لم تعد أزمة المياه في الجزائر قضية بيئية بحتة، بل تحولت إلى تحدٍ اقتصادي شامل يمس بنية النمو وميزان المدفوعات واستقرار المالية العامة، ومن هذا المنطلق فإن تسريع استثمارات بقيمة مليار دولار في محطات تحلية مياه البحر في الشمال الغربي لا يمثل مجرد استجابة تقنية لموجات الجفاف، بل يُعد إعادة ترتيب لأولويات الدولة في وقت يتقاطع فيه المناخ مع عجز الموازنة وتراجع عائدات الطاقة.
وفي دولة يناهز عدد سكانها 47 مليون نسمة ويصل حجم اقتصادها إلى نحو 285 مليار دولار، يصبح ضمان تدفق المياه مسألة تتعلق بالإنتاج والقيمة المضافة، وليس مجرد خدمة عمومية، وفق ما أشارت إليه وكالة بلومبرغ.
900 ألف متر مكعب يوميًا.. إعادة توزيع للموارد
المشاريع الموجهة إلى ولايات “تلمسان” و”مستغانم” و”الشلف” ستضيف طاقة إنتاجية يومية تبلغ 900 ألف متر مكعب من المياه المحلاة، وهو رقم يبدو فنيًا للوهلة الأولى، لكنه يحمل دلالات هيكلية عميقة؛ فهذه الكمية ستخفف الضغط عن شبكات مياه الشرب القائمة التي تعتمد جزئيًا على السدود والمخزون الجوفي، ما يسمح بإعادة توجيه المياه العذبة الأقل تكلفة نحو القطاع الزراعي.
وبعبارة أخرى، لا تكمن أهمية المشروع في تزويد المدن بالمياه فقط، بل في تحرير مورد حيوي لإعادة ضخ الحياة في سلة غذاء البلاد، حيث تشكل الولايات المستهدفة جزءا أساسيًا من إنتاج الفواكه والزيتون والحبوب.
من 42 إلى 60%.. انتقال في فلسفة الإمداد
حاليًا تمثل تحلية مياه البحر 42% من مياه الشرب في الجزائر، بينما تسعى الحكومة إلى رفع هذه النسبة إلى 60% بحلول 2030، وهذا التحول يعكس انتقالًا في فلسفة إدارة الموارد المائية، من الاعتماد على هطول الأمطار المتذبذب، إلى نظام أكثر استقلالية عن المناخ.
ومنذ عام 2005، دشنت الجزائر 19 محطة لتحلية المياه بطاقة إجمالية تصل إلى 3.5 مليون متر مكعب يوميًا، ما يشير إلى أن البنية التحتية للتحلية أصبحت مكونًا أساسيًا في منظومة الإمداد، وبلوغ نسبة 60% يعني أن غالبية مياه الشرب ستصبح أقل تأثرًا بتقلبات الطقس وأكثر ارتباطًا باستقرار الاستثمار وعمليات التشغيل.
اقرأ أيضًا: الجزائر تطلق رؤية 2027 للتحول إلى قوة اقتصادية ناشئة عالميًا
4 مليارات متر مكعب.. رهانات الزراعة
أحد أكثر الأرقام حساسية في الخطة هو تحرير 4 مليارات متر مكعب سنويًا من المياه العذبة لصالح الزراعة بحلول نهاية العقد، ففي اقتصاد يشكل فيه القطاع الزراعي نحو 15% من الناتج المحلي البالغ 285 مليار دولار يصبح هذا الحجم من المياه رافعة محتملة لزيادة الإنتاج وتقليص الواردات.
الجزائر تمتلك 44 مليون هكتار صالحة للزراعة لكن المزروع فعليًا لا يتجاوز 8.6 مليون هكتار، وهو فجوة تكشف أن محدودية المياه لا تقل أثرًا عن محدودية التمويل أو التكنولوجيا، ولكن إذا نجحت الاستراتيجية في تحويل الكميات المحررة إلى زيادة ملموسة في المساحات المزروعة أو في الإنتاجية فقد يتغير موقع الجزائر في أسواق الحبوب تدريجيًا.
الجدير بالذكر أنّه رغم تسجيل إنتاج قمح بلغ 4.1 مليون طن في الموسم الأخير، تظل الجزائر من كبار مستوردي القمح عالميًا، وهو وضع يعرض الميزان التجاري والاحتياطيات لضغوط دورية عند ارتفاع الأسعار الدولية. وفي هذا السياق، تعزيز القدرات المائية الموجهة للزراعة قد يوفر قاعدة لتقليص فجوة الحبوب، لكن ذلك مشروط بكفاءة التوزيع والبنية التحتية الريفية وأسعار المحاصيل.
اقرأ أيضًا: اقتصاد الجزائر.. انطلاقة جديدة بفضل الإصلاحات الاقتصادية
الجفاف كمحرك لإعادة هيكلة الإنفاق العام في الجزائر
تراجع معدلات الأمطار خلال العقدين الماضيين ونضوب السدود بشكل متكرر، إلى جانب حرائق الغابات، جعل الجفاف مكونًا هيكليًا لا ظرفيًا، وبالتالي تصبح التحلية بمثابة تأمين طويل الأجل ضد صدمات الهطول، حتى لو كانت كلفتها الرأسمالية مرتفعة؛ إذ إنّ كلفة عدم التحرك قد تتمثل في تذبذب الإنتاج الزراعي، وارتفاع أسعار الغذاء، وضغوط اجتماعية إضافية في اقتصاد يعتمد على شبكة دعم واسعة ممولة أساسًا من عائدات الطاقة.
الاستثمار الجديد يأتي ضمن خطة أوسع بقيمة 5.4 مليار دولار لتلبية احتياجات السكان، هذه الأرقام تعني أن الجزائر لا تتحرك تكتيكيًا بل تسعى إلى إعادة هيكلة شاملة لقطاع المياه، وفي سياق يتسم بارتفاع الطلب المحلي على الطاقة واتساع عجز الموازنة وتراجع عائدات الغاز فإنّ توجيه هذا الحجم من الإنفاق إلى التحلية يمثل اختيارًا سياسيًا واقتصاديًا واضحًا.
وفي ظل انخفاض مستوى الدين الخارجي، اتجهت الحكومة إلى إصدار صكوك إسلامية محلية، ما يعكس استراتيجية لتعبئة المدخرات الوطنية لدعم مشاريع استراتيجية. وفي الوقت نفسه، تعمل الجزائر على تنويع مصادر دخلها عبر تطوير قطاعات السياحة والصناعة والتعدين، مع فرض قيود محدودة على بعض الواردات الزراعية لحماية احتياطيات النقد الأجنبي. ومن المتوقع أن يؤدي تحسين الأداء الزراعي بفضل تعزيز الموارد المائية إلى تقليص الاعتماد على الواردات الغذائية، بما يخفف الضغط على العملة الصعبة ويزيد مرونة الاقتصاد.
تحديات تنفيذية وتقنية للمشاريع المائية
الجدير بالذكر أنّ تحلية مياه البحر كثيفة الاستهلاك للطاقة، وستعمل المحطات الجديدة بالكهرباء المشتراة من سونلغاز بأسعار السوق، وهذا يطرح تحديًا مزدوجًا ستمثّل في تحقيق التوازن بين كلفة الكهرباء وسعر المياه المنتجة، وضمان ألا تتحول التحلية إلى عبء مالي مستدام، لا سيّما أن الكهرباء في الجزائر تعتمد على الغاز في الإنتاج.
كما أنّ تنفيذ المشاريع عبر شركات حكومية مرتبطة بسوناطراك وكوسيدار يعكس رغبة الدولة في الاحتفاظ بالتحكم في البنية التحتية الحيوية، الأمر الذي يعزز السيادة لكنه يضع النجاح رهنًا بقدرة الشركات على الالتزام بالجداول الزمنية والميزانيات وتحقيق كفاءة تشغيلية عالية، ففي مشروعات بهذا الحجم تصبح الحوكمة والتنفيذ لا يقلان أهمية عن التمويل.
اقرأ أيضًا: دليل شامل للقروض في الجزائر.. كل ما تحتاج معرفته