الاقتصاد العراقي.. موارد واعدة تضيع بين الهدر والاعتماد على النفط

يقف الاقتصاد العراقي اليوم عند منعطف حاسم تتقاطع فيه التحديات العميقة مع فرص ممكنة للنهوض، وفق تقييمات صندوق النقد الدولي، وآراء الخبراء الاقتصاديين الذين يؤكدون أن البلاد تواجه اختبارًا حقيقيًا لقدرتها على إدارة مواردها وتبني إصلاحات هيكلية طال انتظارها؛ ففي ظل التراجع المستمر في عائدات النفط، وانحسار الاحتياطيات الأجنبية، وضعف تدفقات الاستثمار، يجد العراق نفسه أمام منظومة من الأزمات المتراكمة التي تضغط على استدامة المالية العامة.

ويرى صندوق النقد أن هشاشة المالية العامة باتت أكثر حدة، مع اتساع فجوة العجز وارتفاع الاعتماد شبه الكامل على النفط كمصدر وحيد للإيرادات، فيما أكد خبراء الاقتصاد أن الأزمة لا تكمن في نقص الموارد بل في سوء إدارتها، وفي غياب بنية تشريعية وتنظيمية قادرة على تحويل الإمكانات إلى قوة إنتاج واستثمار مستدام.

وفي كل الأحوال، لا تزال لدى العراق نافذة حقيقية للعبور نحو الاستقرار إذا تبنت الحكومة المقبلة مسار إصلاح جذري يعالج الهدر والفساد، ويعيد تنظيم المالية العامة، ويحرّر القطاعات غير النفطية من الجمود الطويل الذي تعيشه.

كيف قيم صندوق النقد الدولي الاقتصاد العراقي؟

أشارت تقديرات صندوق النقد الدولي إلى أن الاقتصاد العراقي مهدد بسلسلة من التحديات خلال السنوات المقبلة، نتيجة انخفاض أسعار النفط واتساع العجز وتراجع الاحتياطيات الأجنبية، وبيّن التقرير أنَّ سعر النفط في العراق يصل إلى 84 دولارًا للبرميل، وهو مستوى يفوق التوقعات العالمية للأسعار بكثير، ما يعكس هشاشة البنية المالية التي تجعل الموازنة عرضة للاضطراب مع كل هزة في الأسواق الدولية.

ومن ناحية أخرى، حذّر الصندوق من أن التوسع في الإنفاق الحكومي سيقود إلى ارتفاع العجز إلى نحو 7.5% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2025، خصوصًا بعد انكماش الاقتصاد بنسبة 2% خلال 2024 بسبب تراجع الإنتاج النفطي وضعف القطاعات غير النفطية.

وكشفت توقعات الصندوق عن مسار تنازلي لعائدات النفط من 99.2 مليار دولار في 2024 إلى 84.2 مليار في 2025، ثم 79.2 مليار في 2026، بالتوازي مع انخفاض متوسط سعر البرميل من 80.6 إلى 65.9 دولارًا، مع إمكانية الهبوط إلى 62 دولارًا في العام المقبل، كما يتوقع الصندوق تراجع الاحتياطيات الأجنبية من 100.3 مليار دولار إلى 79.2 مليار دولار بحلول 2026، في ظل غياب شبه كامل للاستثمار الأجنبي المباشر الذي يقف عند 0.0٪.

رغم الصورة القاتمة التي رسمها الصندوق، إلا أنّه إمكانية تحقيق تعافٍ تدريجي شريطة تنفيذ إصلاحات هيكلية حقيقية، مع تسجيل نمو بنسبة 0.5% في 2025، وارتفاعه إلى 3.6% في 2026 و2027، ثم 3.9% في 2028، واستقراره عند 4.1% في 2029 و2030، وشدد الصندوق على أن هذه التوقعات تظل مرهونة بمعالجة التشوهات العميقة، وتنويع الاقتصاد بعيدًا عن النفط.

اقرأ أيضًا: العراق يراهن على النفط لتحقيق إيرادات قياسية في خطته الخمسية

الأسباب الجوهرية وراء هشاشة البنية الاقتصادية في العراق

أكد الدكتور هاني حافظ، الخبير الاقتصادي، أن العراق يعيش أزمة مالية عميقة ليست ناتجة عن قلة الموارد بل عن سوء إدارتها، وتضخم الهدر، وغياب الموازنة الفعلية، وارتفاع الديون، والاعتماد شبه الكامل على النفط. وهو يرى أن السبب الجوهري وراء هشاشة الاقتصاد هو ضعف التشريع، وتراجع كفاءة البنية التحتية، وتضخم فاتورة الرواتب، وتعدد مصادر الفساد، ما يجعل الاقتصاد ينهار مع كل انخفاض في سعر النفط، خاصةً أن الأسعار الحالية التي تدور حول 60 دولارًا بالكاد تغطي النفقات التشغيلية.

وأشار حافظ إلى أن العراق يمتلك مقومات اقتصادية هائلة، أهمها الحجم السكاني الكبير والديناميكية المجتمعية والرغبة الشعبية في الاندماج مع العالم بعد سنوات من العزلة، إلى جانب الثروات الزراعية والصناعية والسياحية والدينية، مؤكدًا أن إطلاق هذه الإمكانات يحتاج إلى رؤية مؤسسية، وإلى دور مصرفي فعّال قادر على جذب رؤوس الأموال الأجنبية، مشيرًا إلى أن التحول الجاري في القطاع المصرفي يمثل فرصة ذهبية لتعزيز التمويل الإنتاجي.

الفساد وغياب الرقابة

حذر حافظ من أن الفساد المالي والإداري، بما يتضمن الرواتب المزدوجة والوظائف الوهمية وهدر الأموال والتضخم غير المبرر في الإنفاق، يستنزف نحو 60 مليار دولار سنويًا وفق تقارير دولية، وهو ما يحرم الدولة من تحسين الخدمات أو تمويل التنمية. كما أنّه يرى أن هيمنة المحاصصة السياسية تشل المؤسسات الرقابية وتحمي الفاسدين، ما يجعل أي إصلاح اقتصادي جاد يصطدم بحائط من المصالح المتشابكة.

وأوضح أنَّ أي رفع لسعر الدولار سيرفع الأسعار فورًا ويقلل القوة الشرائية، لأن العراق يعتمد بشكل شبه كامل على الاستيراد، ولأن ضعف الرقابة والاحتكار وتكاليف النقل تدفع الأسعار للارتفاع بنسب أكبر من نسبة ارتفاع العملة. كما أشار إلى أن تأخير الرواتب خطر مباشر على الاستقرار الاجتماعي، لأن التزامات الأسر لا يمكن تأجيلها.

واختتم حافظ رؤيته بالتأكيد على أن العراق يمتلك فرصًا كبيرة، أبرزها قطاع الترانزيت الذي يمكن أن يحول البلاد إلى ممر اقتصادي ضخم، والسياحة الدينية التي قد توفر أكثر من 20 مليار دولار سنويًا إذا أديرت مِهنيًا، لكنه يشدد على أن تحقيق هذه الإمكانات مرتبط بإصلاح جذري يواجه الفساد ويرشد الإنفاق ويعيد بناء الدولة على أسس مؤسسية.

اقرأ أيضًا: الحكومة العراقية تحذر من مخاطر تعويم الدينار

كيف تسبب سوء الإدارة في إهدار موارد الاقتصاد العراقي؟

من جانبها، قالت الدكتورة مروة الشافعي، الخبيرة الاقتصادية، إنَّ الاقتصاد العراقي يمر بمرحلة “حساسة وخطرة” نتيجة غياب موازنة مستقرة وتفاقم الدين العام والاعتماد شبه الكامل على النفط، محذرة من أن استمرار الأوضاع الراهنة من دون إصلاحات جذرية يشكل تهديدًا للمالية العامة وللاستقرار الاجتماعي. وأوضحت أنَّ الجدل حول رفع سعر صرف الدولار يجب أن يُقرأ في سياقه الحقيقي، إذ يرتبط القرار بحجم الإنفاق العام، والرواتب، والرعاية الاجتماعية، وكلفة البطاقة التموينية، إضافة إلى اتجاهات أسعار النفط، وتصف الأسعار الحالية التي تدور حول 60 دولارًا بأنها “وضع كارثي” لاقتصاد يعتمد على مورد واحد.

وترى الشافعي أن المشكلة ليست في شح الموارد بل في سوء إدارتها، مشيرة إلى أن العراق يمتلك موارد كبيرة في الزراعة والصناعة والخدمات واللوجستيات والسياحة الدينية، لكن غياب الرؤية التنموية أعاق تحويلها إلى مصادر إيرادات حقيقية، أما رهن الموازنة كليًا لسعر النفط فهو، من وجهة نظرها، سبب هشاشة المالية العامة.

وانتقدت الشافعي تضخم بند الرواتب والامتيازات، خصوصًا رواتب الرئاسات الثلاث والدرجات الخاصة وحمايات المسؤولين، معتبرة أن ذلك يستنزف الخزينة العامة على حساب الإنفاق الاستثماري، كما أنّها شددت على ضرورة حماية راتب الموظف العادي وتحسين قوته الشرائية بدلًا من استمرار الامتيازات الفوقية.

في السياق ذاته، كشفت الشافعي أن العراق يفقد نحو 60 مليار دولار سنويًا بسبب الفساد والهدر، بما يشمل الموظفين الوهميين وتعدد الرواتب والإنفاق غير الضروري في الوزارات، واعتبرت أنَّ توجيه هذه الأموال إلى الاستثمار كفيل بتغيير المشهد الاقتصادي بالكامل.

أما بشأن رفع سعر الصرف، فقد حذّرت الخبيرة من آثار تضخمية قاسية لأن السوق تعتمد على الاستيراد، ولأن الأسعار ترتفع أكثر من نسبة ارتفاع الدولار، وأكّدت أن راتب الموظف بالدينار سيتآكل فورًا في حال تعديل سعر الصرف. ولفتت إلى أن استقرار السياسة النقدية يتطلب إصلاحًا ماليًا أولًا، عبر ترشيد الإنفاق وإغلاق منافذ الفساد وتقليص الامتيازات، وأن أي تعديل في سعر الصرف من دون معالجة الهدر سيشكل “صدمة اجتماعية” لا أداة إصلاح.

كما حذرت من مقترحات صرف الرواتب كل أربعين يومًا، معتبرة أنها ستربك السوق وتضعف الاستهلاك، لأن حياة المواطنين قائمة على التزامات شهرية ثابتة، شدّدت على أن الثقة في السياسة المالية عنصر أساسي للاستقرار.

وفي ملف سوق العمل، اعتبرت الشافعي أن التوسع في العقود المؤقتة برواتب منخفضة يعكس عجز الموازنة عن التعيينات الدائمة، لكنه يخلق التزامًا مستقبليًا لأن أصحاب العقود سيطالبون بالتثبيت لاحقًا، ما يزيد العبء المالي، وهي ترى أن الحل يكمن في تقوية القطاع الخاص وخلق وظائف حقيقية بعيدًا عن الجهاز الحكومي.

وسلطت الضوء كذلك على فرص العراق غير المستغلة، وعلى رأسها قطاع الترانزيت الذي يمكن أن يحول البلاد إلى حلقة وصل استراتيجية بين الخليج وتركيا وأوروبا، إلى جانب السياحة الدينية التي يمكن أن تجلب عائدات ضخمة إذا توفرت بنية تحتية مناسبة ورسوم خدمات عادلة.

وفي سياق مكافحة غسل الأموال، أشارت الشافعي إلى أن العراق يواجه مخاطر اقتصادية حقيقية بسبب الأموال غير المشروعة التي تُضخ عبر العقارات والشركات، ودعت بدورها إلى تعزيز الرقابة المصرفية وتطبيق إجراءات “اعرف عميلك” بشكل صارم.

واختتمت الشافعي تصريحاتها، بالتأكيد على أن إنقاذ الاقتصاد العراقي مرهون بإرادة سياسية حقيقية لإقرار إصلاحات عميقة تطال الفساد والإنفاق العام والامتيازات، وتعيد توجيه الموارد نحو التنمية، مؤكدة أن العراق يمتلك كل مقومات النهوض، لكن تحويل هذه المقومات إلى واقع يتطلب إدارة رشيدة ومؤسسات قوية ورؤية واضحة تضع التنويع الاقتصادي في مقدمة الأولويات.

قد يهمّك أيضًا: ملتقى العراق للاستثمار يطلق فرصًا بقيمة 450 مليار دولار

تابعنا على صفحتنا على فيسبوك

تابعنا أيضًا على صفحتنا على إنستغرام

أخبار ذات صلة