البرلمان المصري يقر قانون الإيجار القديم وسط انسحابات واعتراضات

في خطوة تشريعية تُعد من الأهم في العقد الأخير، أقرَّ مجلس النواب المصري بصفة نهائية مشروع قانون تعديل بعض الأحكام المتعلقة بقوانين إيجار الأماكن، وتنظيم العلاقة بين المؤجر والمستأجر.

وجاءت الموافقة على قانون الإيجار القديم، بعد نقاشات موسعة شهدت حضورًا وزاريًا لافتًا ضم وزراء الإسكان، والتنمية المحلية، والشؤون النيابية، إضافة إلى رئيس الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، في مشهد عكس اهتمام الدولة بمعالجة واحدة من أقدم وأعقد القضايا الاجتماعية والاقتصادية.

لكنّ هذه الجلسة التشريعية المهمة لم تمر دون جدل، إذ أعلن عدد من أحزاب المعارضة، إلى جانب نواب مستقلين، انسحابهم من الجلسة العامة، اعتراضًا على تمرير المادة الثانية من مشروع القانون دون تقديم أي بدائل تحقق توازنًا عادلًا في العلاقة الإيجارية.

انسحاب الأحزاب والمستقلين

شمل الانسحاب ممثلين عن أحزاب التجمع، والمصري الديمقراطي الاجتماعي، والعدل، إلى جانب النائب عبد العليم داود الذي انسحب بصفته الشخصية كممثل لحزب الوفد، بالإضافة إلى عدد من النواب المستقلين أبرزهم أحمد فرغلي، وضياء الدين داود، وأحمد الشرقاوي، وآخرين.

وأوضح النائب أحمد الشرقاوي، في تصريحات له داخل البرلمان، أن الانسحاب جاء اعتراضًا على ما وصفه بـ”التمرير المتعجل” للمادة الثانية من القانون، دون النظر إلى المقترحات البديلة التي تقدم بها النواب المعارضون. وأشار إلى أن هذه المقترحات، التي هدفت إلى صيغة توازن بين حقوق المالك والمستأجر في سوق العقارات، لم يتم الالتفات إليها أو إدراجها في المداولات، ولم تقدم الحكومة أو الأغلبية أية بدائل عادلة، ما اضطرهم إلى الانسحاب تعبيرًا عن رفضهم لهذا المسار.

الحكومة: لا مساس بالحق في السكن

من جانبه، شدد المستشار محمود فوزي، وزير الشؤون النيابية والقانونية والتواصل السياسي، خلال الجلسة، على أن الهدف الأساسي من القانون هو تحقيق المصلحة العامة، من خلال استعادة حقوق المؤجرين، مع الحفاظ الكامل على حق المستأجرين في المسكن المناسب، مضيفًا أن الدولة، التي نجحت في القضاء على العشوائيات، لن تسمح بأن يُترك أي مواطن بلا مأوى.

تعديلات جوهرية في قانون الإيجار القديم : 7 سنوات انتقالية

استجابةً لملاحظات النواب ومراعاة للبعد الاجتماعي، قدَّمت الحكومة تعديلات مهمة في مشروع القانون؛ من أبرزها تعديل المادة الثامنة، بحيث تُلزم الدولة بتوفير وحدة سكنية بديلة للمستأجر الأصلي أو زوجه الذي امتد إليه العقد، وذلك قبل عام كامل من انتهاء المدة الانتقالية المحددة لتحرير العلاقة الإيجارية، والتي تم تمديدها إلى سبع سنوات بدلًا من خمس.

وجاء نص الفقرة المعدّلة من المادة الثامنة كالآتي: “… ويصدر مجلس الوزراء، بناءً على عرض الوزير المختص بشؤون الإسكان، خلال شهر من تاريخ العمل بأحكام هذا القانون، قرارًا بالقواعد والشروط والإجراءات اللازمة لتلقي الطلبات والبت فيها، وترتيب أولويات التخصيص، وتحديد الجهات المعنية بتوفير الوحدات السكنية. وتلتزم هذه الجهات بعرض الوحدات المتاحة ونتائج ترتيب الأولويات على مجلس الوزراء لاعتمادها، كما تلتزم بتخصيص الوحدات للمستأجر الأصلي الذي أبرم عقد الإيجار مع المالك أو المؤجر، وكذلك لزوجه الذي امتد إليه العقد قبل بدء العمل بهذا القانون، وذلك قبل عام –كحد أقصى– من تاريخ انتهاء المدة المنصوص عليها في المادة (2) من القانون”.

اقرأ أيضًا: حكم الدستورية العليا يعيد تشكيل سوق العقارات في مصر

جذور أزمة الإيجار في مصر

في سياق موازٍ، أوضحت الدكتورة عاليا المهدي، أستاذ الاقتصاد والعلوم السياسية، أن أزمة الإيجارات السكنية في مصر ليست وليدة اللحظة، بل تعود جذورها إلى ما بعد ثورة 1952، حين تدخلت الدولة في العلاقة التعاقدية بين المالك والمستأجر، ما أثّر جذريًا على توازن سوق الإيجارات.

وأضافت المهدي أن الدولة قامت في الخمسينيات والستينيات بتخفيض الإيجارات ثلاث مرات لتحقيق مكاسب اجتماعية، إلا أن ذلك أدى إلى توقف حركة البناء للإيجار، نتيجة ضعف العائد. وفي السبعينيات، ظهرت ظاهرة “خلو الرجل” كحل غير رسمي لتعويض الملاك، إذ كان المستأجر يدفع مقدمًا كبيرًا مع اتفاق على إيجار رمزي، وهو ما فقد قيمته مع مرور الوقت وارتفاع نسب التضخم.

وأكدت أن الأزمة لا تتعلق فقط بانخفاض قيمة الإيجار، بل بتجميد هذه القيمة لسنوات طويلة، مما حرم الملاك من الاستفادة الاقتصادية ومنعهم من إجراء أي صيانة للعقارات، مشيرة إلى أن الحل لا يكون بقرارات متسرعة بل بتشريع متزن وعادل.

مقترحات لحل الأزمة وتحقيق توازن

بدورها، اقترحت المهدي عدة توصيات لحل أزمة قانون الإيجار القديم بتوازن:

  • الحق في البقاء حتى نهاية العمر: ضمان استمرار إقامة المستأجر الأصلي وزوجته في الوحدة حتى الوفاة حفاظًا على الاستقرار الاجتماعي.
  • زيادة مبدئية عادلة للإيجار: رفع فوري لقيمة الإيجار إلى عشرة أضعاف أو أكثر كخطوة مبدئية لإعادة التوازن.
  • ربط الإيجار بالتضخم: اعتماد معدل التضخم الرسمي كآلية لضبط قيمة الإيجار سنويًا.
  • وضع حلول للورثة: بعد وفاة المستأجر الأصلي وزوجته، يجب أن توفر الدولة بديلًا سكنيًا لبقية أفراد الأسرة أو يُتاح لهم التفاوض مع المالك على عقد جديد بشروط عادلة.

في ظل تصاعد الجدل حول قانون الإيجار القديم، يظل التحدي الأكبر هو الوصول إلى صيغة تشريعية تحقق التوازن بين حقوق المالك والمستأجر، وتحفظ الاستقرار الاجتماعي دون المساس بحقوق السكن، مع ضمان بيئة قانونية واقتصادية عادلة ومستقرة في سوق العقارات المصري.

قد يهمّك أيضًا: قراءة تحليلية في موازنة مصر 2025/2026.. أرقام متضاربة وجدالات محتدمة

تابعنا على صفحتنا على فيسبوك

تابعنا أيضًا على صفحتنا على إنستغرام

أخبار ذات صلة