يتحرك العالم نحو عام يفتقر إلى اليقين، عام تتداخل فيه الحسابات السياسية مع معادلات التجارة، وتتراجع فيه قواعد الانفتاح أمام موجات حمائية متسارعة. وبينما سجلت التجارة العالمية مستويات تاريخية في 2024، تأتي التوقعات لعام الاقتصاد العالمي 2026 محمّلة بإشارات تباطؤ حاد، وضغوط على سلاسل الإمداد، وتهديدات تتجاوز الأرقام لتطال بنية النظام الاقتصادي الدولي ذاته. هذا التقرير يقرأ ملامح التحول المقبل، ويقارن بين البيانات والإجراءات والسيناريوهات المحتملة.
وفي هذا السياق، تكشف منظمة التجارة العالمية من خلال خفضها لتوقعات نمو التجارة السلعية، بالتوازي مع تحذيرات صندوق النقد الدولي وتصاعد التوترات التجارية في عهد دونالد ترامب، عن ملامح مرحلة شديدة التعقيد، قد تعيد رسم خريطة التجارة والاستثمار عالميًا خلال السنوات المقبلة.
لماذا خفضت منظمة التجارة العالمية توقعاتها لنمو التجارة السلعية؟
خفضت منظمة التجارة العالمية توقعاتها لنمو التجارة السلعية العالمية خلال عام 2026 إلى 0.5% فقط، مقارنة بتقديرات سابقة بلغت 1.8%، ما يعكس بوضوح التداعيات المتزايدة لتشدد السياسات الحمائية وارتفاع وتيرة الرسوم الجمركية، ولا سيما تلك التي فرضتها الإدارة الأمريكية بقيادة دونالد ترامب.
يأتي هذا الخفض الحاد في وقت سجل فيه حجم التجارة العالمية خلال عام 2024 مستوى قياسيًا غير مسبوق تجاوز 33 تريليون دولار، مدفوعًا بنمو قوي في تجارة الخدمات مقارنة بتجارة السلع، وهو ما يبرز التناقض الواضح بين الأداء القوي في الفترة الماضية والآفاق القاتمة المتوقعة خلال السنوات المقبلة.
وبحسب بيانات منظمة التجارة العالمية، ارتفع حجم التجارة العالمية في عام 2024 بنسبة 3.7% مقارنة بعام 2023، مدعومًا بطفرة لافتة في تجارة الخدمات التي قفزت بنحو 10%، في حين لم يتجاوز نمو تجارة السلع 2% فقط، كما لعبت الاقتصادات النامية دورًا رئيسيًا في دعم هذا الزخم، سواء عبر زيادة الصادرات أو من خلال نمو الطلب الاستهلاكي والخدمي.
وفي هذا السياق، ترى الدكتورة شيماء وجيه أستاذ الاقتصاد بالأكاديمية العربية للنقل البحري، أن هذا الأداء الإيجابي يخفي في طياته مخاطر مستقبلية متزايدة، إذ تشير تقديرات المنظمة إلى أن أكثر من 40% من الاقتصادات الناشئة قد تواجه تباطؤًا اقتصاديًا ملموسًا خلال الفترة المقبلة، إذا استمرت الضغوط على سلاسل الإمداد العالمية وتراجع تدفقات الاستثمار، خصوصًا في ظل بيئة تجارية تتسم بارتفاع مستويات عدم اليقين.
وفي المقابل، رفعت منظمة التجارة العالمية توقعاتها لنمو التجارة العالمية خلال عام 2025 إلى 2.4%، مدفوعة بتحسن الواردات الأمريكية وتوسع تجارة التكنولوجيا، إلا أنها وصفت عام 2026 بأنه “مفترق طرق” ستختبر فيه التجارة العالمية قدرتها على الحفاظ على الزخم، وسط تصاعد التوترات التجارية وتزايد تأثير سياسات الاقتصادات الكبرى على حركة التجارة والنمو.
اقرأ أيضًا: حرب ترامب التجارية تكلّف الاقتصاد العالمي 1.2 تريليون دولار
صندوق النقد الدولي بين تهدئة الأسواق وتفاقم المخاطر
أوضحت الخبيرة الاقتصادية أن موقف صندوق النقد الدولي يبدو معقدًا، إذ يحاول الموازنة بين التحذير من المخاطر المتصاعدة وتهدئة الأسواق، خشية انزلاق النظام الاقتصادي العالمي إلى أزمة أوسع، غير أن هذا النهج لا يخلو من الجدل، لا سيما مع ظهور مؤشرات اضطراب واضحة في الأسواق المالية العالمية، شملت تراجعات حادة في مؤشرات كبرى البورصات خلال فترات زمنية قصيرة.
وأشارت وجيه إلى أن الصندوق يسعى للحفاظ على حد أدنى من الثقة، خصوصًا في ظل القرارات الأمريكية المتعلقة برفع الرسوم الجمركية، بما في ذلك التهديدات بزيادة التعريفات على الواردات الصينية بنسب كبيرة، وهي خطوات تحمل آثارًا متباينة على الاقتصادين الأمريكي والعالمي.
تداعيات السياسة الأمريكية
يبرز العجز الاتحادي الكبير في الولايات المتحدة كعامل ضغط إضافي على استقرار الأسواق العالمية خلال عام 2026. ويؤكد خبراء أن أي اضطراب في الاقتصاد الأمريكي ينعكس بشكل مباشر على الأسواق الدولية، نظرًا للثقل الذي يتمتع به أكبر اقتصاد في العالم.
وحذَّرت من أن المشهد الراهن مشابه نسبيًا لأجواء أزمة سقف الدين في عام 2011، حيث تتزايد المخاوف من فقاعة محتملة، ليس فقط على مستوى الاقتصاد الأمريكي ككل، بل أيضًا في قطاعات بعينها، وفي مقدمتها قطاع الذكاء الاصطناعي، الذي يجري تسعيره في الأسواق عند مستويات تفوق في بعض الأحيان قيمته الفعلية.
ولفتت الخبيرة إلى أن الأثر الكامل للرسوم الجمركية لم يظهر بعد، إذ لجأت العديد من الشركات العالمية إلى تخزين المواد الأولية والسلع الوسيطة لتأمين احتياجاتها على المدى القصير، ما يؤدي إلى تأجيل ظهور التداعيات الحقيقية على مستويات الإنتاج والأسعار والنمو.
ورغم أن هذا السلوك قد يخفف الصدمة في المدى القريب، فإنه يعمّق حالة الضبابية وعدم الاستقرار على المدى المتوسط، في ظل صعوبة التنبؤ بخطوات الإدارة الأمريكية المقبلة، وهو ما يزيد من هشاشة المشهد الاقتصادي العالمي.
اقرأ أيضًا: تأثير الفراشة.. كيف تغيّر الأحداث الصغيرة مسار الاقتصاد العالمي؟
تحذيرات من حروب تجارية تضرب الاقتصاد العالمي في 2026
من جانبه، قال الدكتور محمد الشوربجي، الخبير الاقتصادي، إن ما شهده العالم خلال عام 2025 من تصعيد غير مسبوق في الإجراءات التجارية يعكس دخول النظام التجاري الدولي مرحلة شديدة الاضطراب، محذرًا من أن هذه التطورات قد تمثل مقدمة فعلية لحروب تجارية أوسع مع الصين خلال عام 2026، إذا استمرت حالة غياب اليقين وعدم الاستقرار.
وأوضح الشوربجي أن عام 2025 يمكن وصفه بـ”عام الارتباك التجاري العالمي”، مشيرًا إلى أن الأضرار لم تنحصر في ارتفاع الرسوم الجمركية بحد ذاتها، بل امتدت إلى انهيار عنصر التوقع والاستقرار الذي تعتمد عليه قرارات التجارة والاستثمار عالميًا، وأضاف أن خطورة الرسوم لا تكمن في نسبتها، سواء بلغت 15% أو 20% أو 30%، بل في طبيعتها المفاجئة وغير المتوقعة، والتي أربكت سلاسل الإمداد وأضعفت ثقة المستثمرين.
وأكد أن النظام التجاري الدولي القائم على القواعد القانونية، كما أرسته اتفاقيات التجارة متعددة الأطراف، يواجه اليوم تهديدًا وجوديًا حقيقيًا في ظل تصاعد الإجراءات الأحادية والخروقات غير المسبوقة للالتزامات الدولية، ما يعيد العالم تدريجيًا إلى منطق القوة بدلًا من منطق القواعد.
كيف تتحرك الصين اقتصاديًا؟
أوضح الشوربجي أن بكين بدأت بالفعل في إعادة توجيه تجارتها العالمية مع بداية الولاية الثانية للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في محاولة لتقليل اعتمادها على السوق الأمريكية، وهو ما انعكس في تراجع الصادرات الصينية إلى الولايات المتحدة بنحو 29% على أساس سنوي خلال نوفمبر الماضي، مؤكدًا أن هذا التحول لا يعكس تراجع القدرة الإنتاجية الصينية، بل إعادة توجيهها نحو أسواق بديلة.
وأضاف أن هذه الاستراتيجية تخلق تحديًا حقيقيًا أمام العديد من الدول التي قد تجد نفسها أمام تدفقات كبيرة من السلع الصينية منخفضة الأسعار، ما يهدد الصناعات الوطنية ويزيد الضغوط الاقتصادية والاجتماعية، ويدفع بعض الحكومات إلى التفكير في إجراءات حمائية مماثلة، بما يوسع دائرة النزاعات التجارية.
وشدد الشوربجي على أن النظام التجاري العالمي لا يزال يمتلك أدوات قانونية فعالة لمواجهة هذه الممارسات، مثل إجراءات مكافحة الإغراق ومكافحة الدعم، غير أن التحدي الحقيقي يكمن في غياب الإرادة السياسية لتفعيل هذه الأدوات ضمن الأطر متعددة الأطراف، واللجوء إلى قرارات أحادية تزيد من حدة عدم الاستقرار.
واختتم الخبير الاقتصادي تصريحاته بالتأكيد على أن عام 2026 سيكون عامًا حاسمًا لاختبار قدرة النظام التجاري الدولي على الصمود، محذرًا من أن الفشل في احتواء التوترات الحالية ضمن أطر قانونية جماعية قد يدفع العالم إلى موجة جديدة من الحروب التجارية، تكون الصين في قلبها، بما يحمله ذلك من تداعيات سلبية على النمو العالمي والاستثمار والاستقرار الاقتصادي.
اقرأ أيضًا: الذهب والفضة يواصلان الارتفاع وسط ضبابية الاقتصاد الأمريكي