التصعيد الإيراني الإسرائيلي يضع الاقتصاد المصري أمام اختبارات قاسية
وسط التصعيد المتسارع في منطقة الشرق الأوسط نتيجة الحرب الدائرة بين إيران وإسرائيل، شدد الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، على أن الحكومة المصرية تتابع تطورات هذا النزاع بشكل لحظي ودقيق لمواجهة تداعياته المحتملة على الداخل المصري، ومواكبة تأثيراته الإقليمية المتوقعة في مختلف القطاعات.
وأوضح رئيس الوزراء أن هناك تنسيقًا مباشرًا ومكثفًا بين محافظ البنك المركزي، حسن عبد الله، ووزير المالية أحمد كجوك، من أجل اتخاذ إجراءات استباقية تضمن تعزيز المخزون الاستراتيجي من السلع الأساسية والمتنوعة، بهدف حماية السوق المصري من أية اضطرابات محتملة قد تنتج عن الوضع الأمني المتدهور في المنطقة.
خطة حكومية لمواجهة تداعيات الحرب بين إيران وإسرائيل
أشار مدبولي إلى أنَّ الحكومة تستعد لجميع السيناريوهات، حيث تم عقد اجتماع رفيع المستوى مع وزيري الكهرباء والبترول، وذلك لبحث الآثار المحتملة للأحداث الجارية على قطاعي الطاقة والوقود، واستعراض خطط الطوارئ والجاهزية للتعامل مع أي تطورات قد تؤثر على إمدادات الطاقة أو حركة التجارة الدولية.
ويأتي هذا التحرك الحكومي في ضوء توقعات بحدوث تأثيرات اقتصادية إقليمية مباشرة نتيجة تصاعد الصراع بين طهران وتل أبيب، خاصة فيما يتعلق بأسواق الطاقة، وخطوط الملاحة، وتدفقات السلع الاستراتيجية، بما يستلزم استعدادًا مصريًا شاملًا لضمان استقرار السوق المحلي وتأمين احتياجات المواطنين من السلع الحيوية.
ويرى الخبراء أن الحرب بين إيران وإسرائيل تمثل صدمة مزدوجة للاقتصاد المصري في توقيت شديد الحساسية، وتفرض تحديات خطيرة على الأمن الاقتصادي القومي.
وقد صرّح الدكتور حسين العسيلي، الخبير الاقتصادي، بأن اندلاع المواجهة المباشرة بين إيران وإسرائيل يمثل تطورًا بالغ الخطورة في المشهد الإقليمي، خاصة بعدما تصاعدت الضربات المتبادلة لتشمل منشآت حيوية ومناطق مأهولة، ما وسّع نطاق آثار الصراع إلى خارج حدوده الجغرافية، ليصل صداه إلى القاهرة وغيرها من عواصم المنطقة.
اقرأ أيضًا: تداعيات المواجهة بين إيران وإسرائيل.. هل يُعاد رسم ملامح الشرق الأوسط؟
كيف سيتأثر الاقتصاد المصري بالحرب؟
أوضح العسيلي أن الاقتصاد المصري تلقى ضربة مباشرة نتيجة توقف الإنتاج في الحقول الإسرائيلية للغاز الطبيعي، وهو ما يمثل فقدانًا لمصدر مهم من مصادر العملة الصعبة، نظرًا لاعتماد مصر على الغاز الإسرائيلي لإعادة التسييل في مصانع إدكو ودمياط ثم تصديره.
هذا الانقطاع، بحسب العسيلي، سيُحدث اضطرابًا واضحًا في منظومة الطاقة، ما سيدفع الحكومة إلى اتخاذ إجراءات تقشفية في استهلاك الكهرباء، قد تشمل تقنين الإمدادات للمصانع الثقيلة مثل مصانع الحديد والأسمدة، مع إعطاء الأولوية للمنازل.
كما أشار إلى أن الأزمة لن تتوقف عند ملف الطاقة، بل ستمتد إلى قطاع الملاحة وقناة السويس، مثلما حدث سابقًا حيث أدت زيادة وتيرة الهجمات الحوثية في البحر الأحمر –والتي تعد جزءًا من محاور النفوذ الإيراني– إلى تحويل عدد كبير من السفن العالمية مسارها نحو رأس الرجاء الصالح، متجنبة المرور عبر القناة، وهذا التحوّل المفاجئ تسبّب في انخفاض حاد في إيرادات قناة السويس، والتي تُعد ركيزة رئيسية في دعم الاحتياطي الأجنبي ومصدرًا مهمًا للعملة الصعبة، ما زاد من الضغط على الموازنة العامة للدولة.
اقرأ أيضًا: اضطرابات البحر الأحمر.. تهديد متصاعد للاقتصاد العالمي
قطاع السياحة المصري
أشار العسيلي إلى أنَّ قطاع السياحة المصري هو الآخر سيتضرر بوضوح، لا سيما في مناطق البحر الأحمر وسيناء، حيث تؤدي حالة التوتر الإقليمي إلى تراجع ثقة السياح الأجانب، وخاصة الأوروبيين، ما ينعكس على نسب الإشغال الفندقي وتراجع حجوزات الطيران.
واعتبر أنَّ هذا التراجع يشكّل ضربة قوية لقطاع يعتبر من الأعمدة الأساسية للدخل القومي، وبالرغم من التحسن النسبي الذي شهده الجنيه المصري خلال الأسابيع الأخيرة، أكد العسيلي أن الضغوط على مصادر النقد الأجنبي لا تزال قائمة، في ظل ارتفاع فاتورة الاستيراد واضطرابات الأسواق العالمية.
كما أشار إلى أن معدلات التضخم ما زالت مرتفعة، حيث بلغ معدل التضخم السنوي 16.8٪ في مايو 2025، وهو ما يبقي على الأعباء المعيشية الثقيلة المفروضة على المواطن المصري، خصوصًا مع ارتفاع أسعار الطاقة والسلع الغذائية.
وأشار إلى أن هذه الأزمة جاءت بينما كانت مصر تخطط لتنفيذ برنامج إصلاح اقتصادي واسع بدعم من صندوق النقد الدولي وشركاء إقليميين مثل الإمارات، إلا أن تطورات الحرب أدخلت معادلة اقتصادية معقدة، ففي الوقت الذي تستهدف فيه الحكومة تحرير السوق وتعويم الجنيه لجذب استثمارات أجنبية مباشرة، جاءت الحرب لتُضعف المناخ الاستثماري وتزيد من حذر رؤوس الأموال، خاصة في ظل المخاطر الجيوسياسية المرتفعة.
اقرأ أيضًا: تصعيد إسرائيل وإيران يفجر اضطرابًا في أسواق الطاقة والمال العالمية
3 أزمات تواجه الاقتصاد المصري
وفقًا للعسيلي، إذا استمر التصعيد العسكري في المنطقة فإنَّ الاقتصاد المصري سيجد نفسه أمام ثلاثة تحديات رئيسية: نقص الطاقة، وتراجع مصادر النقد الأجنبي، واضطراب بيئة الاستثمار”.
ولفت الخبير إلى أن التعامل مع هذه التحديات يتطلب استجابة سريعة وذكية من صناع القرار، ترتكز على تنويع مصادر الغاز الطبيعي، وإعادة ترتيب أولويات الإنفاق العام، وتسريع الجهود لجذب استثمارات مباشرة في قطاعات واعدة مثل الطاقة المتجددة، والزراعة، والصناعات التصديرية.
وأضاف أن الحرب بين إيران وإسرائيل ليست أزمة عابرة، بل اختبار حقيقي لقدرة الاقتصاد المصري على الصمود والتكيف مع التحولات الجيوسياسية الكبرى، خاصة في وقت لم يتعاف فيه بعد من صدمات متتالية بداية من جائحة كورونا، مرورًا بالحرب الروسية – الأوكرانية، وصولًا إلى التصعيد الحالي في الشرق الأوسط.
واختتم الخبير تصريحاته قائلاً : “نحتاج إلى سياسات اقتصادية مرنة واستباقية توازن بين الإصلاح المالي والحفاظ على استقرار اجتماعي في بيئة إقليمية لا تعرف التهدئة”.
سعر صرف الدولار
من جهتها، أكَّدت الدكتورة مروى خضر الخبيرة الاقتصادية أن الهجمات الإسرائيلية الأخيرة على إيران سيكون لها انعكاسات سلبية على الاقتصاد المصري، تختلف حدتها تبعًا لتطورات المشهد العسكري في المنطقة.
وأوضحت أن تأثير الصراع على مصر يرتبط بشكل مباشر بدرجة التصعيد ومدى اتساع نطاق المواجهة، ففي حال اقتصر التصعيد على هجمات جوية متبادلة بين إسرائيل وإيران فقط، دون تدخل مباشر من الولايات المتحدة، أو سقوط صواريخ على دول الخليج، أو المساس بحركة الملاحة في مضيق باب المندب، فإن الأثر الاقتصادي على مصر سيبقى محدودًا، لكنه سيظل ملموسًا، خاصة في ما يتعلق بارتفاع أسعار بعض الواردات الحيوية مثل القمح والنفط والغاز الطبيعي، وهو ما سينعكس على كلفة المعيشة والميزان التجاري.
كما أشارت خضر إلى أنَّ هذه المرحلة من التصعيد قد تؤدي أيضًا إلى ضغوط إضافية على سعر صرف الجنيه المصري أمام الدولار، نتيجة الارتباك المتوقع في الأسواق العالمية، لا سيما أسواق الطاقة والغذاء، ما من شأنه أن يضع تحديات جديدة أمام صانع القرار الاقتصادي في مصر.
أما في حال تطور الوضع إلى مرحلة أكثر حدة تشمل تدخلًا أمريكيًا مباشرًا، أو سقوط مقذوفات على أراضي دول الخليج، أو تهديد واضح لمضيق باب المندب، فإن ذلك سيؤدي إلى تفاقم الأثر السلبي على الاقتصاد المصري بشكل كبير، وقالت: “أي اضطراب في مضيق باب المندب، الذي يمثل شريانًا استراتيجيًا للتجارة العالمية ولحركة الصادرات والواردات المصرية، ستكون له عواقب مباشرة على قطاع النقل البحري وأسعار الشحن وتأمين البضائع”.
قد يهمّك أيضًا: مضيق هرمز تحت الضغط مجددًا مع تصاعد توترات الشرق الأوسط