التضخم في مصر يضغط على الاقتصاد وينذر بركود وشيك
يشهد الاقتصاد المصري في الوقت الراهن مرحلة شديدة الحساسية نتيجة ارتفاع معدلات التضخم وتباطؤ الإنتاج وارتفاع أسعار الفائدة وتراجع القدرة الشرائية، ما ينذر بدخول البلاد في مرحلة ركود حاد ما لم يتم اتخاذ إجراءات عاجلة لإعادة التوازن بين السياسة النقدية والاستثمار والإنتاج الحقيقي.
وفي هذا السياق، أعلن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، عن ارتفاع الرقم القياسي العام لأسعار المستهلكين لإجمالي الجمهورية بنسبة 1.3% خلال شهر أكتوبر 2025، ليصل إلى 264.3 نقطة مقارنة بشهر سبتمبر من العام نفسه، مدفوعًا بارتفاع أسعار عدد من السلع والخدمات الأساسية، وفي مقدمتها الخضروات والألبان والملابس الجاهزة.
وأشار الجهاز إلى أن معدل التضخم في مصر على المستوى السنوي سجل 10.1% في أكتوبر 2025 مقابل 10.3% في سبتمبر 2025، ما يعكس استمرار الضغوط السعرية في السوق المحلية، وإن كانت بوتيرة أقل نسبيًا على أساس سنوي، لكنه يظل مؤشرًا على حالة التضخم الممتدة التي تضعف القوة الشرائية للمواطنين وتؤثر على الاستقرار الاقتصادي العام.
أزمة التمويل وارتفاع الطاقة تهدد الإنتاج
قال الدكتور رمزي الجرم، الخبير الاقتصادي، إنَّ المشهد الاقتصادي بدأ يقترب فعليًا من مرحلة ركود حاد تتضح ملامحه من خلال مجموعة من المؤشرات الاقتصادية المترابطة، في مقدمتها ارتفاع تكلفة المنتجات البترولية التي انعكست بشكل مباشر على نفقات الإنتاج والاستثمار في مختلف القطاعات.
وأوضح الجرم أن الأسعار المرتفعة للطاقة شكّلت عبئًا كبيرًا على القطاع الصناعي، حيث أدت إلى زيادة تكلفة التشغيل والإنتاج، في وقت تشهد فيه الأسواق أسعار فائدة مرتفعة وغير ملائمة للأنشطة الاقتصادية، ما تسبب في ارتفاع كلفة الاقتراض وصعوبة الحصول على تمويل منخفض التكلفة يمكن أن يُعيد تنشيط الاستثمار أو يُحفّز دورة الإنتاج.
وأضاف الخبير الاقتصادي أنَّ غياب التمويل الميسر جعل العديد من المشروعات والكيانات الاقتصادية غير قادرة على التوسع أو زيادة الإنتاج بما يتناسب مع الطلب المحلي المتنامي، مما خلق فجوة بين مستويات العرض والطلب، وأدى بالتبعية إلى تراجع قدرة السوق على امتصاص الضغوط التضخمية.
التضخم في مصر وتآكل القدرة الشرائية للمواطنين
أشار الجرم إلى أنَّ هذا الوضع يتزامن مع انكماش القدرة الشرائية للمواطنين، وبشكل خاص الطبقة المتوسطة التي تمثل –بحسب وصفه– العمود الفقري للاستهلاك المحلي؛ فهذه الشريحة تتميز بارتفاع الميل الحدي للاستهلاك، أي أن جزءًا كبيرًا من دخلها يُوجَّه للإنفاق على السلع والخدمات، وهو ما يُعتبر محركًا أساسيًا للطلب الكلي ومن ثم للإنتاج والنمو.
وبيّن الخبير أن تراجع القوة الشرائية لتلك الطبقة يعني بالضرورة انخفاض الطلب الفعّال في الاقتصاد، ما يُضعف معدلات التشغيل ويضغط على أرباح الشركات، ويؤدي في النهاية إلى دوامة من التباطؤ الاقتصادي قد تتحول إلى ركود شامل إذا لم تُتخذ إجراءات تصحيحية عاجلة.
وأكَّد أنَّ الوضع الراهن يستدعي سياسات نقدية ومالية متوازنة تعمل على خفض تكلفة الائتمان وتشجيع الاستثمار الإنتاجي الحقيقي، مع ضرورة ضبط أسعار الطاقة ودعم الفئات الأكثر تضررًا، حتى يمكن إعادة تحريك عجلة الاقتصاد وخلق حالة من التوازن بين الإنتاج والاستهلاك.
المشروعات الصغيرة والمتوسّطة
شدَّد الدكتور رمزي الجرم على أنَّ استمرار السياسة النقدية المتشددة وارتفاع أسعار الفائدة لفترة طويلة سيؤدي إلى إضعاف الاستثمارات الخاصة، ويقلل من جاذبية التمويل للمشروعات الصغيرة والمتوسطة، وهو ما يُعد خطرًا مباشرًا على الاقتصاد الحقيقي الذي يعتمد على التشغيل والإنتاج وليس على الأدوات المالية قصيرة الأجل.
وختم الخبير الاقتصادي تصريحاته بالتأكيد على أن مفتاح تجاوز هذا الوضع يكمن في تحفيز النمو الإنتاجي، ودعم القطاع الصناعي والزراعي باعتبارهما الأساس في مواجهة التضخم وتوفير فرص العمل، مضيفًا أن أي خطة اقتصادية ناجحة يجب أن توازن بين السيطرة على الأسعار وتحفيز الطلب المحلي، لأن الاقتصاد لا يمكن أن يتعافى في ظل تراجع القوة الشرائية للمواطن وانكماش الاستثمار في آنٍ واحد.
تعرّف أيضًا إلى أسباب تأخر الطروحات الحكومية المصرية
تأثير التعويم المتتالي للجنيه على الاقتصاد
من جانبه، قال الدكتور ياسر حسين، الخبير الاقتصادي، إن خمسة تعويمات متتالية للجنيه المصري خلال السنوات الأخيرة كانت بمثابة زلزال اقتصادي ضرب رؤوس الأموال في السوق المحلي، وأدت إلى انكماش حاد في القيمة الحقيقية لرؤوس الأموال لدى المستثمرين وأصحاب المشروعات الصغيرة والمتوسطة.
وأوضح حسين أن هذه التعويمات المتكررة لم تترك مجالًا للاستقرار، إذ “سحقت رؤوس الأموال” فعليًا -على حد قوله- نتيجة التراجع المستمر في قيمة العملة المحلية أمام الدولار، مشيرًا إلى أن رأس المال الذي كان قبل التعويم الأول يستطيع شراء 1000 وحدة من السلعة المستوردة، أصبح اليوم لا يستطيع سوى شراء 200 وحدة فقط بالقيمة نفسها، ما يعني أن القدرة الشرائية لرؤوس الأموال انخفضت إلى الخُمس.
وأضاف الخبير الاقتصادي أن هذا الانكماش العنيف في القيمة الحقيقية للأموال لم يكن ناتجًا فقط عن انخفاض سعر الصرف، بل أيضًا عن ارتفاع تكلفة الاستيراد بشكل غير مسبوق، إذ إنَّ السلعة التي كان سعرها في السوق العالمية 20 سنتًا أصبحت تُشترى اليوم بدولار كامل بعد احتساب تكلفة الاستيراد والشحن والرسوم الجمركية وسعر الدولار في السوق المحلي.
وأشار حسين إلى أن هذه الأزمة أدت إلى تآكل رؤوس أموال التجار والمستوردين والمصنّعين، وأضعفت قدرتهم على التوسع أو حتى الحفاظ على نشاطهم الحالي، مضيفًا أن الأسواق تعيش حاليًا حالة من الجمود شبه الكامل في حركة الاستثمار، نتيجة غياب الرؤية الواضحة بشأن استقرار سعر الصرف والسياسات النقدية والمالية.
الاقتصاد المصري في دائرة تضخمية مغلقة
أكَّد الدكتور ياسر حسين أن المشكلة الكبرى تكمن في أن الخطاب الاقتصادي السائد في بعض الدوائر الشعبية والإعلامية لا يُدرك طبيعة الأزمة الحقيقية، إذ تُختزل أسباب ارتفاع الأسعار في جشع التجار والمصنّعين، بينما الواقع مختلف تمامًا -بحسب وصفه- لأن الزيادة في الأسعار مرتبطة بعوامل موضوعية، أبرزها ارتفاع كلفة الإنتاج والتمويل والاستيراد، وليس فقط بهوامش ربح التجار.
وأوضح الخبير الاقتصادي أن استمرار هذا النهج في تفسير الأزمة بشكل سطحي يؤدي إلى إرباك الوعي العام، ويصرف الانتباه عن الأسباب الهيكلية الحقيقية للأزمة، مثل ضعف العملة المحلية، وارتفاع أسعار الفائدة، وغياب الحوافز الاستثمارية، وارتفاع الضرائب والرسوم.
وتابع حسين: “التعويمات المتتالية لم تكن مصحوبة بسياسات إنتاجية أو إصلاحات هيكلية تعزز من قدرة الاقتصاد على امتصاص الصدمات”، موضحًا أن كل تعويم جديد كان يرفع التكاليف دون أن يُنتج زيادة مقابلة في الإنتاج المحلي، وهو ما جعل الاقتصاد المصري يعيش في دائرة تضخمية مغلقة، تتزايد فيها الأسعار دون نمو حقيقي.
وأشار إلى أن آثار هذه السياسة انعكست أيضًا على قطاع الصناعة المحلي، الذي فقد قدرته على المنافسة أمام السلع المستوردة، بسبب ارتفاع تكلفة المواد الخام والطاقة والنقل، بالإضافة إلى تعقيدات الحصول على التمويل، ما جعل العديد من المصانع تعمل بأقل من نصف طاقتها الإنتاجية.
وأكد الدكتور ياسر حسين أن القطاع التجاري أيضًا يعاني من أزمة سيولة حادة، حيث تقلصت القدرة الشرائية للمستهلكين بشكل كبير نتيجة التضخم، وهو ما أدى إلى تراجع الطلب المحلي وتباطؤ حركة البيع والشراء، لافتًا إلى أن هذه الحالة خلقت بيئة خانقة للمستثمرين الجدد وأحبطت التوسع في المشروعات القائمة.
كما أشار إلى أن القطاع المصرفي أصبح يُركّز على أدوات الدين قصيرة الأجل بدلاً من تمويل الأنشطة الإنتاجية طويلة الأجل، بسبب ارتفاع أسعار الفائدة وضعف الجدوى الاقتصادية للمشروعات الصغيرة والمتوسطة، وهو ما زاد من عمق الأزمة وأضعف قاعدة الإنتاج الوطني.
إصلاحات حقيقية لحل أزمة التضخم في مصر
شدَّد حسين على أن الحل لا يكمن في إجراءات نقدية معزولة أو قرارات آنية، بل في تبنّي إصلاح اقتصادي حقيقي يوازن بين استقرار العملة وتحفيز النمو الإنتاجي، مع إعادة النظر في أولويات السياسة الاقتصادية، بحيث تُوجّه الموارد إلى دعم الإنتاج المحلي وتخفيف الأعباء الضريبية والتمويلية عن القطاع الصناعي والتجاري.
وختم الدكتور ياسر حسين تصريحاته قائلاً إن الاقتصاد لا يُدار بالشعارات أو بإلقاء اللوم على التجار والمصنعين، بل بالسياسات الرشيدة القائمة على الفهم الواقعي لآليات السوق، مشددًا على أن استعادة الثقة في الاقتصاد المصري تبدأ من استقرار العملة، وتخفيض تكاليف الإنتاج، وتوسيع قاعدة الاستثمار، فمن دون ذلك ستظل رؤوس الأموال منكمشة ومحبوسة في دائرة الخوف، بينما تفقد السوق يومًا بعد يوم قدرتها على النمو والتوسع.
اقرأ أيضًا: مصر تدخل عصر الصكوك السيادية المحلية
