الاقتصاد التونسي.. أبرز الملفات على طاولة قيس سعيد

مع بداية ولايته الثانية، يجد الرئيس التونسي قيس سعيد نفسه أمام مجموعة من التحديات الاقتصادية والسياسية الكبرى التي تتطلب إصلاحات جذرية وشاملة؛ حيث يرى الخبراء أن تونس تواجه مجموعة معقدة من الأزمات، تتطلب تنفيذ إصلاحات شاملة وطموحة على عدة مستويات، وتكمن الحلول في تنويع الاقتصاد، وتعزيز الاستثمار، وإصلاح النظام المالي، مع التركيز على مكافحة الفقر والبطالة وتحسين المناخ الاستثماري.

وفي خطاباته الأخيرة، أكد سعيد على التزامه بالبناء والتشييد ومكافحة الفساد وتحسين الاقتصاد التونسي، بالإضافة إلى تحسين مرافق الصحة والتعليم والنقل، لكنّ الأزمات الاقتصادية المعقدة، بدءًا من ارتفاع البطالة وانخفاض النمو، وصولاً إلى العجز المالي وتحديات الطاقة، تتطلب منه اتخاذ قرارات حاسمة لتحقيق الاستقرار والتنمية في تونس.

ملفات على طاولة قيس سعيد

يقول الدكتور عمرو إبراهيم، الخبير الاقتصادي، يعتبر استكمال برنامج الإصلاح السياسي والاقتصادي الذي بدأه الرئيس خلال ولايته الأولى من أهم الأولويات التي يجب أن يُركز عليها؛ بما في ذلك تنمية مؤسسات الدولة، واستكمال تأسيس المحكمة الدستورية العليا لضمان الاستقرار السياسي والتشريعي في تونس على وجه الخصوص، بالإضافة إلى إصلاح منظومة الرعاية الصحية، بما يسهم في تقديم خدمات أفضل للمواطنين.

وأضاف سلامة في تصريحات خاصة لـ “Econ-Pedia”: “يسعى الرئيس إلى تحسين الظروف المعيشية للفئات الهشة، وتوفير المواد الاستهلاكية وتأمين الغذاء، خاصة في ظل ارتفاع الأسعار، كما أنّه يولي اهتمامًا كبيرًا بمعالجة المشكلات في قطاعات النقل والتعليم والزراعة”.

تحديات اقتصادية

أكد الخبير أن  تونس تواجه تحديات اقتصادية كبيرة خلال هذه الفترة، منها رفع نسبة النمو الاقتصادي التي لم تتجاوز 1% في السنوات الأخيرة، إلى جانب معالجة مشكلة البطالة المرتفعة، ولفت أيضًا إلى ضرورة تحديث قوانين الصرف والاستثمار، حيث يعتزم قيس سعيد تسريع إصدار قانون جديد للصرف، إذ إن القانون الحالي، الذي يعود لعام 1976، أصبح غير ملائم ويعيق الاستثمار. وقد بيّن الخبير أنّ هُناك حاجة فعلية إلى تحديث قانون الاستثمار الحالي، الذي دخل حيز التنفيذ في عام 2016، ليتماشى مع التطورات الاقتصادية العالمية، مع التركيز على دعم الطاقات المتجددة والاقتصاد الأخضر.

ومن الجدير بالذكر أنّ خطط الإصلاح تشمل دعم الفئات الهشة، حيث أكد وزير التشغيل والتكوين المهني، رياض شود، وجود مشروع قانون جديد للمالية سيُطرح للنقاش في مجلس نواب الشعب والمجلس الوطني للجهات والأقاليم لعام 2025، يهدف إلى تعزيز السياسات الاجتماعية، وتوفير خطوط تمويل لدعم الفئات الأكثر احتياجًا، بما في ذلك العاملات الفلاحيات وذوي الإعاقة. كما يتضمن مشروع القانون إحداث خط تمويل للشركات الأهلية بقيمة 20 مليون دينار، ما يسهم في تلبية احتياجات التمويل لهذه الشركات وتشجيع إطلاق المشاريع الجديدة، دون اللجوء إلى إجراءات تقشفية.

ومن جانبه شدد الخبير على ضرورة تبني الرئيس قيس سعيد خلال ولايته الثانية تنفيذ إصلاحات جذرية على مختلف الأصعدة، مستندًا إلى إرادة شعبية قوية لتحقيق الاستقرار والتنمية، مع التركيز على مكافحة الفساد ودعم الفئات الهشة وتعزيز الاقتصاد الوطني.

5 مشكلات رئيسية

اتفق محمد بنموسي، الخبير الاقتصادي، مع رأي إبراهيم، وأوضح ذلك قائلًا: “يعاني الاقتصاد التونسي من مجموعة من الأزمات والتحديات التي أثرت بشكل كبير على مسار التنمية والاستقرار الاجتماعي في البلاد، وتشمل انخفاض النمو الاقتصادي، وارتفاع معدلات البطالة، وتزايد الدين العام، بالإضافة إلى الأزمات الاجتماعية والتضخم.

ووفقًا للخبير هناك 5 مشكلات تواجه الاقتصاد التونسي في الوقت الراهن، وهي كما يأتي:

  1. أزمة النمو الاقتصادي: يُعاني الاقتصاد من ضعف معدلات النمو التي لم تتجاوز في بعض السنوات 1%، بالإضافة إلى تراجع الاستثمارات، وانخفاض الإنتاجية في القطاعات الرئيسة، كالزراعة والصناعة.
  2. البطالة وارتفاع معدلات الفقر: تواجه تونس مشكلة البطالة، خاصة بين الشباب وخريجي الجامعات بنسبة تتجاوز 15%، كما أنّ ارتفاع الأسعار والتضخم ساهم في زيادة نسبة الفقر بين الفئات الهشة.
  3. ارتفاع الدين العام والعجز المالي: تشهد تونس تفاقمًا في الدين العام الذي تجاوز 100% من الناتج المحلي الإجمالي، إلى جانب عجز في الميزانية بسبب تراجع الإيرادات وارتفاع النفقات العامة.
  4. التضخم وارتفاع الأسعار: ارتفعت أسعار المواد الاستهلاكية الأساسية نتيجة للتضخم المستمر، مما أثر على القدرة الشرائية للمواطنين.
  5. أزمة الطاقة والعجز التجاري: يُعاني الاقتصاد التونسي من عجز في قطاع الطاقة، حيث تستورد البلاد جزءًا كبيرًا من احتياجاتها من النفط والغاز، ما يُثقل كاهل الميزان التجاري.

روشتة علاج الاقتصاد التونسي

قدّم الخبراء ما وصفوه بِروشتة لعلاج أهم المشكلات التي تواجه الاقتصاد التونسي، مطالبين الحكومة بتبنيها للتعافي من التحدّيات الراهنة، وهي كما يأتي:

  • تشجيع الاستثمار المحلي والأجنبي: من خلال تحسين مناخ الأعمال، وتسهيل الإجراءات البيروقراطية، وتقديم حوافز ضريبية للشركات الناشئة والمشاريع الصغيرة.
  • تنويع الاقتصاد: التركيز على قطاعات أخرى مثل تكنولوجيا المعلومات، والاقتصاد الأخضر، والطاقة المتجددة؛ وذلك بهدف التقليل من الاعتماد على قطاعي الزراعة والسياحة في البلاد.
  • إصلاح النظام المالي: تقديم تسهيلات للشركات بهدف الحصول على القروض اللازمة للتوسع، ودعم مشاريع البنية التحتية التي تسهم في خلق فرص عمل جديدة.
  • دعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة: وذلك من خلال توفير قروض مُيسرة ودعم حكومي لإنشاء مشاريع جديدة، خصوصًا في المناطق الداخلية التي تعاني من نقص في التنمية.
  • تأهيل القوى العاملة: التركيز على برامج التدريب المهني والتعليم الفني لتأهيل الشباب لدخول سوق العمل، بما يتناسب مع احتياجات الاقتصاد.
  • دعم الفئات الضعيفة: تنفيذ برامج دعم اجتماعي مباشر للفئات الأكثر تضررًا؛ مثل تقديم المساعدات المالية للأسر الفقيرة، وتوفير سلع أساسية مدعومة.
  • إعادة هيكلة الديون: من خلال التفاوض مع الدائنين لإعادة جدولة الديون طويلة الأجل وتقليل الفوائد.
  • زيادة الإيرادات الحكومية: عبر مكافحة التهرب الضريبي، وتوسيع القاعدة الضريبية لتشمل القطاع غير الرسمي، بالإضافة إلى جذب استثمارات جديدة.
  • تقليص النفقات: التركيز على إصلاح المؤسسات الحكومية المترهلة التي تستنزف الموارد العامة، وتقليل الإنفاق غير الضروري في ميزانية الدولة.
  • تعزيز الرقابة على الأسعار: تكثيف الرقابة على الأسواق لمنع الاحتكار والتلاعب بالأسعار.
  • دعم القطاعات الإنتاجية: توفير الدعم للمزارعين والصناعات الغذائية لضمان استقرار الإنتاج والأسعار.
  • سياسات نقدية متوازنة: يتعين على البنك المركزي اتخاذ إجراءات للحد من التضخم، مثل التحكم في عرض النقود وضبط أسعار الفائدة.
  • تنويع مصادر الطاقة: تعزيز الاستثمار في مصادر الطاقة المتجددة؛ مثل الطاقة الشمسية وطاقة الرياح لتقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري.
  • تشجيع الإنتاج المحلي للطاقة: دعم مشاريع استخراج الغاز والنفط محليًا وتطوير البنية التحتية الخاصة بقطاع الطاقة.
  • تقليص الواردات: التركيز على دعم المنتجات المحلية وتقليل الاعتماد على السلع المستوردة، وذلك من خلال تعزيز الصناعات الوطنية.

اقرأ أيضًا: انفراجة مرتقبة بأزمة الخبز في تونس

تقرير البنك الدولي

كشف تقرير سابق صادر عن البنك الدولي أن الاقتصاد التونسي واجه تحديات كبيرة نتيجة الجفاف القاسي، وتشديد ظروف التمويل، وبطء وتيرة الإصلاحات، مما أدى إلى بقاء معدل النمو الاقتصادي دون مستويات ما قبل جائحة كورونا، ما جعل تونس تُسجل واحداً من أبطأ معدلات التعافي في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

كما توقع البنك تحقيق نمو بنسبة 2.4٪ في 2024، و2.3٪ في العامين 2025 و2026، بشرط تحسن ظروف الجفاف وإحراز تقدم في إصلاحات المالية العامة والمنافسة. وأشار التقرير إلى تحسن في الميزان الخارجي لتونس، وتراجع العجز التجاري، مدفوعاً بانخفاض الأسعار العالمية، لكنه أكد على استمرار الحاجة الماسة للتمويل الخارجي بسبب تحديات الطاقة وخدمة الديون وضعف الاستثمارات الأجنبية.

وعلى الرغم من المكاسب المسجلة في قطاعي السياحة والتصدير، عانى الاقتصاد التونسي من تراجع الإنتاج الزراعي بنسبة 11٪ جراء الجفاف، مما يستدعي تعزيز جهود التكيف مع التغيرات المناخية، خاصةً وأنّ آثار الجفاف تفاقمت بفعل ضعف الطلب المحلي، الأمر الذي أثر سلباً على النمو في قطاعي البناء والتجارة، ورفع معدل البطالة إلى 16.4٪ في الربع الأخير من 2023، مع انخفاض المشاركة في سوق العمل.

وفيما يخص التضخم، سجل التقرير معدلاً بلغ 7.8٪، مع ارتفاع أسعار المواد الغذائية بنسبة 10.2٪، وأرجأ ذلك إلى تأثير السياسات التجارية والمنافسة على الأسعار. ومن جهة أخرى، سجلت تونس تحسنًا ملحوظًا في العجز التجاري، الذي انخفض من 17.5٪ من الناتج المحلي الإجمالي في 2022 إلى 10.8٪ في 2023، كما تقلص عجز الحساب الجاري من 8.6٪ إلى 2.6٪ خلال الفترة نفسها.

تابعنا على صفحتنا على فيسبوك

تابعنا أيضًا على صفحتنا على إنستغرام

أخبار ذات صلة