التمويل الاستهلاكي في مصر ومخاوف فقاعة الديون
شهد قطاع التمويل الاستهلاكي في مصر خلال عام 2025 موجة توسّع غير مسبوقة، جعلته واحدًا من أسرع القطاعات نموًا داخل المنظومة المالية غير المصرفية، في وقت تتزايد فيه الضغوط التضخمية وارتفاع تكلفة المعيشة وتراجع القوة الشرائية للأسر.
ووفقًا لتقديرات الخبراء، هذا التحول الكبير في سلوك المستهلكين لم يعد مجرد ارتفاع طبيعي في الطلب، بل أصبح ظاهرة اقتصادية واسعة تستحق التقييم والدراسة، بالنظر إلى آثارها المتشابكة على الاقتصاد، واستقرار السوق، وقدرة الأسر على التكيف مع ارتفاع الأسعار.
ارتفاع حجم التمويل الاستهلاكي في مصر
أوضح الدكتور أحمد شوقي، الخبير الاقتصادي، أنَّ التمويل الاستهلاكي شهد قفزة قوية خلال الأشهر السبعة الأولى من عام 2025، حيث ارتفع حجم التمويلات إلى 47.419 مليار جنيه مقارنة بـ 29.339 مليار جنيه خلال الفترة نفسها من عام 2024، بنسبة نمو تجاوزت 61.6%، وهو معدل استثنائي يعكس الاعتماد المتزايد للأسر على أدوات الائتمان لتغطية احتياجاتها.
وأشار إلى أن عدد العملاء المستفيدين ارتفع بشكل غير مسبوق من 2.127 مليون عميل إلى 5.869 مليون عميل خلال الفترة نفسها، ما يعني دخول شرائح اجتماعية واسعة إلى منظومة التمويل، بما يعزز الشمول المالي من دون أن يخلو الأمر من مخاطر متعلقة بقدرة هذه الشرائح على السداد.
وأضاف أن شهر يوليو وحده سجّل طفرة لافتة، إذ ارتفعت قيمة التمويلات إلى 9.262 مليار جنيه مقابل 5.126 مليار جنيه خلال يوليو 2024، بنسبة نمو قاربت 80.7%. ويرى الدكتور شوقي أن هذه الزيادة لم تكن مجرد تحسن عابر، بل استمرارًا لاتجاه تصاعدي مستمر منذ بداية العام، إذ بلغ حجم التمويلات في النصف الأول من 2025 نحو 38.11 مليار جنيه مقارنة بـ 24.19 مليار جنيه في النصف الأول من 2024، بنسبة نمو تجاوزت 57.5%، بينما ارتفع عدد العملاء خلال الفترة نفسها من 1.768 مليون إلى 4.816 مليون عميل، بزيادة قياسية بلغت 165.7%.
أهمية التمويل الاستهلاكي في مصر
أكَّد شوقي أنَّ هذه القفزة تحمل جانبًا إيجابيًا مهمًا للاقتصاد، إذ أدَّت إلى تعزيز الطلب المحلي على السلع الاستهلاكية المعمرة وغير المعمرة، مثل الأجهزة المنزلية والسيارات المستعملة والإلكترونيات والأثاث، وقد دعم هذا الطلب المتزايد نشاط القطاع الصناعي والتجاري، ورفع حجم المبيعات، وزاد من حركة التداول في الأسواق، وساعد الشركات الصغيرة والمتوسطة على استعادة جزء من نشاطها بعد فترة من التباطؤ، كما استفادت شركات التمويل نفسها من هذا النمو من خلال زيادة الإيرادات والعوائد الناتجة عن الأقساط، ما أدى إلى توسع أصولها وتحسين قدرتها التشغيلية.
وأوضح أن التمويل الاستهلاكي لعب دورًا مباشرًا في رفع مستويات الشمول المالي، إذ أدى تسجيل بيانات العملاء داخل المنظومة إلى إدخال شرائح جديدة إلى الاقتصاد الرسمي، وتعزيز قاعدة البيانات الائتمانية، وهو ما يُعد مكسبًا مهمًا لمنظومة التمويل المصرية، خاصة في ظل توجه الدولة إلى توسيع رقعة التعاملات المالية الرسمية.
اقرأ أيضًا: هل يقود إعفاء السلع المصرية من الجمارك طفرة في الصادرات إلى الصين؟
أسباب التوسع في التمويل الاستهلاكي
أشار الدكتور شوقي إلى أن التحول الرقمي ساهم بدور مهم في تسريع معدلات النمو، حيث أصبحت إجراءات الحصول على التمويل أبسط وأسرع عبر المنصات الإلكترونية، مع إمكانية رفع المستندات والتحقق من بيانات العملاء رقميًا وإصدار الموافقات خلال فترات زمنية قصيرة، مما شجع ملايين المستهلكين على اللجوء إلى هذه الخدمات، كما أن دخول شركات جديدة للقطاع—خاصة شركات التمويل غير المصرفية—وزيادة تنافسية السوق ساعدا في توسيع قاعدة المستفيدين.
وتابع موضحًا أن ارتفاع أسعار السلع والخدمات خلال العامين الأخيرين لعب دورًا حاسمًا في الاتجاه نحو التمويل الاستهلاكي، حيث أصبحت القدرة الشرائية غير كافية لتغطية نفقات شراء كثير من السلع الأساسية، وليس فقط الكماليات. وقد تحوّلت خدمات التقسيط، وبطاقات الائتمان، ومنتجات “اشتر الآن وادفع لاحقًا”، إلى خيار شبه إلزامي أمام كثير من الأسر، خاصة في شراء الإلكترونيات والهواتف المحمولة والأجهزة المنزلية، وأحيانًا حتى السلع الضرورية.
مخاطر التوسع السريع في التمويل الاستهلاكي
رغم الإيجابيات، شدد الدكتور أحمد شوقي على ضرورة إدراك المخاطر الكامنة وراء هذا التوسع الكبير، إذ إن النمو السريع في التمويل قد يؤدي إلى ارتفاع مستوى الديون على الأفراد، وقد يجد بعض المستهلكين أنفسهم غير قادرين على السداد في ظل ارتفاع تكلفة المعيشة وتزايد الأعباء الشهرية، موضحًا أن التمويلات قصيرة ومتوسطة الأجل بأسعار فائدة مرتفعة قد تتحول من وسيلة لتسهيل الحياة إلى عبء مالي كبير، خاصة لدى الشرائح الأقل دخلًا التي تعتمد على التمويل لتغطية احتياجات ضرورية وليس لشراء كماليات.
وأشار إلى أن زيادة قاعدة العملاء بشكل ضخم خلال فترة قصيرة ترفع من احتمالات التعثر، خصوصًا إذا تراجعت الأوضاع الاقتصادية، أو ارتفعت أسعار الفائدة، أو حدثت صدمات اقتصادية مفاجئة. كما أن الاعتماد المفرط على التمويل لشراء السلع قد يخلق ثقافة استهلاك قائمة على الدين، وهو نمط غير مستدام على المدى الطويل، وقد يعرض الأسر لمخاطر مالية كبيرة.
وأكد أيضًا أن التوسع المتزايد في التمويل الاستهلاكي يمكن أن يساهم في رفع معدلات التضخم، نتيجة بقاء الطلب عند مستويات مرتفعة رغم محدودية المعروض أو ارتفاع تكلفة الاستيراد، مما يؤدي تلقائيًا إلى زيادة الأسعار، وفي بيئة تضخمية مرتفعة، قد تصبح الأقساط عبئًا إضافيًا على الأسر التي تعاني أساسًا من تآكل الدخل.
وحذّر من أن هذا النمو قد يشكل تحديًا للاستقرار المالي إذا لم يتم التحكم فيه من خلال سياسات تنظيمية واضحة، إذ قد تواجه شركات التمويل مخاطر سيولة أو زيادة في نسبة القروض المتعثرة إذا لم تُدار محافظ القروض بكفاءة، وأشار إلى أن جزءًا كبيرًا من هذه التمويلات يذهب إلى شراء سلع استهلاكية لا تولد عوائد اقتصادية مباشرة، ما يزيد من مخاطر عدم القدرة على السداد في المستقبل.
اقرأ أيضًا: القروض الشخصية في مصر
هل ينجح التمويل الاستهلاكي في دعم الاقتصاد المصري؟
خلال تصريحاته، أكد الدكتور أحمد شوقي أن التمويل الاستهلاكي يمثل ركيزة مهمة لدعم الاقتصاد المصري في فترة تتسم بارتفاع التضخم وارتفاع أسعار السلع، لكنه يحتاج إلى توازن دقيق بين التوسع في منح التمويلات ودعم الطلب من جهة، وبين حماية الأسر ومنع تراكم الديون غير المستدامة من جهة أخرى.
وطالب الخبير، بتعزيز الثقافة المالية لدى المستهلكين حتى يكونوا أكثر وعيًا بمخاطر الاقتراض، ودعا الجهات التنظيمية مثل هيئة الرقابة المالية والبنك المركزي إلى مراقبة جودة محافظ القروض وضبط قواعد منح التمويل وتحديد مستويات واضحة للفائدة والرسوم لضمان الشفافية.
وأشار إلى أن مستقبل التمويل الاستهلاكي في مصر سيعتمد على قدرة السوق على تحقيق هذا التوازن، وعلى مدى نجاح الشركات في تبني إدارة مخاطر فعالة، مؤكدًا أن القطاع يمكن أن يصبح قوة داعمة للنمو الاقتصادي إذا تمت إدارته بشكل رشيد، لكنه قد يتحول إلى مصدر ضغوط مالية إذا استمر التوسع بشكل غير منضبط. واختتم بقوله إن السنوات المقبلة ستكون حاسمة في تحديد ما إذا كانت هذه القفزة ستظل دعمًا للاقتصاد أم ستتحول إلى تحدٍ يتطلب تدخلًا واسع النطاق.
اقرأ أيضًا: القطاع المصرفي المصري يتجه نحو التمويل غير المصرفي