التصنيف الائتماني لإسرائيل تحت المراقبة.. وستاندرد آند بورز تحذر

تشهد إسرائيل في الفترة الحالية تحديات اقتصادية كبيرة بفعل استمرار التصعيد العسكري في غزة وتوسيع العمليات العسكرية، وهو ما دفع وكالة “ستاندرد آند بورز” للتصنيف الائتماني إلى الإبقاء على التصنيف الائتماني لإسرائيل في المنطقة السلبية، معبرة عن قلقها من تداعيات الحرب على الاقتصاد الإسرائيلي.

وفي تقريرها الأخير، حذرت الوكالة من أن استمرار الصراع سيؤدي إلى تفاقم العجز المالي بشكل غير مسبوق، مع توقعات بأن يصل العجز إلى 6% من الناتج المحلي الإجمالي، وهو معدل أعلى بكثير من المستهدف الحكومي.

توقعات بخفض التصنيف الائتماني لإسرائيل

حذرت “ستاندرد آند بورز” في بيانها من أنها قد تضطر إلى خفض التصنيف الائتماني لإسرائيل خلال العامين المقبلين إذا استمرت العمليات العسكرية بشكل يؤدي إلى تدهور النمو الاقتصادي، وزيادة العجز المالي، وتأثير سلبي على ميزان المدفوعات.

وأشارت الوكالة إلى أن أي تصعيد عسكري إضافي قد يُلحق ضرراً أكبر بالاقتصاد الإسرائيلي، خاصة إذا شمل جبهات جديدة أو في حال اضطرت الحكومة إلى استدعاء أعداد كبيرة من جنود الاحتياط، مما يزيد من تكاليف الإنفاق الدفاعي.

وأضافت أنها قد تعيد النظر في التقييمات الائتمانية إذا ظهرت بوادر تهدئة عسكرية وانحسار المخاطر الأمنية على الحدود، لكنّها أكدت أن الأفق المالي والاقتصادي لإسرائيل لا يزال معرضاً للتدهور في ظل الأوضاع الراهنة.

تقييم شامل مبني على لقاءات رفيعة المستوى

وذكرت صحيفة “يديعوت أحرنوت” أن وكالة “ستاندرد آند بورز” استندت في تقريرها إلى سلسلة من الاجتماعات واللقاءات مع كبار المسؤولين الإسرائيليين، من بينهم ممثلون عن وزارة المالية وبنك إسرائيل المركزي، ومديرو مصارف، وقادة صناعيون، ومسؤولون في قطاع التكنولوجيا الفائقة. وأكدت الوكالة أن هذه اللقاءات أظهرت أن الاقتصاد الإسرائيلي قد يتعرض لضغوط أكبر في حال استمرار التصعيد العسكري أو الدخول في جبهات جديدة، مما يؤدي إلى ارتفاع تكاليف الدفاع وتباطؤ النشاط الاقتصادي.

وأشارت “ستاندرد آند بورز” إلى أن زيادة الإنفاق العسكري وما يرتبط به من نفقات حكومية قد يؤدي إلى ارتفاع مستويات الاقتراض الحكومي، في وقت تشهد فيه الأسواق معدلات فائدة مرتفعة بالفعل، وهو ما قد يزيد من أعباء الديون على الحكومة الإسرائيلية.

قد يهمّك أيضًا: الهجرة العكسية من إسرائيل تتصاعد وسط أزمات أمنية واقتصادية

العلاقات التجارية مع الولايات المتحدة تحت المجهر

لفتت الوكالة إلى أن العلاقات التجارية بين الولايات المتحدة وإسرائيل قد تتأثر في ظل التوترات الحالية، حيث إن واشنطن، التي تعد أكبر شريك تجاري لإسرائيل، قد تفرض رسوماً جمركية إضافية على بعض السلع والبضائع الإسرائيلية، وهو ما قد ينعكس سلباً على الاقتصاد الإسرائيلي، خاصة وأن نحو 27% من صادرات إسرائيل السلعية تتجه إلى السوق الأمريكية.

وأضاف التقرير أن ثلثي صادرات إسرائيل إلى الولايات المتحدة عبارة عن خدمات، وخاصة في مجالات تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، وهي القطاعات التي لم تخضع بعد للرسوم الجمركية على الواردات، لكن الوكالة حذرت من أن أي تغير في سياسات الرسوم الجمركية قد يؤثر سلباً على صادرات إسرائيل من هذه الخدمات.

ومن ناحية أخرى، أوضحت “ستاندرد آند بورز” أن الاقتصاد الإسرائيلي ما زال عرضة للتقلبات في الأسواق الأمريكية، خاصة في ظل ضعف ثقة المستثمرين وتباطؤ النمو الاقتصادي العالمي، وأشارت إلى أن إسرائيل تعتمد بشكل كبير على التمويل الخارجي لدعم قطاع التكنولوجيا الفائقة، وهو ما يجعلها أكثر عرضة لأي تغيرات اقتصادية مفاجئة في الولايات المتحدة.

وفي سياق توقعاتها المستقبلية، رجحت الوكالة أن يصل عجز الحكومة الإسرائيلية إلى 6% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2025، وهو ما يزيد بشكل ملحوظ عن نسبة 4.9% المستهدفة من قبل الحكومة. كما توقعت أن ينخفض العجز نسبياً في عام 2026 ليصل إلى 5%، ولكن ذلك سيظل أعلى من المعدلات المستهدفة.

اقرأ أيضًا: تراجع استثمارات الشركات الأوروبية في إسرائيل بسبب حرب غزة

تصنيفات ائتمانية حذرة من وكالات دولية

من جانبها، أشارت وكالات تصنيف دولية كبرى أخرى إلى أن الوضع المالي لإسرائيل لا يزال هشاً، لكنها امتنعت حتى الآن عن خفض تصنيفها الائتماني، واكتفت بوضعه في المنطقة السلبية، فقد أبقت وكالة “فيتش” على تصنيف إسرائيل عند مستوى (إيه)، فيما أرجأت وكالة “موديز” قرارها إلى سبتمبر المقبل، في انتظار تقييم التطورات الأمنية والاقتصادية.

ويمثل التصنيف الائتماني أهمية كبيرة للحكومة الإسرائيلية، خاصة في ظل تصاعد تكاليف الحرب وزيادة الإنفاق الدفاعي، علمًا أنّ الحكومة تواجه تحديات كبيرة في تغطية تكاليف إعادة الإعمار في المناطق المتضررة من الصراعات، سواء على الحدود مع غزة أو في المناطق الشمالية القريبة من لبنان، بالإضافة إلى تقديم الدعم للأسر التي نزحت بسبب الصراع.

عجز متفاقم واقتراض مكلف

في ظل تزايد متطلبات الإنفاق الحكومي، تتجه إسرائيل نحو زيادة الاستدانة، مما يزيد من مخاطر الاقتراض في وقت تتجه فيه الأسواق المالية العالمية نحو تشديد السياسات النقدية ورفع معدلات الفائدة.

وقد أكدت وكالة “ستاندرد آند بورز” أن التحديات التي تواجه الاقتصاد الإسرائيلي ستظل قائمة طالما استمرت العمليات العسكرية دون حلول سياسية واضحة، مشيرة إلى أن تخفيف المخاطر الأمنية قد يكون السبيل الوحيد لإعادة ضغوط الاستقرار المالي وتحسين التوقعات الاقتصادية للبلاد.

ومن جانبها صرّحت الدكتورة منال العشري، أستاذ الاقتصاد الدولي، أن قرار وكالة “ستاندرد آند بورز” بالإبقاء على التصنيف الائتماني لإسرائيل في المنطقة السلبية يعكس حجم التحديات الاقتصادية التي تواجهها تل أبيب في ظل استمرار العمليات العسكرية، وأكدت أن استمرار الصراع العسكري لا يؤثر فقط على الوضع الأمني، بل يمتد تأثيره إلى الاقتصاد بشكل كبير، حيث يؤدي إلى تراجع ثقة المستثمرين، وزيادة الإنفاق الدفاعي، وتفاقم عجز الموازنة.

وأوضحت العشري أن رفع وكالة “ستاندرد آند بورز” توقعاتها بشأن عجز الميزانية يمثل إنذاراً اقتصادياً خطيراً، وأضافت: “الحكومة الإسرائيلية كانت تستهدف عجزاً بنسبة 4.9%، لكن مع التصعيد العسكري والإنفاق الضخم على العمليات العسكرية وحشد جنود الاحتياط، من المتوقع أن تتجاوز الحكومة هذا الهدف بسهولة”.

مستقبل الاقتصاد الإسرائيلي في مهب الريح

أشارت العشري إلى أن ارتفاع الإنفاق الدفاعي يفرض ضغوطاً متزايدة على الميزانية العامة، مما يضطر الحكومة إلى زيادة الاقتراض، وفي ظل ارتفاع أسعار الفائدة عالمياً، فإن تكلفة الاقتراض ستزيد، وهو ما سيؤدي إلى تراكم الديون وزيادة أعباء خدمة الدين.

وفيما يتعلق بالتجارة الخارجية، لفتت العشري إلى أن الولايات المتحدة تعد الشريك التجاري الأكبر لإسرائيل، وأن أي تغييرات في السياسة التجارية الأمريكية، مثل فرض رسوم جمركية جديدة، قد يُلحق أضراراً جسيمة بالاقتصاد الإسرائيلي، خاصة أن ثلثي الصادرات الإسرائيلية إلى الولايات المتحدة تتركز في قطاع الخدمات، وتحديداً تكنولوجيا المعلومات والاتصالات.

وأضافت: “إذا قررت الولايات المتحدة فرض رسوم على الواردات الإسرائيلية، فإن ذلك سيؤدي إلى تراجع الصادرات وزيادة عجز الميزان التجاري، وفي ظل اعتماد إسرائيل على التمويل الأمريكي لدعم قطاع التكنولوجيا الفائقة، فإن انخفاض ثقة المستثمرين في السوق الإسرائيلية سيؤدي إلى تراجع الاستثمارات الأجنبية المباشرة”.

وفي السياق ذاته، حذّرت العشري من أن دخول إسرائيل في جبهات عسكرية جديدة قد يزيد من تدهور الوضع الاقتصادي، وأوضحت: “إذا توسعت العمليات العسكرية لتشمل جبهات أخرى مثل لبنان أو سوريا، فإن ذلك سيزيد من تكلفة العمليات العسكرية، وسيؤدي إلى تعطيل حركة التجارة والاستثمار، مما يزيد من الضغوط على الاقتصاد”.

تداعيات التصعيد العسكري

فيما يتعلق بتداعيات التصعيد العسكري على النشاط الاقتصادي المحلي، أكدت العشري أن القطاعات الاقتصادية التي تعتمد على الاستقرار الأمني، مثل السياحة والعقارات والتجزئة، ستكون الأكثر تضرراً، وأضافت: “إسرائيل تشهد حالياً نزوحاً للسكان من بعض المناطق الحدودية، وهو ما سيؤدي إلى تباطؤ النشاط التجاري وتعطيل حركة الأعمال، خاصة في المناطق القريبة من غزة”.

وأشارت العشري إلى أن الأوضاع الراهنة قد تدفع الحكومة إلى اللجوء إلى إجراءات تقشفية لتقليل العجز المالي، وقالت: “الحكومة الإسرائيلية قد تلجأ إلى خفض الإنفاق على بعض القطاعات، أو فرض ضرائب جديدة على الأفراد والشركات لتعويض الخسائر الناجمة عن العمليات العسكرية، مما قد يؤثر سلباً على النمو الاقتصادي”.

وأضافت: “إذا استمرت العمليات العسكرية لفترة طويلة، فإن احتمال خفض التصنيف الائتماني لإسرائيل سيكون وارداً، خاصة إذا استمرت معدلات العجز في الارتفاع، وزادت مستويات الدين العام“.

وفي ختام تصريحاتها، أشارت العشري إلى أن الحل الوحيد لتجنب هذا السيناريو هو التوصل إلى تهدئة عسكرية سريعة، وتركيز الحكومة على إعادة هيكلة الاقتصاد وتحفيز النمو في القطاعات الإنتاجية غير المرتبطة بالإنفاق العسكري.

اقرأ أيضًا: اقتصاد إسرائيل يعاني بسبب الحروب

تابعنا على صفحتنا على فيسبوك

تابعنا أيضًا على صفحتنا على إنستغرام

أخبار ذات صلة