شهدت أسعار الدولار في العقود الآجلة للجنيه المصري ارتفاعًا ملحوظًا لمختلف الآجال (3 و6 و9 أشهر وسنة)، بالتزامن مع تراجع قيمة الجنيه إلى أدنى مستوى له منذ بداية الأسبوع، في ظل تصاعد المخاطر المرتبطة بالحرب الأمريكية الإيرانية؛ حيث سجَّل الدولار نحو 57.55 جنيه لعقود 3 أشهر، و59.79 جنيه لعقود 6 أشهر، و61.8 جنيه لعقود 9 أشهر، بينما بلغ 63.81 جنيه للعقود السنوية.
وتُعرف العقود الآجلة بأنها اتفاق خاص بين طرفين لتداول أصل معين، غالبًا ما يكون عملة، بسعر محدد وتاريخ مستقبلي، ويتم تداولها خارج البورصات الرسمية، ويعكس ارتفاع هذه العقود عاملين رئيسين هما فرق سعر الفائدة بين الجنيه والدولار، وتوقعات سعر الصرف.
وكان الجنيه قد تراجع بنحو 14% خلال الشهر الأول من الحرب، ليسجل قرابة 55 جنيهًا لأول مرة في تاريخه بالبنوك المصرية، بينما سجل سعر الدولار لدى البنك المركزي المصري نحو 54.53 جنيه للشراء و54.66 جنيه للبيع. ورجح خبراء أن يتراجع هذا الارتفاع لاحقًا حال تحسن الأوضاع الجيوسياسية، مؤكدين أن التأثير امتد إلى معظم عملات الأسواق الناشئة، وليس مصر فقط.
التوترات الجيوسياسية تضغط على الجنيه المصري
قال الدكتور أحمد شوقي، الخبير المصرفي، إن التحركات الأخيرة في سعر صرف الجنيه المصري أمام الدولار، وتجاوزه 54 جنيهًا، تعد انعكاسًا طبيعيًا لتطورات الأسواق العالمية، خاصة في ظل موجة خروج جزئي للأموال الساخنة من الاقتصادات الناشئة.
وأوضح أن تصاعد التوترات الجيوسياسية والحروب الإقليمية يدفع المستثمرين الأجانب إلى إعادة تموضع محافظهم الاستثمارية والاتجاه نحو الأصول الآمنة، ما يؤدي إلى سحب جزء من الاستثمارات من الأسواق الناشئة، بما في ذلك السوق المصرية، تحسبًا لارتفاع معدلات التضخم أو فرض قيود محتملة على حركة رؤوس الأموال.
وأشار إلى أنّ تحركات الدولار خلال الفترة المقبلة قد تصل إلى حدود 55 جنيهًا، وربما تقترب من 60 جنيهًا في سيناريوهات قصوى، مؤكدًا أن هذه التقلبات تظل مؤقتة ولا تعكس أزمة هيكلية في سوق الصرف.
كما شدد على أن توافر السيولة الدولارية لدى البنك المركزي يمثل عاملًا حاسمًا في احتواء الضغوط، ويحد من فرص عودة السوق الموازية، بما يعزز استقرار سوق النقد الأجنبي.
اقرأ أيضًا: موازنة مصر 2026/2027.. طموحات النمو وتحديات الدين العام
لماذا ارتفع سعر الدولار في مصر؟
من جانبه، أكد إيهاب سعيد، الخبير الاقتصادي، أن اقتراب سعر الدولار من مستوى 55 جنيهًا انعكس بشكل مباشر على الأسواق، حيث قام عدد كبير من الموردين برفع أسعار السلع والخدمات بنسب تراوحت بين 15% و25%، مستندين إلى ارتفاع تكلفة العملة الأجنبية، مشيرًا إلى أن هذا السلوك يثير تساؤلات حول مدى التزام هؤلاء الموردين بخفض الأسعار في حال تراجع الدولار، وهو أمر لا يحدث غالبًا بنفس السرعة.
وأوضح أن التحركات الأخيرة في سعر الصرف ترتبط بتبني البنك المركزي سياسة سعر الصرف المرن، وهي خطوة مهمة بعد سنوات من تثبيت العملة، والتي تسببت سابقًا، خاصة خلال أزمة الحرب الروسية الأوكرانية، في خروج كميات كبيرة من الأموال الساخنة بشكل مفاجئ نتيجة الفجوة بين السعر الرسمي والسوقي.
وأضاف أن الهدف من هذه السياسة لا يقتصر فقط على إدارة خروج الأموال الساخنة، بل يتجاوز ذلك إلى منع حدوث “دولرة” في السوق أو ظهور سعرين للعملة، وهو ما يمثل خطرًا كبيرًا على استقرار الاقتصاد، مؤكدًا أن تحرك البنك المركزي بشكل استباقي ساهم في تجنب هذا السيناريو.
وأشار إلى أن هناك عوامل أخرى ضغطت على الجنيه خلال الفترة الأخيرة، من بينها سداد نحو 5 مليارات دولار مستحقات لشركات البترول، إلى جانب التزامات خارجية أخرى خلال الربع الأول من العام، وهو ما تزامن مع خروج بعض الاستثمارات الأجنبية.
توقعات برفع المركزي المصري أسعار الفائدة
فيما يتعلق بالتوقعات، أوضح سعيد أن هناك ترقبًا لقرار البنك المركزي في اجتماعه المقبل، متوقعًا أن يتجه إلى رفع أسعار الفائدة بنسبة لا تقل عن 1%، في خطوة استباقية لمواجهة التضخم المتوقع، خاصة أن بيانات التضخم لشهر مارس لن تكون متاحة قبل موعد الاجتماع.
وأكد أن تأجيل القرار قد لا يكون مناسبًا في ظل التراجع الحالي في قيمة الجنيه، ما يتطلب تحركًا سريعًا لاحتواء الضغوط التضخمية، مشيرًا إلى أهمية استخدام أدوات أخرى، مثل طرح أوعية ادخارية بعوائد مرتفعة، لدعم جاذبية الجنيه وامتصاص السيولة.
وأوضح أن دعم العملة المحلية يجب أن يتم من خلال تعزيز جاذبيتها، وليس فقط عبر التدخل المباشر في سوق الصرف، حتى لا يتجه الأفراد إلى تحويل مدخراتهم إلى أصول بديلة مثل السلع أو العملات الأجنبية.
واختتم إيهاب سعيد تصريحاته بالتأكيد على أن الأسواق تمر بمرحلة دقيقة تتطلب قرارات استباقية ومدروسة، في ظل تداخل العوامل المحلية والعالمية، مشيرًا إلى أن إدارة السياسة النقدية خلال هذه الفترة ستكون حاسمة في تحديد مسار الاقتصاد خلال المرحلة المقبلة.
اقرأ أيضًا: رفع أسعار الوقود في مصر.. الأسباب والتداعيات الاقتصادية
مؤسسة “ستاندرد آند بورز غلوبال”
في المقابل، توقعت مؤسسة “ستاندرد آند بورز غلوبال إنتيليغنس” أن يواصل الدولار الأمريكي ارتفاعه أمام الجنيه المصري خلال السنوات المقبلة، حيث يُرجح أن ينهي العام المالي الحالي عند 50.2 جنيه، ثم يرتفع إلى 58.3 جنيه بنهاية العام المالي المقبل، ليصل إلى 61.8 جنيه في يونيو 2028 و64.5 جنيه بحلول يونيو 2029.
كما خفّضت المؤسسة توقعاتها لنمو الاقتصاد المصري إلى 4.7% خلال العام الحالي و4.2% في العام التالي، مع توقع التعافي 5% في العام المالي 2027-2028، وأشارت إلى تأثر مصر بزيادة الرسوم الجمركية الأمريكية والحرب الإيرانية، خاصة باعتبارها من كبار مستوردي النفط.
وتوقعت المؤسسة تثبيت أسعار الفائدة خلال الفترة الحالية، على أن تنخفض إلى 18% بنهاية العام المقبل، مع تسجيل التضخم 13.7% في المتوسط خلال العام المالي الحالي، ثم ارتفاعه إلى 15.8% في العام التالي، قبل أن يتراجع إلى 10.5% في 2028 و8.8% في 2029.
كما أوضحت أن تصنيف البنوك يرتبط بتصنيف الحكومة، في ظل توظيف نحو 58% من أصول الجهاز المصرفي في أدوات حكومية، مع توقع تحسن جودة القروض رغم تراجع الجنيه، نظرًا لاعتماد جزء كبير من القروض الدولارية على مقترضين لديهم مصادر دخل بالعملة الأجنبية.
قد يهمّك أيضًا: دولار الصاغة يربك سوق الذهب في مصر.. هل تعود السوق السوداء؟