الاقتصاد المصري يلتقط أنفاسه مع تحسن الجنيه وتراجع النفط
بدأ الاقتصاد المصري، في استعادة توازنه تدريجيًا بعد فترة طويلة من الضغوط، إذ ساهم تحسن سعر صرف الجنيه المصري أمام الدولار وتراجع أسعار النفط عالميًا في منح الموازنة العامة للدولة قدرًا من المرونة المالية، وفرصة مؤقتة لتخفيف الأعباء الدولارية على قطاعات الطاقة والاستيراد.
وشهد الجنيه المصري منذ بداية عام 2025 أداءً مقبولًا أمام الدولار الأمريكي، عاكسًا تحولًا واضحًا في مسار العملة المحلية التي استطاعت أن تستعيد جزءًا من قيمتها المفقودة خلال الأعوام السابقة، فقد سجَّل الجنيه ارتفاعًا بنحو 7% وفق بيانات السوق الرسمية، ليستقر سعر الصرف عند حدود 47.5 جنيها للدولار الواحد، وهو مستوى لم يتحقق منذ منتصف عام 2022.
هذا الارتفاع يعكس -بحسب تقارير رسمية- مزيجًا من السياسات النقدية الحذرة للبنك المركزي المصري، والتحسن الملحوظ في تدفقات النقد الأجنبي، خصوصًا من قطاع السياحة وتحويلات المصريين بالخارج، إلى جانب استقرار الأسواق الموازية وعودة الثقة تدريجيًا في الاقتصاد الوطني.
خلفية التحسن في سعر الجنيه
يرى الخبراء أن الأداء الإيجابي للجنيه لم يكن نتيجة عامل واحد، بل نتاج سياسات مالية ونقدية متكاملة تبنّاها البنك المركزي خلال العام الماضي؛ فقد استمر البنك في تطبيق سياسة سعر فائدة مرتفعة للسيطرة على التضخم، ما ساهم في امتصاص السيولة الزائدة من السوق وتقليص المضاربة على الدولار.
كما ساهمت زيادة تدفقات الاستثمارات الخليجية، وعودة الثقة في أدوات الدين المصرية بعد استقرار التصنيف الائتماني، في تعزيز الاحتياطيات الأجنبية. بالتوازي، شهدت السياحة المصرية انتعاشًا لافتًا في النصف الأول من العام، مسجلة أعلى عائدات منذ عام 2019، مما زاد من المعروض الدولاري داخل الجهاز المصرفي.
وفي الوقت ذاته، تبنّت الحكومة المصرية إصلاحات مالية تدريجية ضمن اتفاقها مع صندوق النقد الدولي، ركّزت على ترشيد الإنفاق العام وتوسيع القاعدة الضريبية، وهو ما خلق بيئة أكثر استقرارًا وثقة لدى المستثمرين الأجانب والمحليين.
اقرأ المزيد حول: تحسين التصنيف الائتماني السيادي طويل الأجل لمصر
اختلاف التوقعات بين رويترز والبنك المركزي
أظهر استطلاع أجرته وكالة رويترز، أن التوقعات المستقبلية لأداء الجنيه تختلف عن تقديرات البنك المركزي المصري، خصوصًا فيما يتعلق بمستوى التضخم وسعر الصرف خلال السنوات الثلاث المقبلة؛ فبينما يتوقع البنك المركزي استمرار تحسن الجنيه وتراجع التضخم بشكل أسرع، أشار محللو رويترز إلى أن الدولار قد يشهد ارتفاعًا تدريجيًا طفيفًا أمام الجنيه على المدى المتوسط، بالتزامن مع تباطؤ وتيرة تراجع التضخم.
ويرى التقرير أن النظرة الإيجابية للحكومة تستند إلى فرضيات متفائلة تتعلق باستمرار تدفقات الاستثمار الأجنبي ونجاح برامج الخصخصة، في حين تميل المؤسسات الدولية إلى تبنّي رؤية أكثر تحفظًا تأخذ في الحسبان احتمالات ارتفاع أسعار الطاقة عالميًا، وتقلّب الأسواق الناشئة، وضغوط خدمة الدين الخارجي.
توقعات نمو الاقتصاد المصري حتى عام 2028
بحسب نتائج الاستطلاع، من المتوقع أن يسجل الاقتصاد المصري معدل نمو يبلغ 4.6% خلال العام المالي 2024/2025، ليرتفع إلى 4.9% في 2025/2026، ويواصل التحسن ليصل إلى 5.3% بحلول 2027/2028. ويعزو التقرير هذا النمو التدريجي إلى تحسن بيئة الاستثمار واستقرار سعر الصرف، إلى جانب انتعاش القطاعات الإنتاجية مثل الصناعة والطاقة المتجددة والتشييد.
كما يُنتظر أن تساهم المشروعات القومية الكبرى والبنية التحتية التي نفذتها الدولة خلال الأعوام الأخيرة في تعزيز الناتج المحلي الإجمالي عبر رفع الإنتاجية وتحسين كفاءة النقل والتوزيع. ورغم ذلك، يشير التقرير إلى أن معدلات النمو المتوقعة لا تزال أقل من المستويات المطلوبة لخلق فرص عمل كافية واستيعاب النمو السكاني، ما يجعل تحفيز القطاع الخاص أولوية قصوى خلال السنوات المقبلة.
اقرأ المزيد: صندوق النقد يرفع توقعاته لنمو الاقتصاد المصري
التضخم بين الرؤية الحكومية والتقديرات المستقلة
توقَّعت وكالة رويترز أن يتراجع المعدل العام للتضخم إلى 12.3% خلال العام المالي الحالي، ثم إلى 10.2% في العام المالي المقبل، مدعومًا بتراجع أسعار الغذاء العالمية وتحسن الإمدادات المحلية، لكنّ هذه الأرقام لا تتطابق مع توقعات البنك المركزي المصري الذي رجّح أن ينخفض التضخم إلى نحو 5% فقط بحلول الربع الأخير من عام 2026، مستندًا إلى استمرار قوة الجنيه وانخفاض أسعار النفط.
ويعزو محللو رويترز الفارق بين التقديرات الرسمية والمستقلة إلى اختلاف الافتراضات بشأن تطورات سعر الصرف وسعر الفائدة، وتأثير المتغيرات العالمية على كلفة الواردات. ويرى اقتصاديون أن السيطرة الكاملة على التضخم تتطلب زيادة الإنتاج المحلي للسلع الغذائية الأساسية والاعتماد على الطاقة المتجددة لتقليل أثر تقلب أسعار النفط والغاز في السوق العالمية.
السياسة النقدية وبداية دورة التيسير
توقَّعت وكالة رويترز أن يبدأ البنك المركزي المصري في دورة خفض تدريجية للفائدة خلال الفترة المقبلة، بعد مرحلة طويلة من التشديد النقدي، ومن المنتظر أن تنخفض أسعار الفائدة إلى 16% بنهاية العام المالي الحالي، ثم إلى 13% في عام 2027، وصولًا إلى 11.25% بحلول 2028، مع استمرار انخفاض معدلات التضخم وتحسن السيولة الدولارية داخل البنوك.
ويرى الخبراء أن هذه الخطوة ستؤدي إلى تحفيز الاستثمارات المحلية، خصوصًا في القطاعات الصناعية والزراعية، عبر خفض تكلفة الاقتراض وتسهيل التوسع في الإنتاج، فضلًا عن دورها في تنشيط سوق المال وزيادة التداولات بالبورصة المصرية التي شهدت ركودًا نسبيًا خلال العامين الماضيين.
توقعات سعر الصرف حتى 2028
تُشير التقديرات إلى أن سعر صرف الجنيه المصري سيشهد استقرارًا نسبيًا مع احتمال ارتفاع محدود في قيمة الدولار خلال السنوات المقبلة نتيجة التوازن بين العوامل الداخلية والخارجية. وبحسب استطلاع رويترز، يُتوقع أن يبلغ الدولار نحو 49.85 جنيهًا بنهاية العام المالي الحالي، و52 جنيهًا في يوليو 2027، ليصل إلى 54 جنيهًا بحلول عام 2028.
هذا الارتفاع البسيط يعتبره المحللون تصحيحًا طبيعيًا لا يعبّر عن ضعف الجنيه بقدر ما يعكس مرونة سياسة الصرف التي تعتمدها الحكومة، والتي تسمح بتعديل تدريجي وفقًا للمتغيرات الدولية وسوق العرض والطلب المحلي.
200 مليار جنيه وفورات انخفاض النفط وتحسن الجنيه
أكَّد الدكتور أيمن عبدالمقصود، الخبير الاقتصادي، أن الموازنة العامة للدولة لعام 2025/2026 تدخل مرحلة دقيقة تتقاطع فيها عوامل إيجابية مع تحديات داخلية تتطلب إدارة حذرة، وقال إنَّ انخفاض أسعار النفط وتحسن الجنيه يمنحان الموازنة المصرية متنفسًا ماليًا مؤقتًا، إذ يُقدَّر سعر البرميل في الموازنة بـ75 دولارًا، بينما السعر الحالي يقارب 63 دولارًا، أي بفارق 12 دولارًا تقريبًا يوفر نحو 50 مليار جنيه في بند دعم الطاقة.
وأشار عبدالمقصود إلى أن كل ارتفاع بدولار واحد في سعر النفط يضيف نحو 4.5 مليار جنيه إلى المصروفات، موضحًا أن الوفورات الحالية “لا تمثل حلاً جذريًا لعجز الموازنة البالغ نحو 1.5 تريليون جنيه، ما لم ترافقها سياسات رشيدة لإدارة الدين العام“.
وأكد أنَّ تحسُّن سعر الجنيه -المبني على سعر 50 جنيهًا للدولار في الموازنة مقابل السعر الفعلي الحالي عند 47 – 48 جنيهًا- يقلص عبء الدين الخارجي بنحو 153 إلى 235 مليار جنيه، مما يمنح وزارة المالية مساحة لإعادة توزيع الموارد.
وفي تقديره، فإن الوفورات الناتجة عن انخفاض النفط وتحسن العملة قد تتراوح بين 200 و285 مليار جنيه، أي ما يعادل 7% من إجمالي الإنفاق العام، لكنها غير كافية وحدها لإغلاق فجوة العجز. وبدوره، دعا عبدالمقصود الحكومة إلى توجيه جزء من هذه الوفورات لسداد الديون الخارجية وتنفيذ التزامها بخفض الدين بنحو ملياري دولار سنويًا خلال الأعوام الخمسة المقبلة.
توقيت ذهبي للتحوط النفطي
وفقًا لعبدالمقصود، فإنَّ الحل المستدام يتمثل في التحوُّط النفطي من خلال إبرام عقود متوسطة الأجل عند المستويات الحالية (60–62 دولارًا للبرميل)، وقد أشار إلى أن هذا هو “التوقيت الذهبي” للتحوط في ظل فائض المعروض العالمي، موضحًا أنّ هذه العقود لا تعني تخزين النفط فعليًا، بل هي عقود مالية تضمن استقرار الأسعار المستقبلية وتحمي الموازنة من تقلبات السوق.
كما أشار إلى أن استهلاك مصر من النفط والغاز يظل أحد أكبر مصادر الضغط على الإنفاق، حيث تبلغ تكلفة إنتاج الغاز المحلي نحو 2.5 دولار لكل مليون وحدة حرارية، مقابل 7.5 دولار للغاز المستورد عبر الخطوط، وأكثر من 12.5 دولارًا للغاز المسال، ما يبرز الحاجة إلى زيادة الاستثمار في الطاقة المحلية لتحقيق الاكتفاء الذاتي وتقليل استنزاف العملة الأجنبية.
واختتم الخبير الاقتصادي تصريحاته بالتأكيد على أن التحسن الحالي يجب ألا يدفع الحكومة إلى التراخي المالي، بل يجب استغلاله لتعزيز الاستدامة الاقتصادية عبر إدارة فعالة للدين، واستثمار ذكي في قطاع الطاقة، وسياسات تحوط استراتيجية تحمي الاقتصاد المصري من الصدمات الخارجية المحتملة.
اقرأ أيضًا: صندوق النقد يحذر من انفجار قنبلة الديون العالمية رغم النمو الاقتصادي