بين التباطؤ والركود.. الاقتصاد البريطاني يدخل مرحلة حرجة
سجّل الاقتصاد البريطاني انكماشًا غير متوقع في شهر مايو 2025 بنسبة 0.1%، بعد تراجع بنسبة 0.3% في أبريل، بحسب ما أعلنه مكتب الإحصاء الوطني، وجاءت هذه الأرقام مخالفة لتوقعات الاقتصاديين الذين رجّحوا حدوث نمو طفيف بنحو 0.1%، مما أثار حالة من القلق بشأن المسار المستقبلي للنمو في ظل بيئة اقتصادية محلية ودولية تتسم بقدر عالٍ من التعقيد وعدم اليقين.
ورغم تحقيق قطاع الخدمات بعض النمو، إلا أن التراجع في قطاعي الصناعة والبناء كان كافيًا لإلغاء هذه المكاسب، ليتجه الناتج المحلي الإجمالي إلى الانخفاض الكلي. وقد أثرت هذه النتائج سلبًا على توقعات الربع الثاني من العام، بعد أداء قوي سجّله الاقتصاد في الربع الأول، مما عزز من احتمالات لجوء بنك إنجلترا إلى خفض أسعار الفائدة لتحفيز النمو.
بيانات النمو في بريطانيا تُخيب التوقعات
أكَّد الدكتور حسين العسيلي، الخبير الاقتصادي، أن الانكماش المسجل في الاقتصاد البريطاني للشهر الثاني على التوالي يمثل جرس إنذار حقيقي، مشيرًا إلى أن المملكة المتحدة تواجه لحظة فارقة تتطلب مراجعة شاملة في مسار السياسات النقدية والمالية، واعتبر أن تراجع الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 0.1% في مايو 2025، بعد انخفاض أكبر بلغ 0.3% في أبريل، يعكس فقدان الاقتصاد للزخم الذي أظهره مطلع العام، ويثير قلقًا متزايدًا بشأن قدرة الحكومة والبنك المركزي على التعامل مع التحديات المتصاعدة.
وأوضح العسيلي أن البيانات جاءت مخيبة للآمال، خاصة أنها خالفت توقعات معظم الاقتصاديين الذين رجحوا تحقيق نمو إيجابي ولو طفيف، وأضاف: “ما رأيناه في شهري أبريل ومايو لم يكن مجرد تباطؤ عابر، بل بداية انحدار يجب احتواؤه بسرعة، وإنّ استمرار هذا الاتجاه قد يقود الاقتصاد إلى ركود رسمي في حال لم يتم التدخل بسياسات واضحة ومحددة”.
وفي هذا السياق، أشار الخبير إلى أن الأرقام الصادرة عن مكتب الإحصاء الوطني أظهرت بوضوح أن نمو قطاع الخدمات لم يكن كافيًا لمعادلة الانكماش الذي سجّلته قطاعات الصناعة والبناء، وهو ما أدى إلى تراجع الإنتاج الإجمالي، وأضاف أن هذا يسلط الضوء على اختلال هيكلي في بنية الاقتصاد البريطاني، والذي أصبح يعتمد بشكل مفرط على الخدمات، في ظل تراجع إسهام القطاعات الإنتاجية.
كما أكَّد العسيلي أن توقعات الأسواق تشير إلى أن بنك إنجلترا قد يجد نفسه مضطرًا لاتخاذ قرار بخفض أسعار الفائدة خلال اجتماعه المرتقب في أغسطس، رغم استمرار بعض الضغوط التضخمية، قائلاً : “ضعف النمو أصبح اليوم التحدي الأبرز، وإذا لم يتحرك البنك المركزي بشكل متوازن، فستكون التكلفة أكبر. التيسير النقدي أصبح ضروريًا لكن يجب أن يكون محسوبًا لتفادي إشعال تضخم جديد”.
ضغوط متصاعدة على حكومة ستارمر
تناول العسيلي السياق السياسي معتبرًا أنَّ الحكومة الجديدة برئاسة كير ستارمر تواجه تحديًا حقيقيًا في إثبات قدرتها على تحفيز النمو وتحقيق الاستقرار، وقال إنَّ الأرقام الأخيرة تضع ضغوطًا متزايدة على وزيرة المالية راشيل ريفز التي تعهّدت بعدم رفع الضرائب، لكن تراجع الإيرادات قد يجعل من الصعب الحفاظ على هذا الموقف.
وأضاف: “الحكومة في مأزق حقيقي؛ فأي قرار ستتخذه سيكون له تبعات سياسية واقتصادية، والتوازن بين الإصلاح المالي والتحفيز الاقتصادي سيكون دقيقًا وحاسمًا”.
مع العلم أنّ حكومة كير ستارمر تواجه تحديات اقتصادية متراكمة، ورثتها عن حكومة المحافظين السابقة، ويمكن فهم جذور هذه التحديات من خلال مراجعة أسباب الهزيمة الساحقة التي تعرض لها حزب المحافظين، كما يتضح في هذا [الفيديو التحليلي].
نمو الربع الأول كان استثنائيًا وغير قابل للاستمرار
وفقًا للعسيلي: “لم يكن النمو القوي الذي سجل في الربع الأول من العام ناتجًا عن عوامل هيكلية، بل نتيجة عوامل استثنائية، مثل انتهاء الإعفاءات الضريبية على العقارات، ومسارعة الشركات للاستيراد قبل فرض رسوم جمركية أمريكية إضافية، وبالتالي فإن تلك الفترة كانت مدفوعة بدوافع وقتية لا يمكن البناء عليها في التقديرات طويلة الأجل”.
ضغوط داخلية وخارجية تزيد هشاشة الاقتصاد البريطاني
حذَّر الخبير الاقتصادي من أنَّ أي انكماش في الناتج المحلي بنسبة 0.4% أو أكثر في شهر يونيو، كما أشار مكتب الإحصاء، سيؤدي إلى تسجيل انكماش ربع سنوي رسمي، وهو ما قد يضعف ثقة المستثمرين ويزيد من تعقيد المشهد المالي، لافتًا إلى أنَّ الأسواق والمستثمرين الدوليين يراقبون أداء المملكة المتحدة من كثب، خصوصًا في ظل التحديات التي تواجه دول مجموعة السبع.
كما أوضح العسيلي أن الاقتصاد البريطاني لا يواجه تباطؤًا في النمو فحسب، وإنّما يعاني أيضًا من أزمة ثقة لدى المستهلكين، وتراجع في الاستثمارات الخاصة، إلى جانب ارتفاع التكاليف التشغيلية، وأضاف أن هناك تحديات خارجية أيضًا مثل استمرار التوترات التجارية مع الولايات المتحدة، وتغير السياسات النقدية في الاتحاد الأوروبي، وتأثيرات البريكست طويلة الأجل.
اقرأ أيضًا: اتفاق تجاري تاريخي بين أمريكا وبريطانيا يعيد تشكيل العلاقات الاقتصادية
مقترحات سياسية لمواجهة الانكماش وتحفيز النمو
شدد العسيلي على أن المملكة المتحدة بحاجة إلى ما أسماه “مقاربة مزدوجة”، تقوم على تحفيز مستهدف للنمو من جهة، وضبط تدريجي للمالية العامة من جهة أخرى، دون التضحية بالاستقرار، وأوصى بأن يتم توجيه الدعم إلى القطاعات الإنتاجية، مثل الصناعة والتكنولوجيا، مع خلق حوافز للشركات الصغيرة والمتوسطة لتوسيع نشاطها داخل السوق المحلي، وخلق فرص عمل مستدامة.
كما دعا الحكومة إلى عدم الاعتماد على السياسات النقدية وحدها، مؤكدًا أن الحل يتطلب أدوات مالية فعالة، وإصلاحات هيكلية حقيقية، من بينها تحديث أنظمة الضرائب، وتسهيل الإجراءات البيروقراطية، وتحفيز الاستثمار الأجنبي المباشر، مؤكدًا أن “السياسات المالية يجب أن تكون مرنة، ولكن ليست مرتجلة، والسياسة النقدية يجب أن تكون شجاعة، ولكن غير متهورة”.
وفي ختام تصريحاته، قال الدكتور حسين العسيلي إن الاقتصاد البريطاني لا يزال يملك مقومات التعافي، ولكن ذلك مرهون بقدرة صانعي القرار على التصرف بسرعة، وبعقلانية وفق نهج واضح وتدريجي، وأضاف: “إذا تم التعامل مع هذه الأزمة بعقل اقتصادي رشيد، يمكن احتواؤها وتجاوزها، أما إذا تم إهمال المؤشرات الحالية، فإن التحديات المقبلة ستكون أعقد وأعمق، ولن يكون من السهل تصحيح المسار لاحقًا”.
اقرأ أيضًا: الأثرياء يخططون للهروب من بريطانيا