجية في الذكاء الاصطناعي
لم تكن هذه الخطوة مفاجئة لمتابعي مسيرة الإمارات؛ فمنذ إطلاق استراتيجية الذكاء الاصطناعي تسارعت الخطى لتتحول الدولة من مستهلك للتكنولوجيا إلى منتج وممول عالمي لها. وقد شكل تأسيس “مجلس الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا المتقدمة” في يناير 2024 نقطة تحول استراتيجية، تبعها إطلاق شركة (MGX) التي أصبحت اليوم، في عام 2026، المحرك السيادي الأكبر للاستثمار في البنية التحتية الرقمية وأشباه الموصلات عالمياً.
ويُعد التحالف التاريخي بين (MGX) و”مايكروسوفت” و”بلاك روك” لتدشين “الشراكة العالمية للاستثمار في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي” علامة فارقة؛ حيث تجاوزت قيمة الاستثمارات المستهدفة حاجز 100 مليار دولار مع حلول عام 2026، شملت بناء مراكز بيانات عملاقة ومشاريع طاقة متجددة لتشغيلها. كما تطورت شراكة “G42” مع “مايكروسوفت” لتتجاوز الاستثمار الأولي (1.5 مليار دولار)، حيث تم افتتاح مراكز تميز رقمية في كينيا ودول أفريقية أخرى، مما كرس دور الإمارات كقائد لـ “التكنولوجيا المسؤولة” في الجنوب العالمي.
ولم يتوقف الطموح عند مراكز البيانات، فقد دخلت “G42” في شراكات تشغيلية متقدمة مع “إنفيديا” لإنشاء مراكز حوسبة فائقة الأداء تعتمد على رقائق Blackwell وما بعدها، بالتزامن مع تعاون تقني مع “OpenAI” لتطوير نماذج لغوية ضخمة تتناسب مع الاحتياجات الإقليمية والعالمية، مما جعل الإمارات اليوم الوجهة الأولى لاختبار وتطبيق تقنيات المستقبل المستدامة.
من ناحية أخرى، تواصل “مبادلة” ترسيخ دورها السيادي في سلسلة توريد أشباه الموصلات العالمية؛ فمنذ استثمارها التاريخي في “AMD” وتأسيس “غلوبال فاوندريز” انتقلت الإمارات إلى مرحلة “التصنيع المتقدم عالي القيمة”. وفي خطوة تعكس هذا التوسع، لم تكتفِ الشركة بافتتاح مصنعها المتطور في سنغافورة بتكلفة 4 مليارات دولار، بل أعلنت في أواخر 2024 ومطلع 2025 عن خطط لتوسعة منشآتها في نيويورك وألمانيا بدعم حكومي بمليارات الدولارات لتلبية الطلب المتزايد على رقائق السيارات والذكاء الاصطناعي.
كما عززت “مبادلة” محفظتها عبر شركة (MGX) للدخول في تحالفات لإنتاج رقائق الجيل القادم، مما يضمن للإمارات دوراً محورياً في السيادة التقنية العالمية وتأمين سلاسل التوريد ضد التقلبات الجيوسياسية.
اقرأ أيضًا: الإمارات وأمريكا.. تعزيز الشراكة الإستراتيجية
رؤية الإمارات 2030: التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي
تجاوز حجم الاستثمار السنوي للإمارات في الابتكار والذكاء الاصطناعي حاجز 5 مليارات دولار مع حلول عام 2026، مدفوعاً بنشاط شركة “MGX” والشراكات المليارية مع “مايكروسوفت” و”إنفيديا”، وتشير البيانات المحدثة إلى أن مساهمة الذكاء الاصطناعي في الاقتصاد الوطني تسير بخطى أسرع من التوقعات السابقة، حيث يُقدر أن ترفد الناتج المحلي الإجمالي بنحو 110 مليارات دولار بحلول عام 2030، مما يرسخ مكانة الدولة كقطب عالمي في صناعة الرقائق والسيادة البياناتية.
وتعد هذه الطموحات ركيزة أساسية في “مئوية الإمارات 2071″، حيث انتقلت الدولة من مرحلة تبني التقنية إلى توطينها؛ فوفقاً لمستهدفات استراتيجية الذكاء الاصطناعي المحدثة، نجحت الحكومة في أتمتة أكثر من 80% من الخدمات الأساسية باستخدام أنظمة ذكاء اصطناعي توليدي بحلول عام 2026، مع المضي قدماً نحو تحقيق نسبة 100% بحلول عام 2031.
هذا التحول الرقمي الشامل لا يقتصر على كفاءة الأداء الحكومي فحسب، بل يمتد لتمكين القطاع الخاص عبر “مختبرات التنظيم” (RegLab) ودعم البحث والتطوير في تطبيقات الحوسبة الكمية والطاقة النظيفة لتشغيل مراكز البيانات العملاقة.
الإمارات بيئة خصبة للاستثمار التكنولوجي
في ظل هذه الرؤية الطموحة، تحولت الإمارات من وجهة مفضلة إلى “المحرك العالمي” لاستثمارات الذكاء الاصطناعي؛ حيث انتقل وصف سام ألتمان، الرئيس التنفيذي لشركة “OpenAI”، للدولة بأنها “بيئة خصبة” إلى تعاون استراتيجي وثيق لتأمين القوة الحوسبية والرقائق اللازمة للجيل القادم من النماذج اللغوية الضخمة، وتعززت هذه الثقة بحصول الإمارات على مراكز متقدمة في مؤشرات الجاهزية الرقمية، متفوقةً على اقتصادات كبرى في مستويات التفاؤل الاستثماري وتبني التقنيات الناشئة.
وقد بدأت نتائج هذه الثقة تتبلور في عام 2026 من خلال تفعيل “التحالف الاستراتيجي للبنية التحتية”؛ حيث يقود صندوق (MGX) اليوم شراكة عالمية تاريخية مع “بلاك روك” و”مايكروسوفت”، والتي نجحت بالفعل في حشد استثمارات تجاوزت قيمتها الإجمالية 100 مليار دولار.
لا تهدف هذه الشراكة لتطوير مراكز البيانات العملاقة فحسب، بل تمتد لتأمين إمدادات الطاقة النظيفة اللازمة لتشغيلها، مما يضع الإمارات في صدارة الدول التي تضع معايير “الذكاء الاصطناعي المسؤول والمستدام” على مستوى العالم.
اقرأ أيضًا: الذكاء الاصطناعي وإنترنت الأشياء ثورة في قطاع الضيافة السعودي
الريادة الإماراتية في الذكاء الاصطناعي
الاستثمارات الإماراتية الطموحة في قطاع الذكاء الاصطناعي جعلت من الدولة الخليجية نموذجًا يحتذى به في التطوير التكنولوجي، كما أن شراكاتها مع كبرى الشركات العالمية، واستراتيجياتها المبتكرة، ورؤيتها المستقبلية جعلتها واحدة من أبرز المراكز التكنولوجية في العالم.
علاوةً على ذلك، يمكن للإمارات من خلال استمرار في هذه المسيرة أن تحقق أهدافها في أن تصبح مركزًا عالميًا للذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا المتقدمة، مع تعزيز مكانتها كوجهة أولى للشركات العالمية الباحثة عن بيئة استثمارية محفزة ومبتكرة.
كما لم تقتصر الجهود على الاستثمار فحسب، بل شملت أيضًا وضع أُطُر حوكمة تضمن الاستخدام الآمن والمسؤول للذكاء الاصطناعي، كما أنشأت الحكومة الإماراتية مكتبًا للذكاء الاصطناعي بهدف قيادة هذه الجهود ودعم الوزارات للاستفادة من التقنيات الحديثة، إضافة إلى تدريب المواهب المحلية وتنمية جيل جديد من الكفاءات في هذا المجال.