البرازيل تلغي فكرة العملة المشتركة لمجموعة “بريكس” البديلة للدولار

تقرير: باسل محمود

في مشهد يعكس الصراعات الجيوسياسية والاقتصادية المتصاعدة، تراجعت البرازيل عن دعم فكرة إنشاء عملة مشتركة لدول مجموعة بريكس، التي تضم البرازيل، وروسيا، والهند، والصين، وجنوب إفريقيا، بحسب رويترز.

قرار البرازيل، التي تتولى رئاسة المجموعة هذا العام، يُشير إلى تحوُّل جذري في استراتيجية التكتُّل، بعيداً عن الطموحات الكبرى لاستبدال الدولار، والتركيز بدلاً من ذلك على آليات أكثر واقعية لتعزيز التجارة البينية.

لماذا تخلّت البرازيل عن فكرة العملة المشتركة لبريكس؟

لطالما كانت فكرة عملة موحَّدة لدول بريكس مثيرة للجدل، وقد كان الرئيس البرازيلي لويز إيناسيو لولا دا سيلفا من أبرز المتحمسين لها، حيث رأى فيها فرصة لفكِّ ارتباط اقتصادات المجموعة بالدولار الأمريكي، إلَّا أنَّ الواقع العملي فرض نفسه بقوة، فقد كشف أربعة مسؤولين حكوميين، رفضوا الإفصاح عن هوياتهم، أنَّ البرازيل لن تطرح أيَّ مناقشات تقنية حول استحداث عملة موحدة خلال رئاستها للمجموعة.

ويبدو أنَّ هذا القرار جاء مدفوعاً بعدة عوامل، من بينها عدم جاهزية البنية التحتية المالية، حيث إنَّ إنشاء عملة موحدة يتطلب سنوات من التنسيق المالي والنقدي بين الدول الأعضاء، وهو أمر لا يزال بعيد المنال، فضلًا عن التباين الاقتصادي بين دول بريكس، إذ تختلف اقتصادات المجموعة بشكل جذري من حيث السياسات النقدية، وحجم الاحتياطات الأجنبية، ونظم أسعار الصرف، مما يجعل التوصل إلى عملة موحدة أمراً معقداً.

كما أنّ هناك مخاوف من ردِّ الفعل الأمريكي؛ حيث حذّر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مراراً من أيِّ محاولات لتقويض هيمنة الدولار، ولوّح بإجراءات اقتصادية مُضادة، مثل فرض تعريفات جمركية صارمة على الدول التي قد تتجه إلى تقليل اعتمادها على العملة الأمريكية.

هل تنجح بريكس في اختيار بدائل أكثر واقعية؟

في ظل هذه التحدِّيات، يبدو أنَّ البرازيل تتبنى نهجاً أكثر براغماتية، حيث تركز أجندتها الاقتصادية على تقليل الاعتماد على الدولار دون الحاجة إلى استحداث عملة موحدة.

تتضمن هذه الاستراتيجية عدة محاور، منها تعزيز المدفوعات الدولية بالعملات المحلية، حيث تسعى بريكس إلى توسيع استخدام العملات المحلية في التجارة الثنائية بين أعضائها، وقد بدأ هذا الاتجاه بالفعل بين الصين وروسيا، حيث يتمّ تنفيذ جزء كبير من معاملاتهما التجارية باليوان والروبل.

بالإضافة إلى الاستفادة من تقنيات الدفع الحديثة، حيث تفكر المجموعة في استخدام تقنيات مثل “البلوكتشين” وربط أنظمة الدفع الوطنية، مما يتيح تسوية المعاملات المالية بين الدول الأعضاء بشكل أسرع وأقل تكلفة.

ومع ذلك، تُعَدُّ التكلفة العالية للتحويلات المالية عبر الحدود بسبب الاعتماد على الأنظمة المصرفية الغربية أحد التحديات الرئيسية التي تواجه دول بريكس، لهذا فإنَّ تطوير آليات دفع بديلة يُمكن أن يمنح الدول الأعضاء مزيداً من الاستقلالية.

هل تتأثر هيمنة الدولار؟

رغم أنَّ هذه الخطوات قد تُقَلِّل تدريجياً من استخدام الدولار في التجارة البينية بين دول بريكس، إلَّا أنَّ بعض المحللين يَرَون أنَّ تأثيرها على النظام المالي العالمي سيكون محدوداً على المدى القريب.

يرجع ذلك إلى عدة أسباب، أهمّها هيمنة الدولار على التجارة العالمية، فوفقاً لصندوق النقد الدولي، لا يزال أكثر من 80% من المعاملات التجارية الدولية تتم بالدولار. بالإضافة إلى الثقة في الاستقرار المالي الأمريكي، رغم التحديات الاقتصادية والسياسية التي تواجهها واشنطن، حيث لا تزال الأسواق العالمية تعتبر الدولار “الملاذ الآمن” في أوقات الأزمات.

علاوةً على ذلك، لا توجد حتى الآن عملة بديلة قادرة على استبدال الدولار؛ فحتى مع تنامي دور اليوان الصيني، لا تزال هناك عوائق مثل ضوابط رأس المال الصارمة التي تفرضها بكين، مما يجعل اليوان أقلّ جاذبية كعملة احتياط دولية.

اقرأ أيضًا: “ترامب” يهدد “بريكس” برسوم جمركية لحماية الدولار

بريكس.. تكتل اقتصادي أم تحالف جيوسياسي؟

شهدت بريكس توسعاً ملحوظاً خلال السنوات الأخيرة، مع انضمام دول جدد للمجموعة مثل مصر، والسعودية، والإمارات، وإيران، إثيوبيا وإندونيسيا، الأمر الذي يعكس رغبة الدول النامية في بناء نظام اقتصادي أكثر توازناً بعيداً عن الهيمنة الغربية، لكن السؤال الأهم: هل تستطيع بريكس تحويل نفسها إلى قوة اقتصادية فعليّة، أم أنها ستظل مجرد تحالف رمزي؟

يُشير محللون إلى أنَّ نجاح المجموعة يعتمد على مدى قدرتها على تحقيق تعاون مالي واقتصادي حقيقي بين أعضائها، بدلاً من الاكتفاء بالشعارات السياسية، خاصةً مع اقتراب قمة بريكس في يوليو المقبل، حيث ستكون مسألة المدفوعات عبر الحدود وتقليل الاعتماد على الدولار على رأس الأولويات.

وبينما يبدو أنَّ حلم “العملة الموحدة” قد تم تأجيله، فإنَّ التوجه نحو تعزيز المدفوعات بالعملات المحلية قد يكون خطوة أكثر واقعية لتحقيق استقلال مالي تدريجي، لكنَّ التحدي الأكبر يظل في كيفية تحقيق ذلك دون إثارة غضب القوى الاقتصادية التقليدية، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية التي لن تتردد في اتخاذ إجراءات لحماية “عظمة الدولار”، كما وصفها ترامب.

موضوع ذو صلة: بريكس.. قوة صاعدة تنافس الـ “G7”

تابعنا على صفحتنا على فيسبوك

تابعنا أيضًا على صفحتنا على إنستغرام

أخبار ذات صلة