الحرب الأمريكية الإيرانية تعيد تشكيل سوق العملات عالميًا

مع اندلاع الحرب الأمريكية الإيرانية، من المتوقع تصاعد الضغوط على عملات الأسواق الناشئة، بينما يعزز الدولار موقعه كأبرز ملاذ آمن في أوقات الأزمات، وسط موجة تقلبات تضرب أسواق المال العالمية.

وفي هذا الشأن، أكد وليد عادل، الخبير الاقتصادي والمصرفي، أن أي تصعيد عسكري في منطقة الخليج، خاصة إذا اتسع نطاقه ضد إيران، لا يظل حدثًا أمنيًا فحسب، بل يتحول سريعًا إلى متغير مالي عالمي يعيد ترتيب موازين القوى في سوق العملات.

وأوضح أن أسواق الصرف عادة ما تكون أولى ساحات التفاعل مع الأزمات الجيوسياسية، حيث يتحرك الدولار والذهب والنفط وعملات الأسواق الناشئة في معادلة حساسة تعكس مستوى المخاطر وثقة المستثمرين في الاستقرار العالمي.

وأشار عادل إلى أن استمرار التصعيد الأمريكي والإسرائيلي ضد إيران، أو تحوله إلى مواجهة أوسع، سيشكل صدمة مالية عالمية تتجاوز حدود الإقليم، وستكون له تداعيات مباشرة على قوة الدولار، واستقرار العملات الإقليمية، ومعدلات المخاطر في الأسواق الناشئة.

الدولار في أوقات الحروب.. لماذا يتقدم؟

أوضح الخبير الاقتصادي أن التجارب التاريخية تؤكد أن المستثمرين عند اندلاع أزمات كبرى يتجهون إلى ما يُعرف بـ”الهروب نحو الأمان”، حيث يتم التخارج من الأصول عالية المخاطر والتحول إلى الأصول الأكثر أمانًا، ويأتي الدولار الأمريكي في صدارة هذه الملاذات، لكون الولايات المتحدة صاحبة أكبر اقتصاد في العالم، ولأن العملة الأمريكية تمثل أكثر من نصف الاحتياطيات النقدية العالمية، إضافة إلى أن معظم التجارة الدولية، وخاصة النفط، تتم تسعيرها بالدولار.

وأضاف أن سوق السندات الأمريكية يُعد الأكثر سيولة واستقرارًا، ما يعزز من جاذبية الدولار في أوقات الاضطراب، وأكد أن ما يُعرف بظاهرة الهروب إلى الملاذات الآمنة، يؤدي عادة إلى بيع الأصول الخطرة وشراء الدولار والسندات الأمريكية، ما يدفع العملة الأمريكية إلى الارتفاع أمام أغلب العملات الأخرى.

لكنه شدد على أن هذه القاعدة ليست مطلقة، إذ إن تأثير الحرب على الدولار تحكمه قوتان متضادتان؛ الأولى زيادة الطلب عليه كملاذ آمن، والثانية احتمال اتساع العجز المالي الأمريكي نتيجة الإنفاق العسكري، وهو ما قد يضغط عليه على المدى الأطول، غير أن العامل الأول عادة ما يكون الأقوى في المدى القصير.

عملات الخليج… استفادة غير مباشرة

فيما يتعلق بعملات دول الخليج، مثل الريال السعودي والدينار الكويتي، أوضح عادل أن العلاقة الوثيقة بين هذه العملات والنفط تخلق مفارقة مهمة؛ فالحروب في الشرق الأوسط غالبًا ما ترفع أسعار النفط، وهو ما يعزز المراكز المالية للدول المصدرة للطاقة، إلا أن ارتباط بعض العملات الخليجية بالدولار يعني أن أسعارها الرسمية لن تشهد تقلبات حادة.

وبيّن أن المكاسب الحقيقية تظهر في تحسن الفوائض المالية وارتفاع الاحتياطيات وزيادة التدفقات الرأسمالية، فإذا ارتفع النفط إلى مستويات 100 أو 120 دولارًا للبرميل، فإن ذلك سيقوي الميزانيات الخليجية ويعزز استقرارها النقدي، حتى لو لم يتغير السعر الاسمي للعملة بصورة كبيرة.

اقرأ أيضًا: حرب إيران وإسرائيل.. ارتفاعات قياسية في النفط والذهب

الأسواق الناشئة.. الحلقة الأضعف

أكد وليد عادل أن التأثير الأكثر حساسية سيكون على عملات الأسواق الناشئة، مثل الجنيه المصري أو الليرة اللبنانية، حيث تتأثر عبر ثلاث قنوات رئيسية، الأولى هي خروج رؤوس الأموال، إذ يقوم المستثمر الأجنبي بتصفية مراكزه في هذه الأسواق وتحويل أمواله إلى الدولار، ما يزيد الطلب عليه ويضغط على العملات المحلية.

والثانية تتمثل في ارتفاع فاتورة الواردات النفطية، خاصة في الدول المستوردة للطاقة، ما يؤدي إلى زيادة الطلب على العملة الصعبة، أما الثالثة فهي ارتفاع تكلفة التمويل الخارجي، حيث تؤدي الأزمات إلى بقاء أسعار الفائدة العالمية مرتفعة لفترة أطول، ما يزيد العبء على الدول ذات المديونية المرتفعة.

وأشار عادل إلى أن استمرار التصعيد قد يفاقم الضغوط على الجنيه المصري، كما قد يؤدي إلى استمرار ضعف العملات الهشة، إلا أن مدى التأثير يعتمد على حجم الاحتياطيات النقدية وسياسات البنوك المركزية في إدارة الأزمة.

وأوضح عادل أن تفاعل سوق الصرف مع الحروب في مناطق النفط يمر بثلاث مراحل واضحة؛ تبدأ بمرحلة الصدمة الفورية، حيث يرتفع الدولار والذهب والنفط وتنخفض عملات الأسواق الناشئة، ثم تأتي مرحلة إعادة التقييم، حيث يدرس المستثمرون ما إذا كانت الحرب محدودة أم واسعة، وما إذا كانت ستؤثر على إنتاج النفط أو النمو العالمي، أما المرحلة الأخيرة فتتحدد وفق مسار الأحداث، فإذا بقيت المواجهة محدودة تميل العملات إلى الاستقرار، أما إذا توسعت فتستمر موجات التقلب.

الملاذات الآمنة وهروب الأموال

أكد وليد عادل أنّ أهم الملاذات الآمنة عالميًا تشمل الدولار، والذهب، والفرنك السويسري، والين الياباني، إضافة إلى السندات الأمريكية، وغالبًا ما يؤدي الإقبال على هذه الأصول إلى ارتفاع الدولار والذهب وضعف العملات عالية المخاطر.

وأشار إلى أن هروب رؤوس الأموال من الأسواق الناشئة يمثل أحد أخطر تداعيات الحروب، إذ تتراجع الاستثمارات الأجنبية وتتجه السيولة نحو الاقتصادات المتقدمة، ما يؤدي إلى انخفاض العملات المحلية وارتفاع معدلات التضخم.

وأوضح الخبير المصرفي أن البنوك المركزية قد تتدخل لدعم عملاتها عبر استخدام الاحتياطيات الدولارية، أو رفع أسعار الفائدة، أو التدخل المباشر في سوق الصرف، لكنه أشار إلى أن قدرة كل دولة على الدفاع عن عملتها تختلف باختلاف حجم احتياطياتها ومتانة وضعها المالي.

وأكد أن ارتفاع أسعار النفط يعزز عملات الدول المصدرة ويضعف عملات الدول المستوردة، ما يعني أن دول الخليج قد تستفيد ماليًا، بينما تواجه دول مثل مصر ضغوطًا إضافية.

السيناريوهات المحتملة

توقع وليد عادل ثلاثة سيناريوهات خلال الشهرين المقبلين، هي:

  • الأول: تصعيد محدود يؤدي إلى ارتفاع معتدل في الدولار والنفط وتقلبات محدودة في العملات.
  • الثاني: تصعيد واسع يرفع الدولار بقوة ويضغط على عملات الأسواق الناشئة مع قفزات كبيرة في الذهب والنفط.
  • الثالث: احتواء سريع للأزمة، ما يعيد الاستقرار للعملات ويؤدي إلى تراجع نسبي في الدولار وعودة التدفقات للأسواق الناشئة.

واختتم الخبير الاقتصادي تصريحاته بالتأكيد على أهمية تنويع المدخرات وعدم الاعتماد على أصل واحد، والاحتفاظ بجزء من الأصول المرتبطة بالدولار، والاستثمار في الذهب كوسيلة تحوط، مع تجنب المضاربات قصيرة الأجل. وأشار إلى أن الحروب الكبرى غالبًا ما تعيد تشكيل التحالفات الاقتصادية وطرق التجارة، وقد تؤدي إلى تعزيز دور بعض العملات الإقليمية أو تراجع أخرى، ما يعني أن خريطة القوة النقدية قد تشهد تغيرات ملموسة في المرحلة المقبلة.

اقرأ أيضًا: تداعيات الحرب الأمريكية الإيرانية على الاقتصاد المصري

تابعنا على صفحتنا على فيسبوك

تابعنا أيضًا على صفحتنا على إنستغرام

أخبار ذات صلة