الثمن الذي تدفعه إسرائيل مقابل حروبها المفتوحة

استنزفت الحروب متعددة الجبهات إسرائيل عسكريًا واقتصاديًا، كما أتّها ضغطت على علاقتها مع الولايات المتحدة، فعندما بدأ الهجوم الأمريكي الإسرائيلي على إيران، في 28 فبراير، ظهرت إسرائيل وكأنها القوة الإقليمية، وربما حتى القوة الكبرى التي قال رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو إنها أصبحت عليها.

لم تكن هناك أسباب كثيرة تدعو إلى الشك، على الأقل لدى الجانب الإسرائيلي، فعلى مدى العامين والنصف السابقين أظهرت إسرائيل نفسها على أنّها الجانب المنتصر على حماس وحزب الله وحتى إيران في حرب الـ12 يومًا، وهم ألدّ أعدائها.

كما أظهرت قوات الدفاع الإسرائيلية قدرتها على خوض حملات طويلة، وقدّمت قدرات تقنية مثل هجوم أجهزة الـ”Pager” ضد حزب الله، وامتدت هجماتها على مستوى المنطقة في ضربات طالت إيران والحوثيين في اليمن، ثم دخلت الحرب التي روّج لها نتنياهو باعتبارها “الحرب التي ستنهي كل الحروب”، أي الضربة النهائية لإزالة التهديدين النووي والصاروخي الباليستي الإيرانيين، وفق “foreignpolicy”.

أهداف حرب لم تتحقق

بعد 6 أسابيع من الحرب على إيران، ورغم التأثيرات الكبيرة التي طالت القدرات العسكرية الإيرانية، وتحوّل اقتصادها إلى حالة خراب، وتدمير بنى تحتية رئيسة، ومقتل جزء كبير من قيادتها السياسية والعسكرية، فإن الأهداف التي وضعها نتنياهو ودونالد ترامب عند إطلاق العملية لا تزال بعيدة عن التحقق.

ما زال النظام في إيران قائمًا، ولا يزال يمتلك يورانيوم مخصبًا، ويُقال إنه ما زال يحتفظ بمخزون كبير من الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة، والأخطر من ذلك كلّه أنّ إيران أظهرت قدرتها على إغلاق مضيق هرمز، وفي الوقت نفسه قدّم حزب الله مقاومة أفضل بكثير مما توقعت إسرائيل، كما أنّه لم يُظهر أي ميل إلى نزع السلاح.

هذا الواقع يطرح سؤالًا محوريًا: هل خرجت إسرائيل من الحرب أضعف أم أقوى مما كانت عليه؟ هذه مسألة مهمة، لأنّ نتنياهو -حتى وهو يقدّم الحرب على إيران بوصفها انتصارًا هائلًا- يقول أيضًا إن القتال لم ينتهِ بعد، فقد قال الأسبوع الماضي، ردًا على وقف إطلاق النار الذي أعلنه ترامب: “لا تزال لدينا أهداف يتعين استكمالها، وسنحققها إما عبر اتفاق أو عبر استئناف القتال وإصبعنا لا يزال على الزناد”.

الجواب يرتبط جزئيًا بإيران وحزب الله، فحجم خسائرهما وقدرتهما على التعافي وإعادة البناء لن يتضحا على الأرجح إلا بمرور الوقت، وهو غموض يزيد التحديات الاستراتيجية لإسرائيل تعقيدًا، غير أنّ أصول إسرائيل وقدراتها أسهل تقييمًا.

تكاليف عسكرية مرتفعة حتى إذا انتهت الحرب

تقوم قوة إسرائيل أساسًا على 3 ركائز؛ هي قوتها العسكرية الخام، وقدرة اقتصادها وسكانها على تحمّل حروب تزداد كلفة وانفتاحًا على المدى الطويل، وتحالفها مع الولايات المتحدة، وفي المجالات الثلاثة جميعًا دفع نتنياهو هذه الأصول إلى حدودها القصوى، ويبدو أنه يُطالب بالمزيد.

أما فيما يتعلّق بالجيش، فعلى المستوى التكتيكي البحت حققت المؤسسة الدفاعية الإسرائيلية منذ هجوم حماس في 7 أكتوبر 2023 عددًا من الأهداف، لكنّها جاءت مقابل إنفاق هائل من الأسلحة والقوى البشرية والمال، وقد قدّر البنك المركزي الإسرائيلي أنّ الحروب الأخرى -حتى قبل بدء الحرب الحالية مع إيران وحزب الله- كلفت الاقتصاد الإسرائيلي البالغ حجمه 660 مليار دولار، نحو 116 مليار دولار من الإنفاق الدفاعي المباشر، أما تكلفة الهجوم الحالي على إيران فهي موضع خلاف، لكن التقديرات تتراوح بين 11 و18 مليار دولار.

حتى إذا انتهت العمليات في إيران ولبنان قريبًا، فإن تكاليف الدفاع الإسرائيلية ستبقى مرتفعة، فالجيش لا يزال ينشر قوات في نصف غزة وفي مساحات واسعة من جنوب سوريا، كما أُرسل المزيد من الجنود إلى الضفة الغربية لحماية عشرات المستوطنات الجديدة. وبينما وافق نتنياهو على مضض على مفاوضات مع لبنان، تحدّث أيضًا عن إقامة ما يسمى “منطقة أمنية” في جنوب لبنان، وهو ما سيتطلب مزيدًا من القوات على الأرض، وهو لم يُبدِ أي اهتمام بالانسحاب من أي مكان، إذ قال الشهر الماضي: “لقد غيّرنا مفهومنا الأمني. نحن الذين نهاجم ونبادر، ونحن الذين نفاجئ أعداءنا”.

اقرأ أيضًا: خسائر الحرب بين إيران وأمريكا وإسرائيل.. التأثيرات العسكرية والاقتصادية

موارد عسكرية وهمية

تتصرف الحكومة الإسرائيلية مع الجيش كما لو أن موارده غير محدودة، فتدعوه إلى شن هجمات جديدة واحتلالات ممتدة، لكنها لم تفعل شيئًا لضمان امتلاكه عددًا كافيا من الأفراد لتغطية هذه المهام، فما زالت مشاريع القوانين الخاصة بتمديد الخدمة الإلزامية أو إنهاء الإعفاء من التجنيد الذي يتمتع به الحريديم من دون إقرار.

ويُستدعى قوات الاحتياط لفترات طويلة على نحو يكاد يكون مستحيلًا لتعويض النقص، وقد حذر رئيس الأركان إيال زامير -بحسب تقارير- وزراء الحكومة الشهر الماضي من أنّ “قوات الدفاع الإسرائيلية ستنهار على نفسها” في ظل نقص يبلغ نحو 15 ألف جندي.

أما في مجال العتاد، فإنّ حجم المخزونات ودرجة التآكل والاستهلاك الناتج عن الاستخدام المكثف في المعدات أسرار محروسة بإحكام، لكن مؤشرات المشكلات تظهر من حين إلى آخر، لا سيما في إمدادات الصواريخ الاعتراضية.

مرونة اقتصادية رغم تكلفة الحرب

أظهر الاقتصاد الإسرائيلي خلال العشرين عامًا الماضية مرونة ملحوظة في مواجهة الحروب المتكررة، والحروب الأخيرة لم تكن مختلفة من هذه الناحية، فقد انكمش الناتج المحلي الإجمالي في الأشهر التي تلت هجوم حماس في 2023، وخلال الحرب التي استمرت 12 يومًا مع إيران في يونيو الماضي، ومن شبه المؤكد أنه انكمش مرة أخرى في الحرب الحالية، لكن النشاط تعافى بسرعة في كل مرة، واستمر الاقتصاد في النمو رغم أن الحرب رفعت العبء الدفاعي الإسرائيلي إلى واحد من أعلى المستويات في العالم.

يرجع جزء من هذه المرونة إلى أنّ الشركات والعمال في إسرائيل اعتادوا الحرب وطوروا آليات تكيّف، لكن لا يقل عن ذلك أهمية أنّ الحكومة أبقت ماليتها العامة في وضع جيد، عبر عجوزات مالية محدودة نسبيًا وتقليص الدين العام كنسبة من الناتج المحلي.

كما مكّن قطاع التكنولوجيا المتقدمة وإنتاج الغاز الطبيعي إسرائيل من جذب مليارات الدولارات من الاستثمار الأجنبي وتحقيق فوائض مستمرة في الحساب الجاري، وساعدت كذلك المساعدات الأمريكية السخية -التي بلغت نحو 22 مليار دولار منذ اندلاع الحرب على غزة – في تخفيف العبء الاقتصادي.

116 مليار دولار إضافة لميزانية الدفاع

السياسات التي يتبعها نتنياهو تختبر هذه المرونة بقوة، فلتغطية الكلفة الهائلة لكل هذا القتال اختارت الحكومة الإسرائيلية عمومًا عدم زيادة الضرائب أو خفض الإنفاق المدني، وقد ساعد ذلك في إبقاء الاقتصاد على مسار النمو، لكنّه يعني أيضًا أن الدين العام قفز من مستوى منخفض نسبيًا عند 60% من الناتج المحلي الإجمالي قبل حرب غزة، إلى مستوى متوقع يبلغ 70.5% بنهاية 2026.

ورغم أنّ هذا المستوى لا يُعدّ خطيرًا على نحو مباشر، فإن نتنياهو لم ينتهِ بعد من إغداق الأموال على الجيش، فهو يخطط لإضافة 116 مليار دولار إلى ميزانية الدفاع خلال العقد المقبل، بما يعادل 6% من الناتج المحلي الإجمالي تُخصّص للدفاع، وهي نسبة مرتفعة ستضغط على الاقتصاد عبر مزيد من الدين أو ضرائب أعلى وإنفاق مدني أقل.

هل يتراجع الدعم الأمريكي لإسرائيل؟

منحت هجمات حماس في 2023 إسرائيل مستويات غير مسبوقة من الدعم العسكري والمالي والدبلوماسي الأمريكي، وبدا أنّ الهجوم المشترك على إيران رفع هذا الدعم إلى مستوى جديد، ولكن هذا قد يكون في الواقع ذروة الدعم قبل بدء التراجع في العلاقات الأمريكية الإسرائيلية، فالحرب على إيران أضرّت بترامب سياسيًا في الأشهر الحاسمة السابقة لانتخابات منتصف الولاية في نوفمبر، ورغم عدم وجود إشارات على أنّ ترامب انقلب على نتنياهو إلا أنّ رئيس الوزراء الإسرائيلي وإسرائيل قد يصبحان كبش فداء لحرب فاشلة.

وقد يكون تقرير نيويورك تايمز الذي شرح كيف أقنع نتنياهو ترامب بالحرب وبتغيير النظام -رغم شكوك عبّر عنها كبار مسؤولي إدارة ترامب- بدايةً لمثل هذه الحملة، وإذا حدث ذلك فستتراجع قدرة إسرائيل على التأثير في صنع القرار في واشنطن، وخاصة في ما يتعلق بالسياسات ذات الطابع الحربي.

اقرأ أيضًا: اتفاق الحرب بين واشنطن وطهران.. قراءة في ما وراء الكواليس

تراجع مكانة إسرائيل داخل الرأي العام الأمريكي

مشكلة إسرائيل في الولايات المتحدة أعمق من مجرد رئيس ناقم سيغادر منصبه في 2029، حيث أدّت مجازر حرب غزة إلى تراجع حاد في مكانة إسرائيل داخل الرأي العام الأمريكي، والحرب مع إيران مرشحة لأن تزيد ذلك سوءًا، فقد أظهر استطلاع لمركز بيو للأبحاث، في مارس، أن 60% من الأمريكيين ينظرون إلى إسرائيل نظرة غير جيدة، مقارنةً بـ42% منذ 2022.

وعلى مستوى الكونغرس، فرغم أن المشكلة تبدو أكثر عمقًا بين الديمقراطيين إلا أنّ الاتجاهات تسير ضد إسرائيل حتى بين الجمهوريين أيضًا، حيث إن 57% من مؤيدي الحزب الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و49 عامًا، يحملون نظرة سلبية تجاه إسرائيل، كما يروّج كثير من رموز “ماغا” وهو التيار السياسي المرتبط بترامب، لفكرة أنّ نتنياهو دفع ترامب سريعًا نحو هجوم خدم المصالح الإسرائيلية أساسًا، وربما لا يزال معارضو الحرب داخل دائرة “ماغا” أقلية، لكنهم أقلية صاخبة ومؤثرة، وقد يكتسبون مزيدًا من الزخم إذا اتسعت التداعيات الاقتصادية والسياسية للحرب.

هل لدى نتنياهو بديل؟

في الوقت الذي تبدو فيه المكونات الثلاثة للقوة الإسرائيلية أكثر هشاشة، يتصرف نتنياهو كما لو أن الأمور عادية، ويقول منتقدوه إنّ عليه أن يستثمر الإنجازات العسكرية الإسرائيلية للتوصل إلى ترتيبات دبلوماسية، لكن نتنياهو أظهر أن ثقته محدودة جدًا في الاتفاقات حين يتعلق الأمر بالأمن القومي.

إلى حدّ ما، فإنّ نظرته لها ما يبررها: فحكومتا لبنان وسوريا ضعيفتان أكثر من أن تنفذا التزامات جدية؛ كما أن إيران والمقاومة الفلسطينية تعارضان وجود إسرائيل أصلًا من الناحية الأيديولوجية، وبالتالي ليستا منفتحتين على التفاوض بشأن اتفاقات جوهرية.

لكن المعضلة تكمن في أن التفوق العسكري لإسرائيل على خصومها لم يتمكن من إخضاعهم، فحتى حركة حماس رفضت التراجع، رغم أنها استنزفت عمليًا معظم قدراتها العسكرية وخسرت الكثير من قياداتها، وهذا ما يجعل إسرائيل تبدو وكأنّها متجهة إلى مستقبل مجهول من الحروب الدائمة وسط موارد آخذة في التراجع، ودون الدعم الكامل من راعيها الأمريكي.

قد يهمّك أيضًا: حصار هرمز يشعل أسواق النفط.. صدمة عالمية تهدد بركود تضخمي

تابعنا على صفحتنا على فيسبوك

تابعنا أيضًا على صفحتنا على إنستغرام

أخبار ذات صلة