في ظل استعداد أميركا للانتخابات الرئاسية لعام 2024، يبقى الاقتصاد أكثر الملفات تأثيرا في مسار العملية الانتخابية
ويبرز الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب كمرشح بارز، حاملًا معه أجندة اقتصادية تحمل تغييرات جوهرية مقارنة بسياسات الإدارة الحالية.
ويركز ترامب في حملته الانتخابية على تعزيز الحمائية التجارية وخفض تكاليف الطاقة لتحقيق الاكتفاء الذاتي الاقتصادي
حيث يسعى ترامب إلى إعادة تشكيل الاقتصاد الأميركي على أسس جديدة
ولكن ذلك يأتي مع توقعات متباينة حول الآثار المحتملة على المدى القصير والطويل، سواء على الصعيد المحلي أو العالمي.
فيما تمثل الرؤية الاقتصادية لكامالا هاريس نهجاً شاملاً يركز على الاستثمار في البنى التحتية، ودعم الشركات الصغيرة
إلى جانب تعزيز المساواة الاقتصادية، والانتقال إلى الطاقة النظيفة
ومن خلال هذه السياسات، تسعى هاريس إلى تحسين الاقتصاد الأميركي وجذب الناخبين، مما قد يساهم في تعزيز موقف الديمقراطيين في السباق الرئاسي المقبل.
أجندة ترامب الاقتصادية
وتقول الدكتورة شيماء وجيه أستاذ الاقتصاد بالأكاديمية العربية للعلوم والتكنولوجيا والنقل البحري ، لقد أظهرت الأجندة الاقتصادية لترامب توجهات جديدة مختلفة عن توجهات الرئيس الحالي بايدن، وبالأخص على الصعيد الاقتصادي.
حيث ترتكز هذه الأجندة على تعزيز الحمائية التجارية من خلال فرض تعريفة جمركية مرتفعة بنسبة 10% على جميع الواردات الأميركية
وتعريفة تقدر بنسبة 60% على الواردات من الصين، بالإضافة إلى ذلك، تهدف الأجندة إلى خفض تكلفة استهلاك الطاقة والكهرباء
والسعي نحو تحقيق اكتفاء ذاتي للولايات المتحدة الأميركية، وإلغاء اللوائح التي تعوق إنتاج الطاقة المحلي
وكذلك تقديم تخفيضات ضريبية للشركات، ورفع المستوى المعيشي للسكان ووضعه ضمن الأولويات القصوى في الأجندة الاقتصادية.
وأضافت وجيه، في تصريحات خاصة لموقع “Econ-Pedia” ومن المتوقع أن يترتب على ذلك الآثار الاقتصادية التالية:
- الاقتصاد الأميركي سوف يعاني من حالة ركود اقتصادي تزداد حدتها بحلول منتصف عام 2025/2026.
- ارتفاع معدلات التضخم نتيجة زيادة التعريفات الجمركية، مما يترتب عليه رفع التكاليف التي ستتحملها الشركات الأمريكية، والتي سينتج عنها بالتبعية ارتفاع أسعار السلع والخدمات المقدمة لقطاع المستهلكين.
- بنك الاحتياطي الفيدرالي سيضطر لاتباع سياسة نقدية انكماشية، وبالتالي رفع نسب الاحتياطي النقدي القانوني، وزيادة معدلات أسعار الفائدة، مما يؤدي إلى خفض معدلات الاستثمار الأجنبي والمحلي.
- الاستغناء عن العمالة المهاجرة من الجنسيات المختلفة، مما سيؤدي إلى التركيز على العمالة الوطنية الأعلى دخلًا، وبالتالي تحمل الحكومة نفقات أعلى
التأثير على الصين
وأوضحت وجيه أن توجه ترامب برفع التعريفة الجمركية على الصين لتصل إلى 60%، سيترتب عليه الآتي:
- خفض نسبة الواردات السلعية إلى الولايات المتحدة من الصين
- زيادة السياسات الاقتصادية الحمائية ضد الصين.
- توتر أوضاع المستثمرين الصينيين في الاقتصاد الأمريكي وتراجع حجم استثماراتهم.
- تراجع محتمل في الطلب على اليوان الصيني.
- انخفاض الأسهم الصينية في سوق المال.
- القضاء على هيمنة الصين على الاقتصاد العالمي.
التأثير على الاقتصاد العالمي من الناحية الكلية:
- تأثير تضخمي على الاقتصاد العالمي مما يؤدي إلى تسريع المزيد من تحولات سلسلة التوريد داخل آسيا.
- تقليص حجم التجارة العالمية كنتيجة مباشرة للسياسات الحمائية المتبعة.
- زيادة حركة التبادل التجاري مع دول أخرى بديلة للولايات المتحدة وإمكانية إبرام اتفاقيات وتحالفات دولية جديدة،
الاقتصاد الأميركي وأجندة ترامب
ومن جهتها تقول الدكتورة مروة الشافعي الخبيرة المصرفية، تتمحور أجندة دونالد ترامب الاقتصادية في انتخابات 2024
حول تعزيز الاقتصاد الأميركي، مع التركيز على تقليل الضرائب، وزيادة الرسوم الجمركية وتحفيز الإنتاج المحلي
وعلى الرغم من أن هذه السياسات قد تحقق بعض المنافع الاقتصادية على المدى القصير، إلا أن هناك قلقاً كبيراً من تأثيرها السلبي على المدى الطويل على الاقتصاد الأمريكي.
تخفيض الضرائب وزيادة الاستثمار
وأضافت الشافعي في تصريحات خاصة لموقع “Econ-Pedia” ، وعد ترامب بتقديم تخفيضات ضريبية واسعة للشركات والأفراد، مشيراً إلى أن هذه الخطوة ستعزز من الاستثمارات وتزيد من عدد الوظائف، حيث يسعى إلى خفض معدلات الضريبة للشركات من المستوى الحالي البالغ 21% إلى مستويات أقل، مما يراه وسيلة لجعل الولايات المتحدة أكثر جاذبية للاستثمارات الأجنبية والمحلية، وهذه السياسات قد تؤدي إلى زيادة مؤقتة في الاستثمارات والنمو الاقتصادي، ولكنها تثير مخاوف من زيادة العجز المالي والدين الوطني على المدى الطويل.
التعريفات الجمركية وحماية الصناعة المحلية
وتابعت الخبيرة، تركز أجندة ترامب أيضاً على فرض تعريفات جمركية صارمة على الواردات، خاصة من الصين، حيث يهدف من خلال هذه السياسة إلى حماية الصناعات الأمريكية من المنافسة الأجنبية غير العادلة، وتحفيز الإنتاج المحلي، ومع ذلك، يمكن أن تؤدي هذه التعريفات إلى ارتفاع تكاليف الإنتاج وأسعار السلع للمستهلكين الأمريكيين، مما يساهم في زيادة التضخم.
تعزيز استقلالية الطاقة
وأردفت الشافعي، يشمل برنامج ترامب الاقتصادي دعم استقلالية الولايات المتحدة في مجال الطاقة من خلال تعزيز إنتاج النفط والغاز المحليين، وهذا التوجه يتماشى مع رؤيته لتحقيق الاكتفاء الذاتي وتقليل الاعتماد على واردات الطاقة، بينما يمكن أن يؤدي هذا إلى خلق فرص عمل جديدة في قطاع الطاقة، فإنه قد يتعارض مع الجهود العالمية لمكافحة تغير المناخ ويزيد من الانبعاثات الكربونية.
التأثير على التضخم
واتفقت مروة الشافعي مع رأى وجيه، قائلة: من المخاطر البارزة لسياسات ترامب الاقتصادية هو تأثيرها المحتمل على معدلات التضخم، ارتفاع التعريفات الجمركية يمكن أن يزيد من تكاليف الإنتاج وأسعار السلع في الأسواق الأمريكية، مما يؤدي إلى تضخم الأسعار، ومع استمرار “عقلية التضخم” التي تعيشها الأسواق حالياً، فإن سياسات ترامب قد تعزز من هذه الاتجاهات التضخمية بدلاً من كبحها.
التداعيات العالمية
وأكدت مروة الشافعي، امتداد تأثيرات أجندة ترامب الاقتصادية إلى ما وراء حدود الولايات المتحدة، والسياسات الحمائية وزيادة التعريفات الجمركية قد تؤدي إلى توترات تجارية مع شركاء الولايات المتحدة التجاريين، خاصة الصين والاتحاد الأوروبي. هذه التوترات يمكن أن تؤثر سلباً على الاقتصاد العالمي وتزيد من عدم الاستقرار في الأسواق العالمية.
انتقادات واسعة
كما لفتت الشافعي، إلى أن سياسات ترامب الاقتصادية سبق وتلقت انتقادات واسعة من الاقتصاديين الذين يرون أن تخفيض الضرائب الكبير بدون تعويضات مالية قد يزيد من العجز المالي والدين الوطني، علاوة على أن السياسات الحمائية قد تؤدي إلى ردود فعل انتقامية من الدول الأخرى، مما يعمق التوترات التجارية ويؤثر سلباً على الاقتصاد الأمريكي والعالمي.
اقرأ أيضا: لماذا يكره ترامب صناعة السيارات الكهربائية؟
وترى الخبيرة، أن أجندة ترامب تسعى تعزيز النمو الاقتصادي من خلال تخفيض الضرائب وزيادة الرسوم الجمركية على الواردات، مع التركيز على حماية الصناعة المحلية وتعزيز استقلالية الطاقة، إلا أنها تحمل مخاطر كبيرة على المدى الطويل، بما في ذلك زيادة التضخم، العجز المالي، وتفاقم التوترات التجارية العالمية، على الرغم من أن هذه السياسات قد تؤدي إلى زيادة مؤقتة في الاستثمارات والنمو الاقتصادي، .
كما توقعت أن تكون السياسة التجارية في عهد ترامب أكثر تشدداً، مع تخفيف تطبيق اللوائح المتعلقة بتغير المناخ، وتمديد التخفيضات الضريبية للشركات والأفراد، مما يثير مخاوف من ارتفاع عجز الميزانية.
أجندة كاملا هاريس
أما عن الأجندة الاقتصادية للمرشحة الرئاسية كاملا هاريس، تقول وجيه، على الرغم من أن هاريس هي نائبة الرئيس الأميركي جو بايدن، إلا أنها تمتلك رؤية اقتصادية متميزة قد تساهم في تحسين وضع الديمقراطيين خلال السباق الرئاسي بعد انسحاب بايدن منه، وتتجلى أجندة هاريس الاقتصادية في تركيزها على الاستثمار في البنى التحتية لتعزيز الاقتصاد المحلي وخلق فرص عمل جديدة، إضافة إلى التركيز على الطاقة النظيفة كمحور أساسي.
الشركات الصغيرة وريادة الأعمال
وأضافت وجيه: تولي هاريس اهتماماً خاصاً بالشركات الصغيرة وريادة الأعمال من خلال برامج الدعم وتوفير قروض ميسرة وتسهيلات ضريبية لتحفيز عملها. تعتبر هذه الإجراءات جزءاً من استراتيجيتها لتعزيز الاقتصاد المحلي وتحقيق نمو مستدام.
معالجة الفوارق الاقتصادية
وأعلنت هاريس سابقاً عن رغبتها في معالجة الفوارق الاقتصادية عبر تعزيز فرص التوظيف للأقليات والمجتمعات المهمشة. تتضمن خططها تحسين التعليم وتوفير الرعاية الصحية بتكلفة معقولة للجميع، فضلاً عن تحسين فرص الحصول على السكن.
دعم التصنيع والابتكار
وأكدت وجيه، توجهات هاريس لدعم التصنيع المحلي وزيادة الإنتاج للسلع الأساسية، بالإضافة إلى تشجيع الابتكار، حيث تستهدف تعزيز مكانة الصناعات الأميركية من خلال هذه السياسات، مما يساهم في تحسين الاقتصاد المحلي وزيادة فرص العمل.
ومن ناحية أخرى ترى الدكتورة مروة الشافعي، أن سياسة كامالا هاريس تختلف عن سياسات الرئيس بايدن، خاصة فيما يتعلق بالتركيز على المساواة الاقتصادية، بينما يركز بايدن على الإصلاحات الاقتصادية الكبيرة، تولي هاريس اهتماماً خاصاً بالمساواة الاقتصادية والعدالة الاجتماعية، لتقليص الفجوة الاقتصادية بين مختلف فئات المجتمع
وفي مجال الطاقة، تستهدف هاريس خفض انبعاثات الكربون بشكل كبير وتسريع التحول إلى اقتصاد مستدام بيئياً من خلال الاستثمار المكثف في مشاريع الطاقة المتجددة بنسبة أكبر مما خصص لها بايدن. تؤكد هاريس على أهمية الانتقال إلى الطاقة النظيفة لتحسين البيئة وتعزيز الاقتصاد المستدام.
واتفقت الخبيرتان على أن تركيز هاريس على الشركات الصغيرة سيكون له دور مهم ليس فقط في توفير الوظائف، بل أيضاً في تحسين موقع الديمقراطيين في السباق الرئاسي. تميز هاريس بنهجها الشخصي وقوتها الناعمة، مما يضفي طابعاً فريداً على سياساتها ويجعلها أكثر جاذبية للناخبين.