في عالم يشهد تقلبات اقتصادية متسارعة وتحولات جيوسياسية تعيد رسم موازين القوة التجارية والسياسية، تتجه الأنظار هذا العام إلى جوهانسبرغ في جنوب إفريقيا، حيث تُعقد القمة السنوية لمجموعة بريكس؛ فهذه الكتلة التي تضم خمس دول كبرى باتت تُقدّم نفسها لاعبًا موازيًا لمجموعة السبع، مستندة إلى مكانتها كأسرع الاقتصادات نموًا في العالم، وإلى قوة رقمية هائلة تتمثل في ناتج محلي إجمالي يتجاوز 26 تريليون دولار، وحصة تقارب 20% من التجارة العالمية، وعدد سكان يصل إلى 3.3 مليار نسمة يمثلون نحو 42% من سكان العالم.
التوجهات الصينية ومساعي تحويل بريكس إلى قوة سياسية وعسكرية
تنعقد القمة في وقت تتزايد فيه التحديات على الساحة الدولية، وهو ما يدفع الصين إلى الدفع باتجاه تغيير طبيعة المجموعة؛ فبكين تسعى إلى تحويل بريكس من تكتل اقتصادي متعاون ومحايد إلى كيان سياسي واقتصادي مؤثر في مرحلته الأولى، ومن ثم إلى تحالف ذي ثقل عسكري في مواجهة القوى الغربية، وعلى رأسها مجموعة السبع والمحاور التي ترعاها الولايات المتحدة.
إلا أن هذا التوجه الصيني لا يحظى بإجماع داخل المجموعة. فالهند والبرازيل وجنوب إفريقيا تبدو أكثر تمسكًا بالحفاظ على بريكس كتكتل اقتصادي يركز على التنمية والشراكة، بعيدًا عن الاصطفافات الجيوسياسية التي قد تجرّ الدول الأعضاء إلى مسارات صدامية لا ترغب بها.
ملفات قمة بريكس 2023
على جدول أعمال القمة هذا العام ملفات بارزة، يأتي في مقدمتها التوسع في عضوية بريكس، وهو بند كان غائبًا عن المناقشات الجدية في القمم السابقة. واليوم تقف 23 دولة في طابور الانتظار، من بينها السعودية ومصر، في خطوة تعكس اتساع نفوذ المجموعة ورغبة مزيد من الدول في الانضمام إلى نظام اقتصادي أقل اعتمادًا على القوى التقليدية.
كما تبحث القمة إعادة إحياء النقاش حول تقليص هيمنة الدولار في التجارة العالمية، وتتجه الرؤية الحالية نحو تعزيز استخدام العملات المحلية في التبادل التجاري البيني، وإنشاء نظام دفع مشترك بديل، بدلًا من المضي في فكرة إطلاق عملة موحدة، التي ما تزال تواجه تحديات تقنية وسياسية معقدة.
وتحضر قضية الأمن الغذائي بقوة ضمن الملفات المطروحة، خاصة في ظل موجة الارتفاعات الحادة في أسعار الغذاء عالميًا، نتيجة السياسات الحمائية التي تتبناها عدة دول وتؤثر على سلاسل الإمداد. وهنا تبرز تساؤلات جوهرية حول قدرة بريكس على تجاوز هذه التحديات وتقديم حلول واقعية للدول الأعضاء وللوضع العالمي ككل.
وبين التطلعات الاقتصادية الكبرى، والخلافات السياسية داخل البيت الواحد، يبقى السؤال مفتوحًا: هل تنجح بريكس في تخطي العقبات والتحول إلى قوة اقتصادية عالمية أكثر تأثيرًا، أم أن الانقسامات الداخلية ستحد من طموحاتها؟
اقرأ أيضًا: مصر في “بريكس”.. انطلاقة جديدة في التعاون الدولي