اتفاق جمركي تاريخي بين أمريكا واليابان بقيمة 550 مليار دولار

في خطوة وصفت بأنها نقطة تحوّل كبرى في العلاقات الاقتصادية بين واشنطن وطوكيو، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تفاصيل الاتفاق الجمركي بين أمريكا واليابان، والذي يتضمن خفضًا كبيرًا في الرسوم الجمركية المفروضة على السيارات اليابانية، مقابل التزام استثماري ضخم من الجانب الياباني تصل قيمته إلى 550 مليار دولار.

الاتفاق يأتي في توقيت حساس ضمن تحركات متسارعة من إدارة ترامب لإبرام صفقات ثنائية مع حلفائها الآسيويين قبل حلول الأول من أغسطس، وهو الموعد النهائي الذي حدده الرئيس الأمريكي لبدء تطبيق رسوم جمركية جديدة على الدول التي لا تتجاوب مع المطالب الأمريكية التجارية.

أبرز بنود الاتفاق الجمركي بين أمريكا واليابان

الاتفاق يقضي بتخفيض الرسوم الجمركية الأمريكية على واردات السيارات اليابانية من نسبة 27.5% إلى 15%، وتشمل هذه النسبة كلاً من الرسوم الأساسية المقدرة بـ2.5%، والرسوم الإضافية التي فُرضت في أبريل الماضي بنسبة 25%، كما تم إلغاء الزيادة المقررة من 1 أغسطس على سلع يابانية أخرى، لتُخفض من 25% إلى 15%.

في المقابل، وافقت الحكومة اليابانية على تخصيص حزمة تمويل واستثمار بقيمة 550 مليار دولار، تشمل قروضًا وضمانات حكومية لدعم الشركات اليابانية في بناء سلاسل توريد مرنة في قطاعات استراتيجية مثل الأدوية وأشباه الموصلات، وتأتي هذه الخطوة في ظل سعي الولايات المتحدة إلى تقليل الاعتماد على الصين في هذه المجالات، خاصة بعد أزمة سلاسل التوريد التي تفاقمت خلال جائحة كورونا.

ومن جانبه، وصف رئيس الوزراء الياباني شيغيرو إيشيبا الاتفاق بأنه “تاريخي”، مشيرًا إلى أنه يمثل أدنى مستوى للرسوم الجمركية المفروضة على دولة تحقق فائضًا تجاريًا كبيرًا مع الولايات المتحدة، والذي بلغ العام الماضي نحو 70 مليار دولار من أصل 230 مليارًا تمثل إجمالي حجم التبادل التجاري بين البلدين في عام 2024.

انعكاسات سريعة في الأسواق العالمية

ردّت الأسواق العالمية سريعًا على الاتفاق، حيث قفز مؤشر “نيكي” الياباني بنسبة 4%، مدعومًا بارتفاع ملحوظ في أسهم شركات صناعة السيارات، حيث ارتفعت أسهم “تويوتا” بأكثر من 14%، وأسهم “هوندا” بنحو 11%، كما انعكس التفاؤل على أسهم شركات السيارات الأوروبية والكورية الجنوبية، في ظل توقعات بإمكانية إبرام اتفاقات مماثلة مع واشنطن.

وأعرب نائب محافظ بنك اليابان، شينيتشي أوشيدا، عن تفاؤله بالاتفاق، معتبرًا أنه يمثل خطوة إيجابية نحو تقليص حالة عدم اليقين الاقتصادي، مما يعزز فرص تحقيق هدف البنك المركزي للوصول إلى معدل تضخم عند 2%.

رغم الأجواء الإيجابية، لم يحظَ الاتفاق بترحيب موحد داخل الولايات المتحدة، إذ أعربت كبرى شركات صناعة السيارات الأمريكية عن قلقها من إعفاء واردات السيارات اليابانية من الرسوم، في حين أن المركبات المُصنعة في أمريكا الشمالية والتي تحتوي على نسبة كبيرة من المكونات الأمريكية لا تحظى بنفس التسهيلات.

الاتفاق أيضًا لا يشمل واردات الصلب والألمنيوم اليابانية التي لا تزال خاضعة لرسوم بنسبة 50%، وقد أكد كبير المفاوضين اليابانيين، ريوسي أكازاوا، أن هذه المواد وكذلك ملف الإنفاق الدفاعي لم يتم تضمينهما في الاتفاق، رغم أنهما كانا ضمن أولويات إدارة ترامب في مفاوضات سابقة.

اقرأ أيضًا: ترامب يدفع الهند لإلغاء رسوم السيارات الأمريكية

دوافع سياسية ورسائل دولية

بالنسبة للرئيس ترامب، يمثل الاتفاق انتصارًا شخصيًا واقتصاديًا في آنٍ واحد، وقد كتب عبر منصته “تروث سوشيال”: “لقد أبرمنا للتو أكبر صفقة تجارية في التاريخ مع اليابان”، كما ألمح في تصريحات لاحقة إلى إمكانية تأسيس مشروع مشترك مع طوكيو لدعم خط أنابيب غاز طبيعي في ألاسكا، بما يعكس رغبة متزايدة في توسيع مجالات التعاون بين البلدين لتشمل قطاعي الطاقة والبنية التحتية.

ورغم الاحتفاء الرسمي، ما تزال هناك جوانب غامضة بشأن تفاصيل تنفيذ الاتفاق، خاصة فيما يتعلق بالجدول الزمني لحزمة الاستثمارات اليابانية وشروطها الدقيقة، حتى رئيس الوزراء إيشيبا أشار إلى أن حكومته ستدرس الاتفاق بعناية قبل إصدار تقييم نهائي.

الملف الشائك الآخر الذي غاب عن الاتفاق هو ملف أسعار الصرف الذي طالما شكل مصدر توتر بين البلدين، فوزير المالية الياباني كاتسونوبو كاتو أكد أن الاتفاق لم يتطرق إلى سعر صرف الين، رغم التوقعات بأن تضغط واشنطن مستقبلاً لتعزيز قيمة العملة اليابانية مقابل الدولار.

كما لم يتضمن الاتفاق أي التزامات يابانية إضافية بشأن الإنفاق الدفاعي، وهو بند لطالما أصر عليه ترمب في خطاباته، معتبرًا أن الحلفاء يجب أن يتحملوا حصة أكبر من كلفة الحماية الأمريكية.

انعكاسات أوسع على التجارة العالمية

الاتفاق الجمركي بين أمريكا واليابان يأتي في إطار استراتيجية أمريكية أوسع لإعادة تشكيل النظام التجاري العالمي من خلال اتفاقات ثنائية مباشرة، بعيدًا عن آليات التفاوض متعددة الأطراف. وتعمل إدارة ترمب على التوصل لاتفاقات مشابهة مع دول عدة، مثل بريطانيا، وإندونيسيا، والفلبين، وسط أنباء عن بدء مفاوضات وشيكة مع وفد من الاتحاد الأوروبي. كما هدأت بشكل مؤقت معركة الرسوم الجمركية المتبادلة مع الصين، رغم بقاء العديد من الملفات الخلافية مفتوحة.

نموذج الاتفاق مع اليابان قد يصبح القالب الجديد الذي تتبعه واشنطن في علاقاتها التجارية المستقبلية، والذي يتسم بتخفيض للرسوم الجمركية مقابل التزامات استثمارية ضخمة تخدم الأجندة الاقتصادية الأمريكية.

وفي حين يبعث الاتفاق برسائل إيجابية للأسواق العالمية، يبقى نجاحه مرهونًا بالتنفيذ الدقيق والشفافية، وتوازن المصالح بين الجانبين، فالمكاسب السريعة في أسواق المال لا تُخفي تعقيدات نظام التجارة الدولية الذي يشهد تحولات عميقة تحت ضغط سياسات اقتصادية أكثر قومية وأقل التزامًا بالتعددية.

اقرأ أكثر عن الاتفاق التجاري بين أمريكا والصين وتأثيره على الاقتصاد العالمي

نموذج “المقايضة الاقتصادية”

قالت الدكتورة مروى خضر، الخبيرة الاقتصادية وأستاذة العلاقات التجارية الدولية، إن الاتفاق الجمركي الذي أعلن عنه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مع اليابان يُعد تطورًا استراتيجيًا بالغ الأهمية، ليس فقط في سياق العلاقات الاقتصادية بين البلدين، وإنما في إطار التحولات العميقة التي يشهدها النظام التجاري العالمي.

وأوضحت أن “خفض الرسوم الجمركية على السيارات اليابانية يُشير إلى أن الولايات المتحدة باتت تعتمد سياسة المقايضة بين النفوذ الجمركي وعودة رؤوس الأموال، وهو مسار اقتصادي جديد بدأ يتبلور بشكل واضح في عهد ترامب”.

وأضافت: “هذه الصفقة تمنح اليابان نفاذًا أوسع إلى السوق الأمريكي، في وقت تشهد فيه شركات السيارات اليابانية ضغوطًا لوجستية وتكلفة إنتاج مرتفعة، وهو ما يُعد إنقاذًا استراتيجيًا للصناعة اليابانية، لكنها في الوقت ذاته تمنح إدارة ترمب انتصارًا سياسياً واقتصادياً يتمثل في ضخ استثمارات تعزز سلاسل التوريد الأمريكية في قطاعات حساسة، أبرزها أشباه الموصلات والدواء”.

علاوة على ذلك، أكَّدت الدكتورة أن الاتفاق الجمركي بين أمريكا واليابان، ليس معزولًا عن السياق الدولي، بل يُمثل ما وصفته بـ”نموذج المرحلة القادمة”، وقالت: “ما نراه هو بداية واضحة لانحسار دور منظمة التجارة العالمية، واتجاه متسارع نحو اتفاقات ثنائية مشروطة، قائمة على مفهوم النفوذ مقابل الامتيازات، وبهذا النهج تتجه واشنطن نحو إعادة رسم موازين التجارة الدولية بطريقة قد تُضعف المنظومة التجارية القائمة على القواعد والتعددية”.

كما أشارت إلى أن الاتفاق سيؤدي إلى تغيرات واسعة في تدفقات الاستثمار العالمي، وقالت: “عندما تضخ اليابان نصف تريليون دولار في الاقتصاد الأمريكي، فإن دولًا أخرى ستُجبر على تبني النهج ذاته للحصول على معاملة تفضيلية، وهذا يجعلنا نقف أمام تحالفات اقتصادية وليدة تُدار على أساس المصالح وليس المبادئ”.

العمالة الأمريكية في مرمى النيران

فيما يخص التداعيات المحلية للاتفاق داخل الولايات المتحدة، قالت خضر: “الاتفاق أثار قلقًا داخل قطاع صناعة السيارات الأمريكي، وهو قلق مبرر، إذ سيؤدي إلى تفضيل المركبات اليابانية في السوق الأمريكي، من حيث السعر، مقابل مركبات تُصنع في أمريكا الشمالية بمكوّن محلي أكبر، لكنها تُعامل جمركيًا بشكل أقل تفضيلًا، وهذا الخلل قد يُؤثر على معدلات تشغيل المصانع الأمريكية وقد يؤدي إلى فقدان وظائف”.

وأضافت: “المفارقة أنَّ هذا يحدث في وقت تُروّج فيه إدارة ترامب لسياستها باعتبارها داعمة للعمالة الأمريكية، وهو تناقض ستكشفه الأشهر القادمة ما لم يتم تعويضه بتحفيزات داخلية للصناعة المحلية”.

ملفات عالقة وغموض في التنفيذ

حذّرت الدكتورة مروى خضر بدورها من أنَّ الاتفاق، رغم أهميته، لا يخلو من ثغرات وغموض، خاصة فيما يتعلق بآليات تنفيذ الاستثمارات اليابانية والجدول الزمني لها، مضيفةً: “عدم تضمين الاتفاق لبند يتعلق بأسعار الصرف أو الإنفاق الدفاعي الياباني يكشف عن ملفات لا تزال معلقة، وقد تُفتح لاحقًا كورقة ضغط أمريكية، كما أن عدم شمول الاتفاق لواردات الصلب والألمنيوم اليابانية يضع قيودًا على طموح اليابان في تسوية تجارية شاملة”.

واختتمت الدكتورة مروى خضر تصريحاتها بالتأكيد على أن الاتفاق الجمركي بين أمريكا واليابان يمثل “رسالة سياسية قبل أن يكون صفقة اقتصادية”، موضحةً أنّ “الولايات المتحدة تُعلن عبر هذا الاتفاق أنها مستعدة لفتح أسواقها مقابل التزامات استثمارية ضخمة، لكن من لا يدفع أو لا يقدّم تنازلات فمصيره التهميش أو الرسوم العقابية، وهذا يعكس تحوّلًا جذريًا في عقيدة الاقتصاد الدولي، من نموذج السوق المفتوح إلى نموذج السوق الممنوح”.

وأضافت:”الاتفاق الأمريكي – الياباني سيكون له تداعيات دولية أوسع، وقد يُحفّز قوى اقتصادية كبرى مثل الاتحاد الأوروبي والهند وكوريا الجنوبية على تعديل سياساتها التفاوضية.

قد يهمّك أيضًاتفاصيل المفاوضات الجديدة بين تركيا والعراق بعد إلغاء اتفاقية النفط 1973

تابعنا على صفحتنا على فيسبوك

تابعنا أيضًا على صفحتنا على إنستغرام

أخبار ذات صلة