التوترات الاقتصادية بين واشنطن وبكين: تحليل عميق للتداعيات
تصاعدت التوترات الاقتصادية بين واشنطن وبكين في ظل السياسات الأمريكية الجديدة الرامية إلى تقييد الاستثمارات في الصين، وقد أثارت هذه الخطوات، التي تبررها واشنطن بأنّها ضرورية لحماية الأمن القومي، مخاوف من تأثيرها السلبي على استقرار الاقتصاد العالمي وسلاسل التوريد الدولية.
وفي المقابل، تتخذ الصين تدابير لمواجهة هذه التحديات، وذلك من خلال إصدار تحذيرات من تداعيات هذه السياسات على الصناعة العالمية، وبذل الجهود للحفاظ على استقرار أسواقها المالية وسط هذا المشهد المضطرب.
التوترات الاقتصادية بين واشنطن وبكين
صرَّحت الدكتورة مروى خضر، الخبيرة الاقتصادية، بأن التوترات الاقتصادية بين الولايات المتحدة والصين وصلت إلى مرحلة قد تُلقي بظلالها السلبية على الاقتصاد العالمي بأسره، وقد جاء ذلك تعليقًا على مشروع القانون الذي يدرسه الكونغرس الأمريكي، والذي يهدف إلى تقييد الاستثمارات الأمريكية في الصين كجزء من تمويل العمليات الحكومية حتى مارس المقبل.
وقالت: “التعاون الاقتصادي بين الولايات المتحدة والصين من ركائز الاستقرار في الاقتصاد العالمي، وأيّ محاولات لتقييد الاستثمارات ستؤدي إلى زعزعة الصناعة العالمية وسلاسل التوريد، مما يسبب الضرر بمصالح كلا البلدين وشركائهما التجاريين”.
وأكَّدت أن مثل هذه السياسات تعكس تصاعد التوترات التجارية والجيوسياسية، وهو ما قد يُحدث خللاً في ميزان القوة الاقتصادية، قائلة: “أمريكا تسعى عبر هذا التشريع إلى حماية تقنياتها الحساسة، لكن هذه الإجراءات قد يتم ترجمتها إلى خسائر اقتصادية على المدى الطويل، خاصةً في ظل الترابط الوثيق بين الاقتصادين”.
اقرأ أيضًا: الاقتصاد العالمي في 2025..أزمات بالجملة
تحذيرات من الصين ومخاوف محلية
أوضحت خضر في تصريحات خاصة لموقع “Econ-Pedia” أنَّ الصين لا تنظر إلى هذه التحركات بمعزل عن تأثيرها على الداخل الصيني، وقالت إنّ “إصرار بكين على تعزيز سياساتها الاقتصادية يعكس إدراكها للتحديات، حيث حذر البنك المركزي الصيني من سوء السلوك في سوق السندات، ما يؤكد التزام الحكومة الصينية بمراقبة استقرار أسواقها المالية”.
وأشارت إلى أنَّ التحذيرات الصادرة عن البنك المركزي الصيني بشأن تداولات السندات العدوانية تظهر قلق السلطات الصينية من التأثير السلبي للمضاربات على العوائد. وأضافت: “هذا القلق له ما يبرره، خاصةً أنَّ الأسواق الصينية شهدت مؤخراً انخفاضاً كبيراً في عوائد السندات، مما يعكس توقعات بعدم انتعاش الاقتصاد المحلي قبل 2025”.
تأثير على الأسواق والعملات
أوضحت الخبيرة الاقتصادية أنَّ أسواق الأسهم الصينية وهونغ كونغ استطاعت تحقيق بعض المكاسب رغم هذه التوترات، مشيرةً إلى “ارتفاع مؤشر شنغهاي المركب بنسبة 0.62%، ومؤشر هانغ سنغ بنسبة 0.82%، مما يعكس تحركات إيجابية مدفوعة بتقارير عن خطط صينية لزيادة عجز الموازنة ودعوة الشركات المملوكة للدولة لتعزيز قيمتها السوقية.”
أما عن العملة الصينية، فقد أكدت خضر أنّ اليوان الصيني يواجه ضغوطًا هبوطية نتيجة التوترات التجارية والفجوة المتزايدة في العوائد بين الصين والولايات المتحدة، لكنّ دعم البنوك الحكومية ساهم جزئيًا في تخفيف تلك الضغوط.
مستقبل الاقتصاد العالمي
بيّنت الخبيرة أنَّ التوترات الاقتصادية بين واشنطن وبكين ستظل قائمة خلال الفترة المقبلة، وهو ما يتطلب استراتيجيات دولية لضمان استقرار الأسواق؛ إذ إنّ العالم بحاجة إلى سياسات أكثر تعاوناً بين هاتين القوتين الاقتصاديتين، فأي تصعيد إضافي سيضر بالنمو العالمي ويزيد من حالة عدم اليقين الاقتصادي.
كما أشارت خضر إلى أهمية متابعة التطورات من كثب قائلة: “لا تزال الأسواق تترقب أيَّ إشارات تهدئة من الطرفين، لكن حتى الآن يبدو أن الأمور تتجه نحو مزيد من التصعيد”.
اقرأ أيضًا: نيوزيلندا تعيد صياغة “التأشيرة الذهبية” لاستقطاب النخبة
محاور الصراع الاقتصادي بين واشنطن وبكين
اتفقت الدكتورة شيماء وجيه، أستاذ الاقتصاد بالأكاديمية العربية للنقل البحري، مع خضر في أنّ “التوترات بين الولايات المتحدة والصين باتت تمثل خطراً حقيقياً على استقرار الاقتصاد العالمي، خاصة في ظل السياسات التي تتبناها واشنطن لتقييد النفوذ الاقتصادي الصيني عالمياً”.
الحرب التجارية
أوضحت وجيه في تصريحات خاصة لموقع “Econ-Pedia” أن “الحرب التجارية بين الولايات المتحدة والصين بدأت بفرض تعريفات جمركية متبادلة على السلع منذ عام 2018، مما أدى إلى انخفاض حاد في حجم التجارة بين البلدين، وعلى الرغم من التوصل إلى اتفاق “المرحلة الأولى” في 2020، إلا أن الخلافات الهيكلية بين الجانبين لا تزال قائمة”.
التكنولوجيا والتنافس الرقمي
أكدت وجيه أنَّ “التوجه الأمريكي لحظر شركات التكنولوجيا الصينية مثل هواوي وتيك توك، بحجة حماية الأمن القومي، يعكس مخاوف واشنطن من تقدم الصين التكنولوجي، وقد دفعت هذه السياسات بكين إلى تسريع جهودها لتطوير تكنولوجيا مستقلة، مما يهدد بتقسيم الاقتصاد العالمي إلى منظومتين تقنيتين مختلفتين”.
سلاسل الإمداد
أشارت وجيه إلى أنَّ “واشنطن تحاول إعادة تشكيل سلاسل الإمداد العالمية عبر تقليل اعتمادها على الموردين الصينيين ونقل خطوط الإنتاج إلى دول أخرى. هذا التحول يرفع تكاليف الإنتاج للشركات العالمية ويؤدي إلى اضطراب في أسواق الدول النامية التي تعتمد بشكل كبير على الشراكات مع الصين”.
التداعيات على الاقتصاد العالمي
بيّنت الدكتورة شيماء أنَّ “هذه السياسات تزيد من حالة عدم اليقين في الأسواق المالية العالمية، حيث تؤدي إلى اضطرابات في التجارة وتباطؤ النمو في أكبر اقتصادين في العالم، مما ينعكس سلباً على الدول الأخرى”.
تهديد النظام التجاري الدولي
“الصين ليست مجرد لاعب اقتصادي كبير؛ وإنّما محرك رئيس للتجارة الدولية، وأيّ تقييد لأنشطتها سيؤثر على التدفقات التجارية العالمية، خاصة في الدول النامية التي تعتمد على السوق الصينية لتصدير سلعها”، بحسب وجيه.
سباق التسلح الاقتصادي
أشارت الدكتورة شيماء إلى أنَّ “هذه السياسات تدفع الصين نحو تعزيز اعتمادها على الذات وبناء شراكات اقتصادية جديدة مع آسيا وأفريقيا، مما قد يؤدي إلى ظهور تكتلات اقتصادية متنافسة وزيادة حدة الانقسام العالمي”.
رؤية استراتيجية للتعاون
أكَّدت الدكتورة شيماء وجيه أنَّ “الحلول تكمن في الحوار والتعاون الدولي، وليس في التصعيد، وأنّ استمرار السياسات العدائية سيُفضي إلى أزمة طويلة الأمد تضرب الاقتصاد العالمي”. وأشارت إلى أنّه في حال لم تعِر القوى الكبرى أهميةً لإيجاد مسار مشترك للتعاون وتحقيق الاستقرار الاقتصادي، فإنّ التصعيد الحاصل قد يُقوّض منظومة الاقتصاد العالمي بأكملها.
وفي ختام تصريحاتها، دعت الدكتورة شيماء وجيه إلى ضرورة انتهاج سياسات أكثر حكمة وتوازناً لتجنب الدخول في دوامة من الأزمات التي ستؤثر على الجميع، بدءاً من اقتصادات الدول الكبرى وحتى الدول النامية.
قد يهمّك أيضًا: كيف تؤثر التسهيلات الضريبية في مصر على مجتمع الأعمال؟