البنك الدولي: مصر على أعتاب أزمة توظيف تاريخية
أصدر البنك الدولي تقريرًا موسعًا كشف فيه عن حجم التحديات التي يواجهها سوق العمل المصري خلال السنوات المقبلة، مؤكدًا أن مصر تقف أمام واحدة من أكبر فجوات التوظيف في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.
وبحسب التقرير، يدخل ما يقرب من 1.3 مليون شاب وشابة إلى سوق العمل سنويًا، في حين لا يتجاوز عدد الوظائف الجديدة التي يخلقها الاقتصاد نصف مليون وظيفة فقط، وهو ما يضع البلاد أمام معادلة شديدة الحساسية، ويجعل خلق الوظائف ضرورة استراتيجية لا تحتمل التأجيل.
وأشار التقرير إلى أن هذا التفاوت الكبير بين العرض والطلب في سوق العمل يضع ضغوطًا مستمرة على الاقتصاد، ويؤثر على قدرته على النمو بشكل مستدام، خاصة في ظل ارتفاع معدلات البطالة بين الشباب والنساء.
وأكد البنك الدولي أن هذا الاختلال ليس مجرد خلل اقتصادي، بل قضية وطنية تمس الاستقرار الاجتماعي ومستقبل التنمية، نظرًا لارتباطه المباشر بقدرة الدولة على تحقيق التوازن بين النمو السكاني والتوسع الاقتصادي.
وكشف التقرير أن تحقيق التوظيف الكامل للشباب يمكن أن يرفع الناتج المحلي الإجمالي بنحو 36%، بينما يمكن لسد فجوة التوظيف بين الجنسين أن يضيف نسبة قد تصل إلى 68% إلى الناتج المحلي، وهي أرقام تعكس حجم الفرص الضائعة إذا لم تُسرّع مصر من وتيرة الإصلاحات الهيكلية،ويرى البنك أن هذه النسب ليست افتراضات مبالغًا فيها، بل حسابات تعتمد على تجارب دول استطاعت تحويل التركيبة السكانية الشابة إلى قوة إنتاجية قادرة على رفع معدلات النمو والتصدير والاستثمار.
دور القطاع الخاص في الاقتصاد المصري
أشار التقرير إلى أن القطاع الخاص في مصر يلعب بالفعل دورًا رئيسيًا في الاقتصاد، إذ ينتج حوالي75% من الناتج المحلي الإجمالي، ويوفر وظائف لأكثر من 80% من القوى العاملة لكن دوره لا يزال محدودًا بفعل عوائق هيكلية تقيد نموه، من بينها ضعف القدرة على الحصول على التمويل، حيث لا تتجاوز نسبة الائتمان الموجه للقطاع الخاص 30% من الناتج المحلي، وهي نسبة تقل كثيرًا عن المتوسط في الدول متوسطة الدخل. كما أن وجود 561 مؤسسة مملوكة للدولة تعمل في ثمانية عشر قطاعًا اقتصاديًا يحد من المنافسة ويبطئ وتيرة الابتكار.
وأضاف البنك أن التحديات اللوجستية والتجارية تمثل أحد العوامل التي تضغط على الصادرات المصرية، حيث إنّ الإجراءات البيروقراطية وتكاليف الشحن وسلاسل الإمداد تعيق قدرة الشركات على المنافسة في الأسواق الخارجية، ورغم أن فترة الإفراج الجمركي تراجعت من ستة عشر يومًا إلى ثمانية أيام فقط بفضل الإصلاحات الأخيرة، فإن هذا التحسن يحتاج إلى استكمال وتوسيع ليصل إلى المعايير الدولية التي تتيح سرعة التداول ودقة الإجراءات.
ويرى التقرير أن معالجة فجوة التوظيف تتطلب إصلاحًا هيكليًا شاملًا يشمل بناء مؤسسات قوية، وتطوير بيئة أعمال قائمة على الشفافية، وتحديث الأطر التنظيمية، وتوسيع قاعدة الاستثمار المحلي والأجنبي.
وأشار البنك الدولي إلى أن تحقيق معدل نمو اقتصادي يفوق 6٪ سنويًا بين عامي 2026 و2050 يمكن أن يوفر نحو مليونين وثلاثمائة ألف فرصة عمل كل عام، ما يكفي لتغطية احتياجات الداخلين الجدد إلى سوق العمل وامتصاص جزء من العمالة الباحثة عن فرص أفضل.
ووفقًا للتقرير تولي مجموعة البنك الدولي أهمية خاصة لفكرة تمكين القطاع الخاص باعتباره المحرك الرئيسي لخلق الوظائف، وتربط نجاح الإصلاحات الاقتصادية بقدرة الشركات على الدخول إلى السوق والنمو والتوسع دون عوائق مالية أو تنظيمية، ولتحقيق هذا الهدف وضعت المجموعة إطارًا يتضمن تحسين وصول الشركات الصغيرة والمتوسطة إلى التمويل، وتوفير أراضٍ صناعية مهيأة لإقامة المشروعات، وتطوير برامج التدريب الفني والمهني بما يتماشى مع متطلبات سوق العمل الحديثة.
برامج البنك الدولي لدعم خلق الوظائف
استعرض التقرير نماذج من البرامج التي تنفذها مجموعة البنك الدولي في مصر، وفي مقدمتها مشروع تحفيز ريادة الأعمال لخلق فرص العمل، والذي اعتمد على مزج التمويل بالتمكين، ومنح المشروعات الصغيرة والمتوسطة مزيجًا من القروض والاستثمار في أسهم رأس المال إلى جانب التدريب والإرشاد الفني، وأسفر المشروع عن خلق أكثر من أربعمائة ألف فرصة عمل، ودعم أكثر من مئتي ألف مستفيد، نصفهم تقريبًا من النساء والشباب، وأشار البنك إلى أن هذه النتائج تعكس قدرة الاقتصاد المصري على خلق فرص حقيقية إذا أُتيح له التمويل والبيئة التنظيمية المناسبة.
وأبرز التقرير كذلك دور برنامج التنمية المحلية في صعيد مصر، الذي دعم أكثر من تسعة وسبعين ألف مشروع صغير ومتوسط في محافظات قنا وسوهاج والمنيا وأسيوط. وقد ساهم البرنامج في خلق تسعة آلاف فرصة عمل مباشرة، وأثر بشكل واضح على قدرة المشروعات الريفية على النمو والتوسع، وأوضح البنك أن نجاح هذا البرنامج يعكس أهمية اللامركزية في خلق فرص العمل، وأن التنمية الشاملة لا تتحقق دون إشراك المحافظات المختلفة في عملية الإنتاج.
أما مؤسسة التمويل الدولية فتقدم وفقًا للتقرير نموذجًا آخر لدور الشراكات الدولية في دعم خلق الوظائف؛ إذ استثمرت أكثر من خمسة وأربعين مليون دولار في دعم توسع سلسلة متاجر “كازيون”، ما يمهد لافتتاح نحو سبعمائة وخمسين متجرًا جديدًا خلال السنوات القليلة المقبلة، مع قدرة متوقعة على خلق ثلاثين ألف فرصة عمل مباشرة وغير مباشرة. وأشار البنك إلى أن هذه الاستثمارات تؤدي إلى تأثيرات واسعة تتجاوز التوظيف المباشر، من خلال دعم سلاسل الإمداد المحلية وتمكين المرأة داخل بيئات العمل التجارية.
اقرأ أيضًا: هل يقود إعفاء السلع المصرية من الجمارك طفرة في الصادرات إلى الصين؟
البنك الدولي يسلط الضوء على استراتيجية التنمية الصناعية
أكد التقرير أن مستقبل التوظيف في مصر يرتبط بقدرة الاقتصاد على التوسع في القطاعات ذات القيمة المضافة العالية؛ مثل الإلكترونيات، والصناعات الدوائية، والصناعات الغذائية، وصناعة السيارات، والطاقة المتجددة، وتكنولوجيا المعلومات، والخدمات الرقمية، والرعاية الصحية، والسياحة. ويشير إلى أن هذه القطاعات تمثل فرصًا ضخمة لتعزيز النمو وخلق وظائف أفضل وأكثر استدامة، بشرط توفير بيئة أعمال مستقرة وجاذبة للمستثمرين.
وكشف التقرير عن جهود البنك الدولي في إعداد استراتيجية التنمية الصناعية وتعزيز التجارة، بالإضافة إلى تقديم الدعم الفني لإطلاق استراتيجية الاستثمار الأجنبي المباشر التي تستهدف 13 قطاعًا يتمتع بإمكانات عالية لخلق الوظائف، كما يعمل البنك على تحسين منظومة الخدمات اللوجستية لخفض تكاليف النقل وتعزيز الربط التجاري، وهو ما يسهّل اندماج الشركات المصرية في سلاسل القيمة العالمية.
ضرورة التعامل مع فجوة التوظيف في مصر
قال ستيفان جيمبرت، المدير الإقليمي للبنك الدولي لشؤون مصر واليمن وجيبوتي، إن التوسع في خلق فرص عمل جيدة يمثل التحدي الأكثر إلحاحًا والفرصة الأكبر أمام الاقتصاد المصري خلال المرحلة المقبلة، مشيرًا إلى أن مصر بدأت بالفعل في تنفيذ خطوات مهمة لتمكين الشركات وتعزيز دورها كمحرك رئيسي لخلق الوظائف، وأكد أن استمرار الالتزام الحكومي على أعلى المستويات ضروري لضمان استفادة جميع المواطنين من ثمار هذه الجهود، لافتًا إلى أن مجموعة البنك الدولي ستظل شريكًا ثابتًا لمساندة الإصلاحات والبرامج الداعمة للنمو المستدام والشامل.
وفي السياق ذاته، أوضح شيخ عمر سيلا، المدير الإقليمي لمؤسسة التمويل الدولية في شمال أفريقيا والقرن الأفريقي، أن استدامة خلق الوظائف تتطلب قطاعًا خاصًا نشطًا وقادرًا على النمو، مؤكدًا أن مؤسسة التمويل الدولية تدعم الشركات المصرية من خلال الاستثمارات والخدمات الاستشارية، وتشجع على دمج المزيد من النساء والشباب في سوق العمل، وتعزيز توسع الشركات عبر الحدود، بما يتوافق مع برنامج الإصلاح الحكومي وجهود البنك الدولي لتحسين بيئة الأعمال في مصر.
وفي تعليقه على التقرير، قال الخبير الاقتصادي الدكتور أحمد شوقي إن الأرقام التي عرضها البنك الدولي تؤكد أن التعامل مع فجوة التوظيف لم يعد خيارًا لكنه “ضرورة اقتصادية واجتماعية ملحّة”، وأضاف أنّ أهمية التقرير تكمن في أنه يضع خريطة واضحة للإصلاح، ويربط بين النمو الاقتصادي وخلق فرص العمل، مشيرًا إلى أن نجاح مصر في تنفيذ هذه الإصلاحات سيحدد شكل الاقتصاد خلال العقود المقبلة.
ويرى شوقي أن الالتزام السياسي والاقتصادي بإنجاز هذه الإصلاحات سيكون عنصرًا حاسمًا في تحويل التوصيات إلى نتائج ملموسة، مؤكدًا أنّ “نافذة الفرص ما تزال مفتوحة، لكنها تحتاج إلى تسريع وتيرة التنفيذ حتى يستفيد المجتمع من الطاقات الشبابية الهائلة”.
واختتم الخبير بالتأكيد على أن مصر تمتلك إمكانات بشرية ضخمة إذا تم توجيهها في الاتجاه الصحيح، وأن إحكام التنسيق بين السياسات المالية والإصلاحات الهيكلية وتمكين القطاع الخاص يمكن أن يحول هذه الإمكانات إلى قوة إنتاجية قادرة على إعادة رسم مسار الاقتصاد المصري برمّته.
قد يهمّك أيضًا: التمويل الاستهلاكي في مصر ومخاوف فقاعة الديون