يشكل فوز دونالد ترامب بالانتخابات الأميركية مصدر قلق كبير لكل من الصين وأوروبا، نظراً لما تحمله سياسته الخارجية غير التقليدية من تحديات وتأثيرات على مصالحهما الاستراتيجية والاقتصادية.
من جانب الصين، فإن عودة ترامب إلى السلطة قد تُقابل بمزيج من الحذر والقلق، وكانت فترة رئاسته الأولى قد شهدت تصعيداً كبيراً في الحرب التجارية بين الولايات المتحدة والصين، مع فرض رسوم جمركية ضخمة على السلع الصينية، مما أدى إلى توتر العلاقات التجارية والدبلوماسية بين البلدين، ويخشى قادة بكين أن يؤدي عودة ترامب إلى تصعيد جديد للتوترات الاقتصادية، مما قد يزعزع استقرار الأسواق العالمية ويعطل سلاسل الإمداد.
إلى جانب ذلك، كان موقف إدارة ترامب صارماً تجاه الصين في قضايا حساسة مثل تايوان، وبحر الصين الجنوبي، وحقوق الإنسان في هونغ كونغ وشينجيانغ، ومن المتوقع أن تشهد هذه القضايا مزيداً من التصعيد في حالة عودة ترامب، مما يزيد من احتمالات المواجهة الجيوسياسية بين البلدين.
مخاوف فوز ترامب في الانتخابات الأميركية
أما بالنسبة لأوروبا، فإن عودة ترامب إلى البيت الأبيض قد تعني العودة إلى السياسات الانعزالية التي انتهجها خلال فترته الأولى، والتي شملت تقويض مؤسسات متعددة الأطراف مثل حلف شمال الأطلسي (الناتو)، والاتحاد الأوروبي، ومنظمة التجارة العالمية، فقد كانت فترة حكمه الأولى متوترة بين الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين، حيث فرض رسوماً على المنتجات الأوروبية وهدد بالانسحاب من الناتو.
تخشى أوروبا من أن تتسبب عودة ترامب في إضعاف العلاقات عبر الأطلسي، وزيادة التوترات التجارية، ودفع سياسات أكثر تشدداً تجاه قضايا مثل تغير المناخ والتجارة الدولية، كما أن هناك قلقاً من أن تتعرض الاستثمارات الأوروبية في الولايات المتحدة للخطر بسبب سياسات ترامب الحمائية.
من المحتمل أن يدفع احتمال عودة ترامب الصين وأوروبا إلى تبني استراتيجيات جديدة للتكيف مع التحديات المحتملة، قد تسعى الصين إلى تعزيز علاقاتها مع دول أخرى لموازنة النفوذ الأمريكي، في حين قد تسعى أوروبا إلى تعزيز وحدتها الداخلية وتقوية تحالفاتها مع دول أخرى للحفاظ على مصالحها في بيئة دولية غير مستقرة.
ومع أن عودة ترامب إلى البيت الأبيض ليست مؤكدة، إلا أن الاحتمالات المحتملة تثير قلق الصين وأوروبا وتدفعهما إلى التفكير في كيفية مواجهة التحديات المستقبلية في حال تحقق هذا السيناريو.
سياسات ترامب بعد الانتخابات الأميركية
أشار الدكتور رمزي الجرم، الخبير المصرفي، إلى أن تصاعد شعبية ترامب بعد محاولة اغتياله قد زاد من الدعم له بين طائفة كبيرة من الأميركيين، وقد عجل برحيل بايدن عن البيت الأبيض، فيما أعربت أوروبا عن قلقها من عودة ترامب، حيث أنها غير مرحبة بعودته مرة أخرى.
وأضاف الخبير في تصريحات خاصة لموقع “Econ-Pedia” : ترامب أشار إلى ضرورة استخدام القوة العسكرية لإنهاء أي احتجاجات طلابية مناهضة للحرب في غزة، كما هدد أعضاء حلف الناتو الأوروبيين بضرورة الالتزام بتخصيص 2٪ من الناتج المحلي الإجمالي لدعم الحلف، وهدد بعدم تقديم أي حماية عسكرية لأوروبا من قبل الولايات المتحدة.
ولم تقتصر المخاوف الأوروبية من عودة ترامب على الجانب العسكري فقط، بل امتدت إلى مخاوف اقتصادية، فقد هدد ترامب بشن حرب تجارية على المنتجات الزراعية والسيارات الأوروبية، مشيراً إلى أن الولايات المتحدة لا تحصل على حصة كافية من السوق الأوروبية المشتركة.
قد يؤدي هذا إلى فرض رسوم جمركية جديدة على الواردات الأوروبية إلى أميركا، كالحديد والصلب والألمنيوم، وقد يمتنع ترامب عن استيراد بعض المنتجات الأوروبية لحماية المنتجات الأمريكية وفقاً لمبدأ “أمريكا أولاً”.
وتابع الخبير: على الجانب الآخر، نجد أن اليمين الأوروبي، مثل إيطاليا وروسيا والمجر، يرحب بعودة ترامب إلى البيت الأبيض، حيث يلعب بوتين دوراً محورياً نحو فوز ترامب، على الرغم من عدم ترحيب الصين، الحليف الأقوى لروسيا، بهذا الاتجاه، وهذه التطورات قد تؤدي إلى تشكيل تحالفات اقتصادية وعسكرية مختلفة عما هي عليه الآن، مما يجعل المشهد السياسي والاقتصادي والعسكري في حالة من الضبابية وعدم اليقين.
شرخ في بنية الاتحاد الأوروبي
ويقول الجرم إن بريطانيا قد تكون من الدول المستفيدة من عودة ترامب، حيث بدأ حزب العمال البريطاني بالتواصل مع الجمهوريين في الكونغرس الأميركي ، مما قد يؤدي إلى حدوث شرخ كبير في بنية دول الاتحاد الأوروبي المتحالفة مع الولايات المتحدة، وقد دفع هذا الأمر الاتحاد الأوروبي إلى التفكير في إنشاء قوة عسكرية خارج إطار الناتو، وبدأ الحديث عن قوة تدخل سريع مكونة في البداية من 5 آلاف عنصر، وقد يصل عددها إلى 50 ألف عنصر.
بشكل عام يشعر كل من الصين وأوروبا بقلق بالغ من عودة ترامب، وخاصة دول الاتحاد الأوروبي الحليفة لأميركا،ذلك لأن ترامب قد أشار إلى عدم دعمه لأوكرانيا في حربها مع روسيا، مما يعزز موقف روسيا ويضعف موقف أوروبا والصين، في ظل استفادة الصين من استمرار الحرب الأوكرانية الروسية.
من جهته، يقول محمد محمود عبد الرحيم، الباحث الاقتصادي، إن هناك حالة من الترقب والحذر على المستوى السياسي والاقتصادي مع اقتراب الانتخابات الرئاسية الأميركية وارتفاع احتمالية فوز ترامب، ويُعتبر ترامب رجل أعمال قبل أن يكون سياسياً، ويتعامل مع القضايا الاقتصادية والسياسية لتحقيق مصالحه الشخصية ثم مصالح الولايات المتحدة من وجهة نظره، ويتضح هذا من سياساته غير المسبوقة التي شهدتها ولايته الأولى.
وفيما يتعلق بالصين، الشريك التجاري الأكبر للولايات المتحدة، فإن هناك مخاوف حقيقية بعد إعلان ترامب عن خطط لفرض رسوم جمركية قد تصل إلى 60% على البضائع الصينية، مما يشكل خطراً ليس على الاقتصاد الصيني فقط، بل على الاقتصاد العالمي بشكل عام، إضافة إلى ذلك هناك خلافات بين الولايات المتحدة والصين في قضايا مثل دعم تايوان، وحرمان الصين من بعض التكنولوجيا الأميركية، خصوصاً في صناعة الرقائق الإلكترونية، ودعم الصين لإيران وروسيا.
صراع امتلاك المعرفة
واتفق عبد الرحيم مع رأي الجرم، مشيراً إلى أن فترة ترامب الأولى شهدت زيادة الرسوم الجمركية على الواردات الصينية، ولا يخفى على أحد أن ترامب ينظر إلى الصين كتهديد مباشر لريادة الولايات المتحدة العالمية، حتى أن الرئيس الحالي بايدن كان يطمح في زيادة التعريفات الجمركية على السيارات الكهربائية الصينية المستوردة لتصل إلى 100%، إلا أن الولايات المتحدة لديها سياسات مؤسسية موحدة في معظم الملفات بغض النظر عن شخص الرئيس.
وأضاف عبد الرحيم في تصريحات خاصة لموقع “Econ-Pedia” هناك صراع اقتصادي حقيقي بين الولايات المتحدة والصين حول التصنيع وامتلاك المعرفة ، وتستهدف الصين تعميق صناعة الرقائق الإلكترونية، بينما تحاول الولايات المتحدة منعها من امتلاك تكنولوجيا أعمق من المتاح حالياً. وقع الرئيس بايدن على وثيقة لدعم قطاع أشباه الموصلات بقيمة 50 مليار دولار في عام 2022. الاتحاد الأوروبي أيضاً ليس بعيداً عن هذا الصراع، ولديه خطة لزيادة قدرات تصنيع الرقائق بحلول عام 2030 للاستحواذ على 20% من السوق العالمي.
وبكل تأكيد، هذه الخطوات تعكس أهمية هذه الصناعة عالمياً، مما يفتح المجال للدول التي تمتلك خام الرمال البيضاء، مثل مصر، لدخول هذه الصناعة حتى لو بشكل جزئي، خصوصاً بعد إعلان الحكومة المصرية عن تشكيل المجلس الوطني لتوطين تكنولوجيا تصنيع الرقائق الإلكترونية.
قلق أوروبي من فوز ترامب بالانتخابات الأميركية
على المستوى الأوروبي، فإن صعود ترامب للرئاسة يثير قلق القارة الأوروبية، فخلال ولايته الأولى، أعلن ترامب أن الولايات المتحدة تتحمل معظم تكاليف حلف الناتو، وهدد بالانسحاب منه أكثر من مرة، كما فرضت الولايات المتحدة رسوم جمركية على الصلب والألومنيوم، مما دفع الاتحاد الأوروبي للرد بفرض رسوم جمركية على البضائع الأميركية، بالإضافة إلى أن ترامب يعارض الدعم المفتوح لأوكرانيا، وهو أمر يهدد الأمن الأوروبي في مواجهة روسيا.
في النهاية، يقف العالم على صفيح ساخن، حيث تتغير التوازنات الجيوسياسية بشكل غير مسبوق، خاصة في الشرق الأوسط. هذه التغيرات قد تؤدي إلى اندلاع حرب عالمية، مما يجعل العالم غير قادر على تحمل مغامرات غير محسوبة في السياسات الاقتصادية والسياسية للولايات المتحدة.
واختتم عبد الرحيم قائلًا: تعتبر السياسة الخارجية الأميركية من أكثر القضايا تأثيراً على الاستقرار الدولي، لا سيما في ظل التغيرات السياسية الكبرى التي قد تشهدها الساحة العالمية مع اقتراب الانتخابات الرئاسية الأمريكي
تأثيرات عميقة
من جانبها ترى الدكتورة مروى خضر الخبيرة الاقتصادية، أن عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض ستكون لها تأثيرات عميقة على الصين وأوروبا، وذلك بناءً على سياساته خلال فترته الرئاسية الأولى وما تميزت به من توجهات اقتصادية وجيوسياسية واضحة.
التأثير على الصين:
خلال فترة رئاسته الأولى، اعتمد ترامب سياسة تجارية صارمة تجاه الصين، تمثلت في فرض رسوم جمركية مرتفعة على السلع الصينية، وذلك في إطار ما يعرف بـ”الحرب التجارية”. إذا عاد ترامب إلى البيت الأبيض، من المحتمل أن تعود هذه السياسات المتشددة، مما سيؤدي إلى:
إقرأ أيضاً : هل يحتمل الشرق الأوسط تداعيات حرب شاملة
- زيادة التوترات التجارية: من المحتمل أن تشهد العلاقات التجارية بين الولايات المتحدة والصين تصعيدًا، مما قد يؤدي إلى اضطرابات في سلاسل التوريد العالمية.
- ضغط اقتصادي على الصين: فرض المزيد من الرسوم الجمركية والعقوبات يمكن أن يؤثر على الاقتصاد الصيني، خاصة إذا استهدفت السياسات الأمريكية القطاعات الحيوية مثل التكنولوجيا.
- تعزيز التحالفات الإقليمية: من المرجح أن يحاول ترامب تعزيز تحالفات الولايات المتحدة في منطقة المحيطين الهندي والهادئ لمواجهة النفوذ الصيني المتزايدة
تأتثير فوز ترامب في الانتخابات الأميركية على أوروبا
أوروبا خلال فترة رئاسة ترامب الأولى كانت تواجه تحديات في الحفاظ على علاقات قوية مع الولايات المتحدة، وذلك بسبب السياسات الأحادية التي تبناها ترامب في عدة ملفات، منها التجارة والبيئة والأمن، فعودته إلى البيت الأبيض قد تؤدي إلى:
- تجدد الضغوط التجارية: ترامب قد يعيد فرض رسوم جمركية على المنتجات الأوروبية كما يطالب بإعادة التفاوض على اتفاقيات تجارية بشكل يتماشى مع مصلحة الولايات المتحدة.
- تباين في المواقف الجيوسياسية: قد تتباين مواقف أوروبا والولايات المتحدة حول قضايا مثل تغير المناخ، حلف الناتو، والتعامل مع روسيا، مما قد يؤدي إلى تراجع التنسيق بين الطرفين في هذه الملفات.
- تقوية النزعات الوطنية: عودة ترامب قد تشجع الحركات الشعبوية في أوروبا التي تتبنى مواقف مشابهة لتلك التي يتبناها، مما قد يؤدي إلى تزايد التوترات داخل الاتحاد الأوروبي حول مسائل مثل الهجرة والسيادة الوطنية.
واتفق الخبراء على أن عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض قد تعيد رسم الخريطة الجيوسياسية والاقتصادية العالمية، مع تأثيرات عميقة على العلاقات بين الولايات المتحدة وكل من الصين وأوروبا، علاوة على تصاعد التوترات التجارية، مما قد يتطلب من الصين وأوروبا إعادة تقييم استراتيجياتهما في التعامل مع الولايات المتحدة.