تمر سوق الأصول الرقمية وعلى رأسها البيتكوين في الوقت الراهن بمرحلة دقيقة نظرًا للضغوط الاقتصادية العالمية وتحولات سلوك المستثمرين، وسط حالة من التذبذب الحاد في الأسعار وانكماش ملحوظ في مستويات السيولة.
وفي الوقت نفسه تزايدت حالة عدم اليقين بشأن آفاق النمو العالمي، بالتوازي مع ترقب واسع لمسار السياسة النقدية الأمريكية خلال عام 2026، وهو ما ينعكس مباشرة على أداء البيتكوين، بوصفها الأصل الرقمي الأكثر ارتباطًا بالمتغيرات الماكرو اقتصادية، والمؤشر الأكثر دلالة على اتجاهات السيولة وشهية المستثمرين نحو المخاطر.
لماذا يتحرك السوق ضمن نطاق احترازي؟
قال الدكتور محمد عبد الهادي، الخبير الاقتصادي، إن تحليل حركة السوق خلال الأسابيع الماضية يكشف أن البيتكوين تمر بمرحلة إعادة تقييم واسعة، بعد موجة ضغوط دفعتها إلى مستويات حرجة.
وأوضح الخبير أن عدداً من المستثمرين يرون أن الأسعار الحالية لا تعكس بدقة البيئة الاقتصادية المتوقعة خلال العام المقبل، مشيرًا إلى أن السوق يتحرك ضمن نطاق “احترازي” متأثرًا بموجات القلق المرتبطة بضعف النمو العالمي، في حين تشير المؤشرات الأساسية إلى احتمال عودة النشاط الاقتصادي بدعم من التحولات النقدية المتوقعة.
وأشار عبد الهادي إلى أن سوق العملات الرقمية مرّ خلال نوفمبر الماضي بإحدى أكثر مراحله حساسية خلال السنوات الأخيرة، مع تراجع حاد في مستويات السيولة وظهور إشارات فنية بارزة، أبرزها تسجيل أول شمعة حمراء على مؤشر الماكد منذ فترة طويلة، إلى جانب انخفاض كبير في أحجام التداول.
وأضاف أن هذه التطورات تزامنت مع موجة تصفية استثنائية تجاوزت قيمتها 20 مليار دولار، وهي من أكبر موجات التصفية خلال العقد الأخير، ولم تحدث حتى في أشد مراحل الأسواق الهابطة السابقة.
عودة الحيتان القديمة لسوق البيتكوين
أوضح عبد الهادي أن هذه التصفية العنيفة دفعت البيتكوين إلى مستوى 81 ألف دولار، قبل أن تعود سريعاً للارتداد نحو 91 ألف دولار، وهو ما عكس دخولًا مؤسسيًا ثقيلًا في السوق.
وأكد أن البيانات الخاصة بتدفقات المحافظ الكبرى تشير بوضوح إلى أن الأموال التي دخلت خلال فترة الهبوط والتي تجاوزت 225 مليون دولار، لا يمكن أن تكون ناتجة عن تداولات أفراد، بل تعكس عمليات تجميع منظمة نفذتها مؤسسات وحيتان السوق التي استغلت موجة الذعر لتكوين مراكز استراتيجية عند مستويات سعرية منخفضة.
قد يهمّك أيضًا: العملات المشفرة لعائلة ترامب تحفز الأسواق الرقمية
هل نحن أمام قاع استراتيجي جديد؟
يرى عبد الهادي أن هذا النموذج من التدفقات يسبق عادة تكوين قاع رئيسي، مؤكدًا أن بيانات مراكز الحيتان القديمة والجديدة تظهر عمليات شراء نشطة عند المستويات الأخيرة، وهو سلوك مشابه لما شهدته السوق قبيل موجات الصعود التاريخية السابقة للبيتكوين، وأشار إلى أن هذه المرحلة تتسم بارتباك واضح لدى المستثمرين، بينما تكون الأموال الذكية قد بدأت بالفعل في بناء مراكزها بصمت بعيدًا عن صخب التقلبات السعرية قصيرة المدى.
ورغم ذلك، أوضح الخبير الاقتصادي أن احتمالات حدوث هبوط إضافي محدود أو تسجيل حركة عرضية تبقى قائمة، وربما تشمل إعادة اختبار مستويات 80 ألف دولار لتصفية مراكز المبالغة في الشراء، لكنّه أكد أن هذه الاحتمالات لا تغيّر من “الصورة العامة” التي تشير إلى تحول تدريجي نحو تكوين منطقة تجميع رئيسية قد تصبح قاعدة لانطلاق موجة صعود جديدة خلال الفترة المقبلة.
وتوقع الخبير أن تعود البيتكوين لاختبار مستويات تتراوح بين 97 و100 ألف دولار خلال الأسابيع أو الأشهر المقبلة، مع التأكيد على أن هذا السيناريو لا يعني بالضرورة صعودًا مباشرًا، لكنه يشير إلى أن الأرضية السعرية الحالية أصبحت أكثر صلابة مما كانت عليه قبل موجة التصفية.
أداء الأسواق العالمية
على الصعيد الأوسع، شدَّد عبد الهادي على أنَّ الحديث المتكرر حول دخول السوق في “بير ماركت جديد” غير دقيق، لافتًا إلى أن الأسواق الأمريكية تواصل الاقتراب من قممها التاريخية، بينما يتحرك الذهب في اتجاه صاعد، ويحافظ النفط على تداولات ضمن نطاقات مستقرة نسبيًا، وهذه المؤشرات -برأيه- لا تعكس بيئة انكماش اقتصادي عميق.
غير أنّه يرى أنَّ الأسواق العالمية تمر بمرحلة انتقالية تعيد فيها ترتيب مراكزها الاستثمارية في انتظار دورة نمو جديدة، وهو ما ينعكس بوضوح على سلوك البيتكوين وباقي العملات الرقمية.
اقرأ أيضًا: كيف أدت قفزات العملات الرقمية إلى ولادة مليارديرات
دور الإيثيريوم والعملات البديلة
أوضح عبد الهادي أن حركة الإيثيريوم وعدد من العملات البديلة تعد عنصرًا مهمًا لفهم اتجاه السوق، إذ أظهرت البيانات أن بعضها ما يزال محتفظًا بجاذبيته من حيث البنية الأساسية والقيمة السوقية، مقارنة بمرحلة التصحيحات الأخيرة.
ووفقا للخبير، قد تحقق بعض هذه العملات ارتفاعات تتراوح بين ضعفين إلى ثلاثة أضعاف في حال انطلاق موجة صعود جديدة، خصوصًا المشروعات التي تمتلك تطبيقات فعلية داخل قطاعات التكنولوجيا المالية والبلوكتشين.
المؤشرات الحيوية لفهم المرحلة الانتقالية في سوق الكريبتو
دعا عبد الهادي المستثمرين إلى متابعة مجموعة من المؤشرات الرئيسية، مثل بيانات الاستحواذ على الشبكات، وتدفقات المحافظ طويلة الأجل، وحركة المحافظ الكبرى، ومؤشرات التمويل، معتبرًا أنها أدوات أكثر دقة في قياس اتجاه السوق الحقيقي مقارنة بالتحركات السعرية شديدة التقلب التي تميز المراحل الانتقالية.
وفي ختام تحليله، أكد الدكتور محمد عبد الهادي أن السوق يمر بمرحلة مفصلية، وأن مشاعر الارتباك المسيطرة على عدد كبير من المستثمرين مفهومة في ظل تداخل الإشارات الفنية وتباين التوقعات، لكنه شدد على أن البيانات تشير بوضوح إلى أن المؤسسات المالية الكبرى تعيد تمركزها عند مستويات سعرية تراها جذابة للغاية، وهو نمط لا يحدث بشكل عشوائي، وغالبًا ما يمثل إشارة مبكرة على قرب انطلاق موجة ارتداد قوية بمجرد تراجع الضغوط البيعية واستعادة السيولة لتوازنها الطبيعي، وأضاف أن الفترات التي تشتد فيها حدة التقلبات تكون في العادة مقدمة لتحولات كبرى في اتجاه السوق خلال المرحلة التالية.
اقرأ أيضًا: هبوط أسعار العملات المشفرة يمحو نحو مليار دولار من ثروة عائلة ترامب