الاقتصاد البريطاني تحت الضغط.. تراجع النمو ومخاطر التضخم
سيواجه الاقتصاد البريطاني تحدِّيات كبيرة خلال عامي 2025 و2026، بحسب تقرير حديث لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، التي خفضت توقُّعاتها للنمو الاقتصادي في المملكة المتحدة بسبب استمرار حالة عدم اليقين العالمي والتغيرات السريعة في السياسات التجارية الدولية. وأشار التقرير إلى أنَّ هذا التباطؤ سيُمَثِّل تحديًا كبيرًا لوزيرة المالية البريطانية، راشيل ريفز، التي تستعد لإلقاء خطابها المرتقب حول تحديث الموازنة العامة الأسبوع المقبل.
ولفتت المنظمة إلى أنَّ نمو الاقتصاد البريطاني خلال عام 2025 سيتباطأ إلى 1.4%، مقارنةً بتوقعاتها السابقة في ديسمبر الماضي التي كانت عند 1.7%. كما قامت المنظمة، التي يقع مقرها في باريس، بخفض توقعاتها لعدة اقتصادات رئيسية، مشيرةً إلى أن حالة عدم الاستقرار الاقتصادي العالمي والتغيرات الكبيرة في السياسات التجارية تلعب دورًا أساسيًا في هذه التعديلات.
يأتي ذلك في وقت تشهد فيه التجارة الدولية توترات متزايدة، خاصة بعد فرض الرئيس الأمريكي دونالد ترامب رسومًا جمركية على عدد من الشركاء التجاريين للولايات المتحدة، بالإضافة إلى تهديده بفرض مزيد من الرسوم، الأمر الذي أدى إلى ردود فعل انتقامية من الدول المتضررة، مما زاد حالة التوتر الاقتصادي العالمي.
مستقبل الاقتصاد البريطاني في 2025
من المتوقع أن تُعلن راشيل ريفز عن خفض التوقعات الاقتصادية الرسمية للمملكة المتحدة خلال خطابها المحدث للموازنة، المقرر في 26 مارس الجاري. وتشير التوقعات إلى أن الحكومة البريطانية قد تلجأ إلى تخفيضات في الإنفاق العام بهدف ضمان التزامها بقواعد ضبط الموازنة، وهو ما قد يكون ضروريًا للحفاظ على استقرار الاقتصاد في ظل التحديات المتزايدة.
وفي الوقت الذي كانت فيه التوقعات الرسمية السابقة تشير إلى نمو الاقتصاد البريطاني بنسبة 2% في 2025، فإن هذه النسبة تبدو متفائلة للغاية مقارنةً بتوقعات بنك إنجلترا، الذي قام مؤخرًا بخفض تقديراته إلى 0.75% فقط، مما يعكس القلق المتزايد بشأن ضعف الأداء الاقتصادي في المستقبل القريب.
وفي تعليقها على تقرير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، أكَّدت راشيل ريفز أنّ التقرير يعكس التحولات الجذرية التي يشهدها الاقتصاد العالمي، وتأثير التحديات التجارية على جميع الدول، بما في ذلك المملكة المتحدة.
كما أبرزت الوزيرة البريطانية أنَّ توقعات المنظمة تُشير إلى أنَّ الاقتصاد البريطاني سينمو بوتيرة أسرع من اقتصادات رئيسية أخرى مثل فرنسا وألمانيا وإيطاليا خلال عامي 2025 و2026، وهو ما يمنح بعض الأمل بشأن قدرة المملكة المتحدة على الحفاظ على مكانتها الاقتصادية رغم التحديات.
وأضافت أنَّه يٌتوقع أن تُحقق المملكة المتحدة ثاني أسرع معدل نمو بين اقتصادات مجموعة السبع بعد الولايات المتحدة، وهو ما يعكس قوة الاقتصاد البريطاني رغم الضغوط العالمية.
تعرّف على بورصة لندن.. تاريخها، أسواقها، خدماتها، ودورها في الاقتصاد العالمي
أبرز التحديات التي تواجه الاقتصاد البريطاني
توقَّعت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أن يصل متوسط التضخم في بريطانيا إلى 2.7% في عام 2025 و2.3% في عام 2026، وهي توقعات لم تتغير مقارنةً بتقديرات ديسمبر الماضي.
ورغم أنَّ هذه المستويات تعكس بعض الاستقرار في الأسعار، إلَّا أنَّ التضخم البريطاني لا يزال أعلى من نظرائه في الاقتصادات الأوروبية الكبرى الأخرى، مما يشير إلى أنَّ الضغوط التضخمية ستظل تمثل تحديًا أمام صناع القرار الاقتصادي في المملكة المتحدة.
يؤكِّد تقرير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أنَّ الاقتصاد البريطاني يواجه تحديات متزايدة بسبب حالة عدم اليقين العالمي، مما يفرض على الحكومة البريطانية اتخاذ إجراءات حاسمة للحفاظ على استقرار النمو الاقتصادي.
وفي ظل هذه التوقعات، تواجه الحكومة البريطانية عدة تحديات اقتصادية كبيرة، أبرزها:
- ضمان استدامة الموازنة العامة من خلال خفض الإنفاق، دون التأثير سلبًا على معدلات النمو الاقتصادي.
- التعامل مع تداعيات الحرب التجارية العالمية، وخاصةً التغييرات في الرسوم الجمركية والسياسات التجارية الأمريكية.
- تحفيز الاقتصاد المحلي عبر إجراءات مالية ونقدية مدروسة، تضمن استمرار التوسع الاقتصادي دون زيادة الضغوط التضخمية.
اقرأ أيضًا: الأثرياء يخططون للهروب من بريطانيا
الضغوط الاقتصادية والتجارية العالمية
من جانبه أكَّد الدكتور محمد الشوربجي، الخبير الاقتصادي، أنَّ الاقتصاد البريطاني يمر بمرحلة حرجة خلال عامي 2025 و2026، في ظل تباطؤ معدلات النمو وتزايد التحديات العالمية. كما أوضح أنَّ تقرير منظمة التعاون الاقتصادي يعكس تأثير الضغوط الاقتصادية والتجارية المتزايدة.
- التوترات التجارية العالمية
أوضح الشوربجي أنَّ التوترات التجارية، خاصة بعد فرض الرئيس الأمريكي دونالد ترامب رسومًا جمركية على عدة شركاء تجاريين، تسبَّبت في اضطرابات كبيرة في حركة التجارة العالمية. وأضاف أن هذه التغيرات تؤثر بشكل مباشر على الاقتصاد البريطاني، خاصة مع ردود الفعل الانتقامية من الدول المتضررة، مما يزيد من حالة عدم اليقين الاقتصادي.
- تباطؤ الطلب المحلي والدولي
أشار الخبير إلى أنَّ الاقتصاد البريطاني يتأثر أيضًا بتراجع الطلب العالمي، خاصة في ظل التحديات التي تواجه أكبر الاقتصادات الأوروبية مثل ألمانيا وفرنسا وإيطاليا، مما قد ينعكس على الإنفاق الاستهلاكي والاستثمارات داخل بريطانيا، ويؤدي إلى مزيد من التباطؤ في النمو.
- التضخم المرتفع وتأثيره على الاقتصاد
أكَّد الشوربجي أن التضخم سيظل أحد التحديات الكبرى، حيث من المتوقع أن يبلغ 2.7% في 2025 و2.3% في 2026، وهو مستوى أعلى من العديد من الاقتصادات الأوروبية الأخرى. وأوضح أنَّ استمرار التضخم عند مستويات مرتفعة يؤثر على القوة الشرائية للمستهلكين، ويحد من قدرة الشركات على التوسع والاستثمار، مما قد يؤدي إلى إبطاء وتيرة النمو الاقتصادي.
- سياسات التقشف وخفض الإنفاق الحكومي
حذَّر الخبير من أنَّ الحكومة البريطانية قد تلجأ إلى خفض الإنفاق العام لضبط الموازنة، وهو ما قد يكون له تأثير سلبي على النمو إذا لم يتم توجيه التخفيضات بحكمة، إذ إنّ أي تقليص في الاستثمارات في البنية التحتية والابتكار قد يؤدي إلى تباطؤ أكبر في الاقتصاد البريطاني.
كيف تعوض لندن خسائرها عبر شراكات جديدة؟
رغم هذه التحديات، يرى الدكتور محمد الشوربجي أنَّ بريطانيا لا تزال تملك فرصًا لتخفيف تأثير الأزمات الاقتصادية وتعزيز النمو من خلال عدة استراتيجيات، منها تنويع الشراكات التجارية نحو أسواق جديدة، مثل آسيا والشرق الأوسط وأفريقيا، لتعويض التأثير السلبي للقيود الجمركية التي فرضتها الولايات المتحدة.
وأشار إلى أنَّ توقعات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية تشير إلى أن الاقتصاد البريطاني سينمو بوتيرة أسرع من فرنسا وألمانيا وإيطاليا خلال عامي 2025 و2026، وهذا التفوق يمنح بريطانيا فرصة لجذب المزيد من الاستثمارات الأجنبية، خاصة في القطاعات المالية والتكنولوجية.
ومن ناحية أخرى، أكَّد الخبير أن الحكومة البريطانية يمكنها تحقيق تحسن اقتصادي مستدام من خلال الاستثمار في التكنولوجيا والتعليم، مما يسهم في زيادة الإنتاجية ورفع كفاءة الاقتصاد، وهو ما يمكن أن يعوض جزءًا من تأثير التباطؤ الاقتصادي العالمي.
السيناريوهات المحتملة للاقتصاد البريطاني
قدم الدكتور محمد الشوربجي رؤيته حول المسارات المحتملة للاقتصاد البريطاني خلال العامين المقبلين:
السيناريو المتفائل:
- نجاح الحكومة في خفض الإنفاق دون التأثير السلبي على النمو.
- تحسن البيئة التجارية العالمية مع تخفيف القيود الحمائية.
- تحفيز الاستثمار المحلي والأجنبي عبر سياسات مرنة.
السيناريو المتشائم:
- تصاعد الاضطرابات التجارية وزيادة الرسوم الجمركية.
- استمرار ضعف الطلب المحلي نتيجة التضخم وانخفاض القدرة الشرائية.
- عدم القدرة على جذب استثمارات جديدة بسبب حالة عدم اليقين الاقتصادي.
اختتم الدكتور محمد الشوربجي تصريحاته بالتأكيد على أنَّ الاقتصاد البريطاني يواجه تحديات معقدة، لكنه يملك فرصًا حقيقية للتكيف مع المتغيرات الاقتصادية العالم، فنجاح الحكومة في تبني سياسات اقتصادية مرنة وجاذبة للاستثمار سيكون العامل الحاسم في تحديد مسار الاقتصاد خلال السنوات القادمة. كما شّدد الخبير على أنَّ الاستثمار في التكنولوجيا والابتكار وزيادة الإنتاجية سيكون مفتاح تحقيق النمو المستدام في بريطانيا.
قد يهمّك أيضًا: الفيدرالي تحت الضغط.. الأسواق تنتظر الطمأنينة
