البنوك الإسلامية: نظام مالي بلا فوائد ربوية

البنوك الإسلامية عبارة عن مؤسسات مالية تؤدي الوظائف المصرفية العادية التي لا غنى للاقتصاد عنها، لكن على أساس المبادئ الإسلامية دون اللجوء إلى الربا أو ما يسمى بالفائدة؛ حيث تقوم البنوك الإسلامية على مبدأ المشاركة في الربح والخسارة، وهو مبدأ مُسْتَمَد من القاعدة الشرعية “الغنم بالغرم”، وهو مبدأ عامّ لا يمثل صيغة معينة من المعاملات المصرفية، بل يشمل المعاملات جميعها.

تاريخ البنوك الإسلامية

أوَّل مؤسسة مالية خالية من الفوائد حملت اسم “بنك” كان بنك ناصر الاجتماعي الذي تم تأسيسه في مصر عام 1971، حيث كانت المرة الأولى التي تُولي فيها الحكومة في دولة إسلامية اهتمامًا بتأسيس مؤسسة خالية من الفوائد.

جاءت رسالة البنك واضحة، تهدف إلى تعزيز التكافل الاجتماعي وتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية لجميع أبناء المجتمع، بما يضمن لهم حياة كريمة وفرصًا متكافئة. وقد شملت خدمات البنك تقديم قروض حسنة (بدون فوائد) لدعم الفقراء والمحتاجين، بالإضافة إلى توفير منح دراسية للطلاب، وتمويل المشاريع الصغيرة وفق صيغة المشاركة في الأرباح.

وفي عام 1975، أخذت مجموعة من رجال الأعمال مبادرة إنشاء بنك دبي الإسلامي في الإمارات، ليشهد السوق أول بنك حديث مملوك للقطاع الخاص في العالم، بعدها تمَّ إنشاء بنوك أخرى مثل بيت التمويل الكويتي، وبنك فيصل الإسلامي المصري في عام 1977، ثم بنك البحرين الإسلامي في عام 1979، ثم أنشئت العديد من المصارف الإسلامية لتبلغ ما يقارب 500 مصرف في جميع أنحاء العالم، أكبرها الآن مصرف الراجحي بالسعودية.

تعرّف أيضًا إلى أصل البنوك عمومًا وتاريخ نشأتها وآلية عملها

آلية عمل البنوك الإسلامية 

يمكن تلخيص آلية عمل البنوك الإسلامية في الاستثمار المباشر وغير المباشر من خلال صيغ التمويل الإسلامي المتوافقة مع الشريعة، وتشمل المرابحة، والمضاربة، والمشاركة، والإجارة، والإجارة المنتهية بالتمليك، والاستصناع، ولكل منها دور محدد في تمويل الأفراد والمشروعات وفق أسس شرعية بعيدًا عن الفائدة الربوية.

واللافت أنَّه لا يوجد فرق بين البنوك الإسلامية والتجارية فيما يتعلق بالخدمات المصرفية، لأنَّ البنوك الإسلامية تُقَدِّم جميع الخدمات المصرفية التي تُقَدِّمها البنوك التجارية على اختلافها من كفالات واعتمادات وغيرها، لكن أكثر ما يُحسب للبنوك الإسلامية ويميزها أنَّها استطاعت أن تُشَكِّل فارقًا بآلية عملها عن بقية البنوك الأخرى، حيث تمكنت من إدخال مجموعة من آليات عمل جديدة خاصة في جذب الاستثمارات وتعبئة المدخرات.

اطّلع أيضًا على: البنوك التجارية وطريقة عملها

الخدمات التي يجوز للبنوك الإسلامية أن تمارسها

بناءً على المواد القانونية المتعلقة بعمل البنوك الإسلامية فإنّه يحق لها أن تُقَدِّم مجموعة من الخدمات، وهي:

  • قبول الودائع النقدية في حسابات مختلفة، سواء كانت حسابات استثمار مخصص أو حسابات استثمار مشتركة أو حسابات ائتمان.
  • إصدار نوعين من السندات، وهي سندات مقارضة مخصصة وسندات مقارضة مشتركة.
  • إنشاء صناديق أو محافظ استثمارية.
  • القيام بأيّ أعمال مالية ومصرفية لا تقوم على أساس الفائدة بأيِّ شكل.

أهداف البنوك الإسلامية

تعمل المؤسسات المالية الإسلامية على تقديم خدمات مصرفية وتمويلية واستثمارية متكاملة، مع الالتزام الصارم باجتناب التعاملات القائمة على الفائدة بأيِّ شكل من الأشكال، وهي تُرَكِّز في رؤيتها على تعزيز التكافل الاجتماعي داخل المجتمعات المسلمة عبر تصميم حلول مالية تُحقق منفعة مشتركة للأفراد والمجتمعات، دون الإخلال بالضوابط الشرعية.

كما تسعى هذه المؤسسات إلى تحديث آلياتها لجذب المدَّخرات والأموال، وتطوير أدوات استثمارية مبتكرة تتناسب مع المبادئ الإسلامية، وذلك من خلال تبني أساليب مصرفية حديثة تُركِّز على الاستثمار في أصول حقيقية، وتجنُّب المخالفات المالية، مما يضمن تحقيق نمو مستدام يُواكب متطلبات العصر، ويحفظ القيم الأصيلة.

من أين تحصل البنوك الإسلامية على أموالها؟

تنقسم مصادر الأموال في البنوك الإسلامية إلى مصدرين رئيسيين لا غنى عنهما؛ الأول هو المصادر الذاتية الخاصة بالبنك، والتي تتضمن حقوق الملكية مثل رأس المال، والاحتياطات، والأرباح المحتجزة، والثاني هو المصادر الخارجية التي تُشَكِّل الجزء الأكبر من موارد البنك، وتشمل بشكل أساسي الودائع التي يقدمها العملاء.

المصادر الذاتية للبنوك الإسلامية

يعد الحديث عن الموارد الذاتية من أبرز الجوانب التي ترتبط ببداية تأسيس البنك الإسلامي؛ فبعد حصوله على موافقة الجهات المعنية التي غالبًا ما تكون البنك المركزي، يقوم البنك الإسلامي بطرح أسهمه للاكتتاب، بحيث يكتتب مؤسسو البنك أولا ثم تُطرح بقية الأسهم للاكتتاب العام، ويكون الاكتتاب بذلك من أول وأهم الموارد التي تساهم في تشغيل البنك الإسلامي وبدء أعماله، حيث يعتمد على المساهمين كمورد أساسي له.

ويعطي هذا الاكتتاب لمحة أخرى عن التزام البنك الإسلامي بأحكام الشريعة الإسلامية منذ نشأته؛ فالبنك عندما يطرح أسهمه للاكتتاب العام تكون على شكل أسهم عادية وليس أسهمًا ممتازة، حيث يكمن الفرق بينهما في أنَّ الأولى تُشارك في الربح والخسارة، على عكس الثانية التي يكون فيها الربح مضمونًا بحيث لا تشارك في الخسارة، لذلك صدرت فتوى بتحريمها.

أولًا: الاحتياطات المصرفية

يتم تكوين الاحتياطات في البنك على مدار السنوات من خلال الأرباح المُحَقَّقة، حيث يتم توزيع جزء منها على المساهمين، بينما يحتفظ البنك بجزء آخر كاحتياطي لدعم مركزه المالي، وهذا يعني أنّ الاحتياطات تعتبر جزءاً من حقوق الملكية، أيّ أنَّها تخص المساهمين فقط وليس المودعين، لذلك يجب اقتطاعها من صافي أرباح المساهمين وليس من العائدات الإجمالية التي تشمل أموال المودعين.

وقد يلجأ البنك أيضًا إلى حجز جزء من أرباحه وترحيلها لسنوات قادمة بهدف استخدامها فيما بعد، وتسمى بالأرباح المحجوزة أو المُرَحَّلة، وهي مصدر من المصادر الذاتية للبنك وتخصّ المساهمين فقط وليس المودعين، ويعمد البنك الإسلامي في هذه الحالة إلى إبقاء الأرباح المُقتطعة في البنك من خلال وضعها في حسابات مختلفة، منها:

  • الحساب الاحتياطي القانوني

وهو عبارة عن نسبة معينة تُحَدَّد حسب القواعد المصرفية المعمول بها، بحيث يتم اقتطاعها من الأرباح الصافية للبنك، ويشترط القانون الأساسي للبنك أن تظل هذه المبالغ داخل البنك دون توزيعها.

  • حساب الاحتياطي العام

هو حساب يضعه المؤسسون بغرض تدعيم رأس مال البنك، وعادةً ما ينص القانون التأسيسي للبنك على حساب الاحتياطي العام وعلى نسبة الأرباح المحوَّلة إليه، والتي قد تختلف تبعًا لعدة عوامل قانونية أو اقتصادية.

  • حساب الاحتياطات الأخرى

يمكن للبنوك تكوين حسابات احتياطيّة إضافية حسب الحاجة، بهدف تقليل مخاطر الخسائر واحتمالات حدوثها وزيادة المرونة التي تتمتع بها البنوك الإسلامية.

ثانيًا: المخصصات

يقوم البنك الإسلامي باقتطاع جزء من إجمالي الأرباح لتغطية الأعباء أو المخاطر المحتملة التي قد تحدث، رغم أنَّها غير محددة من حيث المقدار أو توقيت حدوثها، وهي عبارة عن تكاليف أو نفقات لم تُصرف بعد. ومن أمثلة هذه المخصصات المبالغ المتعلقة بالالتزامات المؤكدة التي يتوقَّعها البنك مستقبلاً، والتي لا يمكن تحديد قيمتها بدقة، مثل مخصص الديون المشكوك في تحصيلها أو مخصص الديون المعدومة.

إضافة إلى ما سبق، هناك موارد أُخرى متاحة للبنك الإسلامي؛ كالقروض الحسنة من المساهمين، أو التأمينات المودعة من قبل عملاء البنك الإسلامي كغطاء الاعتماد المستندي أو غطاء خطابات الضمان.

تُعتبر المصادر الداخلية للبنوك الإسلامية مصادر طويلة الأجل يُمكن استثمارها في المشروعات طويلة الأجل، في حال كانت نسبتها كبيرة مقارنة بالمصادر الخارجية. أما إذا كانت نسبتها ضئيلة فإن استثمارها يصبح غير ممكن.

المصادر الخارجية للبنوك الإسلامية

يُعتبر قبول الودائع من أهم أنشطة البنوك الإسلامية، حيث تُعد الودائع المصدر الرئيسي الذي يمنح البنوك قدرتها التمويلية والاستثمارية، كما أنّها تُشَكِّل عصب مواردها الخارجية.

ويمكن أن تأخذ الودائع عدة أشكال حسب احتياجات العملاء، لذلك تحرص البنوك عمومًا على توفير منتجات متعددة لجذب عملاء جُدُد، وبالتالي توسيع أوعيتها المالية.

أوّلًا: الودائع تحت الطلب

تُعتبر الحسابات الجارية على رأس الودائع التي يتلقاها البنك، وهي الأموال التي يودعها أصحابها في البنوك الإسلامية بغرض حفظها وتيسير معاملاتهم اليومية، وتبقى تحت تصرُّف أصحابها، بحيث يكون لهم الحق في سحبها كليًا أو جزئيًا مقابل عمولة بسيطة تُدفع للبنك الإسلامي، نظير تكاليف إدارة الحساب.

اتّفق الفقهاء والباحثون على اعتبار الحسابات الجارية في حكم القرض، حيث يلتزم البنك بالوفاء بها وضمان ردّها عند طلب العميل، ولا يحظى المودعون بأيّ فوائد في هذا النوع من الحسابات، كما لا يحقّ لهم الاستفادة من الأرباح المُتحققة من تشغيل هذه الأموال بل تبقى للبنك باعتباره ضامنًا لِردِّها.

أمَّا في حالة الخسارة، فإنّ البنك يتحمل التبعة وحده عملًا بالقاعدة الشرعية “الخراج بالضمان”، وهذا ما أكَّدت عليه توصيات مؤتمر البنك الإسلامي المنعقد في دبي عام 1979 من عدم استحقاق الحساب الجاري أيّ نصيب في أرباح الاستثمار.

كما تتميّز البنوك الإسلامية عن التقليدية بأنّها لا تهدف من وراء إدارة هذه الحسابات تحقيق أرباح بقدر ما تسعى إلى تيسير عمليات التمويل قصير الأجل، وخدمة العملاء، فضلا عن أنَّ البنك الإسلامي يحتسب عمولات ومصاريف هذا الحساب على أساس التكاليف الفعلية دون تحقيق ربح.

اقرأ أيضًا: البنوك الرقمية واختلافها عن التقليدية

ثانيًا: الودائع الادخارية

يطلق عليها أيضًا “حسابات التوفير”، وغالبا ما يكون مقدار هذه الودائع صغيرًا، ويمكن لصاحبها سحبها كلها أو بعضها من خلال دفتر توفيره، كما أنّ البنوك تمنح عائدًا على الوديعة بحسب قيمتها ومدتها.

ويمكن للودائع الادِّخارية أن تكون مع تفويض بالاستثمار، بحيث يستثمر البنك الإسلامي مبلغ الوديعة كله أو بعضه حسب رغبة العميل، في مقابل حصول الأخير على نصيب مُتَّفَق عليه من الربح، أو أن يكون الحساب من غير تفويض بالاستثمار، وتترك الوديعة على حالها دون أن تستحق أيَّ ربح، وهي بالتالي تأخذ حكم الحساب الجاري.

ثالثًا: ودائع الاستثمار

تُشكل ودائع الاستثمار أهمّ مصدر من مصادر الأموال الخارجية في البنوك الإسلامية، وهي الأموال التي يودعها أصحابها لمدة معينة بغرض استثمارها والحصول على نصيب من الأرباح، وتأخذ صورة عقد مضاربة بين المودعين والبنوك الإسلامية، مع تحديد نصيب كلّ من الطرفين مقدمًا.

وتنقسم ودائع الاستثمار إلى نوعين؛ الأول هو الإيداع مع تفويض، بحيث يتم تأسيس الوديعة على ضوء قواعد المضاربة المطلقة، فيكون للبنك الإسلامي حق استثمار أموال المودعين في أيّ مشروع يراه مناسبًا دون ربط المودعين استثمار أموالهم بمشروع معين، والنوع الثاني هو الإيداع دون تفويض، ويقوم على أساس عقد المضاربة المقيدة، حيث يختار المودع أحد مشروعات البنك الإسلامي ليستثمر أمواله فيه.

ونظرًا لطبيعة البنك الإسلامي، لا بُدّ من الإشارة إلى مصدر ذي أهمية خاصة يُمَيِّز هذا النوع من البنوك عن غيره، وهو الزكاة التي قد يحصل عليها البنك الإسلامي من مصادر متعددة، فقد يدفعها البنك نفسه من رأس ماله وأرباحه، أو يتحصل عليها من العملاء بموافقتهم، سواء على أموالهم المودعة لدى البنك أو على عائد استثماراتهم، كما قد يتلقى البنك الإسلامي الزكاة من الأفراد غير المتعاملين مع البنك، ومن المؤسسات والهيئات الأخرى أيضًا.

للمزيد من المعلومات اطّلع على الفرق بين الودائع في البنوك الإسلامية والتقليدية

تابعنا على صفحتنا على فيسبوك

تابعنا أيضًا على صفحتنا على إنستغرام

أخبار ذات صلة