التمويل الخارجي لمصر.. ماذا يعني العودة لسندات الساموراي؟
تستعد مصر لاستكمال إجراءاتها النهائية لإصدار أول سندات ساموراي مقومة بالين الياباني منذ ثلاث سنوات، في خطوة تعكس توجه الدولة نحو تنويع مصادر التمويل الخارجية والانفتاح على أسواق المال الآسيوية، وذلك وفق ما أكده وزير الخارجية والهجرة والتعاون الدولي الدكتور بدر عبد العاطي خلال زيارته الحالية إلى اليابان.
وأوضح عبد العاطي أن الحكومة المصرية باتت في المراحل الأخيرة من التجهيز لطرح سندات الساموراي الجديدة في السوق اليابانية، مشيراً إلى أن هذه الخطوة تأتي ضمن جهود الدولة لتعزيز قدرتها على النفاذ إلى أسواق التمويل الدولية بشروط متنوعة وتكاليف تنافسية، فضلاً عن توسيع قاعدة المستثمرين الأجانب في أدوات الدين المصرية.
وأضاف الوزير أن البنك الأفريقي للتنمية كان قد أعلن في ديسمبر الماضي عزمه تقديم ضمان جزئي لإصدار سندات الساموراي المصرية المرتقبة، بقيمة تعادل 500 مليون دولار، ما يمنح الإصدار زخماً إضافياً ويعزز من جاذبيته لدى المستثمرين اليابانيين والمؤسسات المالية الدولية.
الهدف من إصدار سندات الساموراي
أكد عبد العاطي أن الحكومة تعمل حالياً على استكمال الخطوات الفنية والإجرائية الأخيرة الخاصة بالإصدار، لافتاً إلى أن زيارته إلى اليابان تتضمن الترويج لسندات الساموراي الجديدة، إلى جانب استعراض الفرص الاستثمارية المتاحة في السوق المصرية أمام مجتمع الأعمال والمؤسسات المالية اليابانية.
وتعتبر سندات الساموراي من أدوات التمويل المقومة بالين الياباني التي تصدرها حكومات أو شركات أجنبية داخل السوق اليابانية، وتحديداً في بورصة طوكيو، بهدف جذب التمويل من المستثمرين اليابانيين. وكانت مصر قد دخلت هذا السوق للمرة الأولى في مارس 2022 عندما أصدرت أول سندات ساموراي في تاريخها بقيمة 500 مليون دولار، ثم عادت في نوفمبر 2023 لإصدار جديد بالقيمة نفسها، في إطار استراتيجية تستهدف تنويع أدوات وأسواق التمويل الخارجي.
وأشار وزير الخارجية إلى أن المباحثات التي أجراها مع المسؤولين اليابانيين تناولت بصورة موسعة ملفات التعاون المالي والنقدي بين البلدين، بما في ذلك سبل دعم الموازنة العامة المصرية وتعزيز التعاون في مجال سندات الساموراي، مؤكدا أن الجانب الياباني يمثل شريكًا مهمًا لمصر في العديد من الملفات الاقتصادية والتنموية.
لماذا جاء الإصدار في هذا الوقت بالذات؟
قال عبد العاطي إن هذه الخطوة تكتسب أهمية خاصة في ظل التحديات الاقتصادية التي تواجهها المنطقة والعالم، موضحاً أن مصر تأثرت بشكل كبير بالتداعيات الاقتصادية الناجمة عن الحروب والتوترات الإقليمية، وهو ما يجعل تنويع مصادر التمويل وتعزيز التعاون مع الشركاء الدوليين أمراً بالغ الأهمية لدعم الاستقرار الاقتصادي.
وتأتي خطط إصدار سندات الساموراي الجديدة في وقت تواصل فيه مصر الاعتماد على أدوات تمويل متنوعة لتلبية احتياجاتها التمويلية. فخلال الفترة من 26 مارس وحتى 7 أبريل الماضي، نجحت الحكومة في الحصول على نحو مليار دولار من الأسواق الدولية عبر إعادة فتح عدد من السندات الدولارية القائمة، وفق إفصاح منشور في بورصة لندن.
كما تمكنت مصر في مطلع العام الماضي من العودة إلى سوق السندات الدولية الدولارية لأول مرة منذ أربع سنوات، حيث جمعت نحو ملياري دولار من خلال إصدار شريحتين من السندات بآجال استحقاق بلغت 5 و8 سنوات، وشهد الطرح آنذاك إقبالاً قوياً من المستثمرين الدوليين، إذ تجاوزت طلبات الاكتتاب نحو خمسة أضعاف قيمة الإصدار، في إشارة إلى استمرار اهتمام المستثمرين العالميين بالأدوات المالية المصرية رغم التحديات الاقتصادية العالمية والإقليمية.
قد يهمّك أيضًا: الدعم النقدي في مصر.. كيف تقسم الشرائح وموعد التطبيق
تنويع أدوات وأسواق الاقتراض الخارجي
أكد محمد عطا، خبير أسواق المال، أن اتجاه مصر لإصدار سندات الساموراي المقومة بالين الياباني يمثل خطوة استراتيجية مهمة ضمن جهود الدولة لتنويع مصادر التمويل الخارجي وتقليل الاعتماد التقليدي على الدولار الأمريكي، مشيرًا إلى أن هذه الخطوة تعكس توجهاً واضحاً من الحكومة المصرية نحو فتح قنوات تمويل جديدة والتوسع في الوصول إلى أسواق استثمارية غير تقليدية.
وأوضح عطا أن مصر تسعى خلال المرحلة الحالية إلى تنويع أدوات وأسواق الاقتراض الخارجي، خاصة في ظل التحديات التي فرضتها التقلبات الاقتصادية العالمية والتوترات الجيوسياسية خلال السنوات الماضية، والتي أظهرت أهمية عدم الاعتماد على مصدر واحد للتمويل أو عملة واحدة في إدارة الاحتياجات التمويلية للدولة. وأضاف أن التحرك نحو السوق اليابانية يأتي في إطار سياسة تستهدف تقليل تأثير هيمنة الدولار على عمليات التمويل الخارجي، وهو ما يمنح الاقتصاد المصري مرونة أكبر في مواجهة الصدمات الخارجية وتقلبات أسواق المال العالمية.
وأشار خبير أسواق المال إلى أن تجربة سندات الساموراي ليست جديدة على مصر، حيث سبق للحكومة أن طرحت هذا النوع من السندات خلال عامي 2022 و2023، إلا أن العودة مجدداً إلى السوق اليابانية تؤكد نجاح التجربة السابقة وقدرة مصر على بناء علاقات تمويلية مستدامة مع المستثمرين اليابانيين والمؤسسات المالية الآسيوية، وأوضح أن الإصدار الجديد، الذي تقدر قيمته بنحو 500 مليون دولار، يمثل استكمالاً لاستراتيجية تنويع مصادر التمويل التي تتبناها الدولة خلال السنوات الأخيرة.
وأضاف عطا أن أحد أهم المكاسب التي تحققها سندات الساموراي يتمثل في مخاطبة شريحة جديدة من المستثمرين الدوليين، لافتًا إلى أن المستثمر الياباني يتمتع بخصائص مختلفة عن المستثمرين في الأسواق التقليدية، حيث يركز بصورة كبيرة على استقرار المؤشرات الاقتصادية وقوة الأساسيات الاقتصادية للدول المصدرة للسندات. ومن ثم فإن نجاح مصر في التواجد داخل هذا السوق يعكس مستوى متقدماً من الثقة في الاقتصاد المصري وقدرته على الوفاء بالتزاماته المالية.
وأكد أن الضمان الجزئي الذي يقدمه البنك الأفريقي للتنمية للإصدار الجديد يمثل عنصر قوة إضافياً يعزز من جاذبية السندات المصرية لدى المستثمرين اليابانيين، ويساهم في تحسين شروط الطرح وخفض المخاطر المرتبطة بالاستثمار، وهو ما ينعكس إيجاباً على تكلفة التمويل التي تتحملها الدولة المصرية.
اقرأ أيضًا: هل ينجح النمو الاقتصادي بمصر في استيعاب مستحقات صندوق النقد؟
المزايا الاقتصادية لسندات الساموراي
أوضح عطا أن من أبرز المزايا الاقتصادية لسندات الساموراي انخفاض أسعار الفائدة في السوق اليابانية مقارنة بالعديد من الأسواق الأخرى، الأمر الذي يمنح مصر فرصة للحصول على تمويل بتكلفة أقل نسبياً. وأضاف أن ارتفاع تكلفة خدمة الدين خلال السنوات الماضية فرض ضغوطاً كبيرة على الموازنة العامة للدولة، وبالتالي فإن التوسع في أدوات التمويل منخفضة التكلفة يمثل توجهاً إيجابياً يساعد على تخفيف الأعباء المالية مستقبلاً.
وأشار إلى أن أهمية الإصدار لا تقتصر فقط على توفير السيولة المالية، بل تمتد أيضاً إلى تعزيز صورة الاقتصاد المصري أمام المستثمرين العالميين، حيث يبعث برسالة إيجابية مفادها أن مصر قادرة على الوصول إلى أسواق تمويل متنوعة وجذب شرائح جديدة من المستثمرين في مختلف أنحاء العالم، وهو ما يدعم خطط الدولة لجذب الاستثمارات الأجنبية وتنويع مصادر النقد الأجنبي.
واختتم محمد عطا تصريحاته بالتأكيد على أن التوجه نحو إصدار سندات الساموراي يعكس رؤية مالية أكثر تنوعاً ومرونة، تقوم على توسيع قاعدة المستثمرين الدوليين، والحد من الاعتماد المفرط على الدولار، والاستفادة من المزايا التمويلية التي توفرها الأسواق الآسيوية، بما يسهم في دعم استقرار الاقتصاد المصري وتعزيز قدرته على تلبية احتياجاته التمويلية خلال المرحلة المقبلة.
إقرأ أيضًا: موديز تثبت تصنيف مصر عند Caa1 وتحذر من تحديات الديون والسيولة