الجزائر تطلق رؤية 2027 للتحول إلى قوة اقتصادية ناشئة عالميًا

تقرير: باسل محمود

في لحظة مفصلية من تاريخها الاقتصادي، كشفت الجزائر عن خطط طموحة لتحويل نفسها إلى بلد ناشئ بحلول عام 2027، فقد صرّح الرئيس عبد المجيد تبون أنّ البلاد تتجه نحو مستقبل اقتصادي مشرق، يضاهي في تطلعاته دول جنوب أوروبا.

هذا التحول لا يعتمد فقط على الموارد الطبيعية الغنية، بل يتجاوز ذلك إلى إصلاحات هيكلية عميقة واستراتيجيات تصنيعية مبتكرة، ما يضع الجزائر في موقع جديد على الخريطة الاقتصادية العالمية.

تحقيق حلم الـ400 مليار دولار

أكَّد الرئيس تبون أنَّ الناتج المحلي الإجمالي للجزائر سيتجاوز 400 مليار دولار خلال العامين المقبلين، وهو إنجاز سيضع البلاد في مصاف الدول الناشئة القوية، حيث يستند هذا النمو السريع إلى خطة شاملة لتطوير البنية التحتية، فقد تمّ تسليم مليوني وحدة سكنية من أصل 3.5 مليون وحدة مخطط لها، مع توقُّع استكمال البرنامج بالكامل بحلول عام 2027.

لم تقتصر الخطة على الإسكان فقط، بل شملت أيضًا مشاريع حيوية لحل أزمة المياه، وتقليص الاعتماد على استيراد المواد الأولية من الخارج، ما يعزز من قدرة البلاد على التصنيع المحلي وتحقيق الاكتفاء الذاتي.

الصناعة والزراعة والطاقة.. محركات النمو الجديدة

واحدة من الركائز الأساسية لهذا التحول هي تطوير قطاعات الصناعة والزراعة والطاقة؛ حيث تستعد الجزائر لتصبح من أكبر مصدري الفوسفات ومشتقاته، بالإضافة إلى الاستثمار بقوة في الطاقة الشمسية وإنتاج الهيدروجين الأخضر، مما يُعزز مكانتها كمزود رئيس للطاقة النظيفة لأوروبا.

في القطاع الزراعي، أشار الرئيس تبون إلى أنَّ الزراعة الجزائرية تُحَقِّق عائدات تصل إلى 37 مليار دولار سنويًا، وفقًا لمنظمة الأغذية والزراعة (FAO)، مع توسع صادرات المنتجات الزراعية إلى تونس، وموريتانيا، والشرق الأوسط، ويعتبر هذا النمو الزراعي ركيزة أساسية لتعزيز الأمن الغذائي المحلي وتوفير فوائض للتصدير.

الجزائر تعتمد على نفسها

في رد مباشر على “المساعدات” الفرنسية للتنمية، أوضح تبون أنّ هذه المساعدات التي تتراوح بين 20 و30 مليون دولار سنويًا لا تمثل سوى نقطة في بحر بالنسبة لاقتصاد بحجم 130 مليار دولار سنويًا، وقال بنبرة حاسمة: “لسنا بحاجة إلى هذه الأموال التي تخدم قبل كل شيء المصالح الخارجية لفرنسا”.

لم تقتصر الجزائر على رفض المساعدات فحسب، بل أظهرت دورها الإقليمي القوي من خلال تمويل 6 آلاف منحة دراسية للطلاب الأفارقة، وبناء طريق استراتيجي يربط الجزائر بموريتانيا بتكلفة تجاوزت مليار دولار، إضافة إلى إلغاء ديون بقيمة 1.4 مليار دولار لصالح 12 دولة إفريقية، الأمر الذي يُؤكد على استقلالية الجزائر المالية وقدرتها على لعب دور إقليمي مؤثر.

شراكات جديدة وصدام مع القوى التقليدية

تتحول الجزائر بسرعة من الاعتماد على الشراكات التقليدية إلى توسيع آفاقها مع قوى اقتصادية صاعدة. وفي هذا السياق، أشار تبون إلى أن الصين أصبحت لاعبًا رئيسًا في الاقتصاد الجزائري، حيث تعمل على مشاريع تشمل التكنولوجيا الحديثة، والإلكترونيات، والتكنولوجيا الرقمية، بالإضافة إلى استغلال الجزائر لمواردها الطبيعية مثل الليثيوم في إنتاج بطاريات حديثة.

هذه العلاقات الجديدة لم تمر مرور الكرام على القوى التقليدية مثل فرنسا، التي أبدت استياءها من دخول الصين إلى السوق الجزائرية، خاصةً بعد فوز الشركات الصينية بعقود بناء ضخمة مثل مشروع جامع الجزائر، الذي كان محل اهتمام شركات فرنسية مثل “بويج”.

في المقابل، ظلَّت إيطاليا شريكًا موثوقًا للجزائر، حيث أشاد الرئيس تبون بالعلاقات الثنائية مع إيطاليا، معتبرًا أنها قائمة على الثقة والتعاون المتبادل، حيث تتوسع الاستثمارات الإيطالية في الجزائر سنويًا.

اطّلع على تفاصيل الشراكة بين تركيا والجزائر.. خطة لمضاعفة التبادل التجاري!

مراجعة اتفاقية الشراكة مع الاتحاد الأوروبي

في إطار السعي لتحقيق الاستفادة القصوى من علاقاتها الاقتصادية، أعلنت الجزائر عن نيتها مراجعة اتفاقية الشراكة مع الاتحاد الأوروبي، وذلك بهدف تمكين المنتجات الجزائرية الصناعية والزراعية من دخول السوق الأوروبية بشروط تفضيلية.

وقد أوضح تبون أن الجزائر لم تَعُد تعتمد فقط على المحروقات كما في عام 2005، بل أصبحت تمتلك إنتاجًا صناعيًا متنوعًا، يشمل الأجهزة الكهرومنزلية والفولاذ.

هذا التنوع الصناعي يمنح البلاد ميزة تنافسية تحتاج إلى دعم من خلال اتفاقيات شراكة أكثر عدالة تضمن فتح الأسواق الأوروبية أمام المنتجات الجزائرية.

ومع هذه الخطط الطموحة والتوجهات الاستراتيجية، تبدو الجزائر على أعتاب مرحلة جديدة من تاريخها الاقتصادي، حيث تسعى لتحقيق استقلالها الاقتصادي، ولتصبح لاعبًا رئيسًا في مجالات الطاقة المتجددة، والصناعة، والزراعة، مع تعزيز موقعها كشريك اقتصادي موثوق في إفريقيا وأوروبا.

وفي حال تحققت هذه الرؤية بحلول عام 2027، ستقدم الجزائر نموذجًا يُحتذى به في كيفية الاستفادة من الموارد المحلية وتوجيه الاستثمارات الأجنبية لتحقيق نمو اقتصادي شامل ومستدام.

اقرأ أيضًا: الجزائر تحت قيادة تبون.. تحديات وفرص الاقتصاد

تابعنا على صفحتنا على فيسبوك

تابعنا أيضًا على صفحتنا على إنستغرام

أخبار ذات صلة