أوروبا تتأهب لصد عاصفة ترامب التجارية.. صراع المعادن يعود للواجهة

تقرير: باسل محمود

عاد شبح الحرب التجارية ليُخَيِّم مجددًا على العلاقات بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، مع استعداد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لفرض تعريفات جمركية صارمة على صادرات الصلب والألمنيوم الأوروبية، وفق بلومبرج.

في المقابل، يتحرك الاتحاد الأوروبي بسرعة لإعداد قائمة موسعة من السلع الأمريكية التي ستخضع لتعريفات جمركية انتقامية، مما يعيد للأذهان مشاهد المواجهة التجارية الحادة بين الجانبين في 2018.

لكن هذه المرة، لم تتأخر بروكسل في الاستعداد للرد، حيث وسَّع الاتحاد الأوروبي قائمة السلع الأمريكية التي ستخضع لتعريفات انتقامية، في خطوة تهدف إلى ردع أي تحرك أحادي من واشنطن. وتُشير التقديرات إلى أنَّ الإجراءات الأمريكية قد تطال صادرات أوروبية بقيمة 28 مليار يورو، وهو ما يزيد بمقدار أربعة أضعاف عن المرة السابقة، مما ينذر بمواجهة تجارية هي الأشد منذ 2018.

فما الذي يدفع ترامب إلى إعادة إشعال هذا النزاع؟ وكيف يستعد الاتحاد الأوروبي لمواجهته؟ وما تداعيات هذا الصدام المحتمل على الاقتصاد العالمي؟

عودة ترامب إلى قواعد اللعبة.. لماذا المعادن؟

منذ خروجه من البيت الأبيض، ظل ترامب يؤكِّد عزمه إعادة ترتيب قواعد التجارة العالمية وفق شروط جديدة، متهمًا الاتحاد الأوروبي والصين بممارسات غير عادلة تضر بالاقتصاد الأمريكي، وتستهدف التعريفات الجديدة، التي قد تدخل حيز التنفيذ في 12 مارس 2025، صادرات الصلب والألمنيوم الأوروبية، بفرض رسوم تصل إلى 25% على الصلب و10% على الألمنيوم.

لكن لماذا يصر ترامب على ضرب هذا القطاع تحديدًا؟ الجواب يكمن في عاملين رئيسيين، الأول هو تعزيز الصناعة المحلية، حيث يعتقد ترامب أنَّ التعريفات ستحفز إنتاج الصلب والألمنيوم داخل الولايات المتحدة، ما يوفر وظائف جديدة في قطاع التصنيع. أما العامل الثاني فهو تقليل العجز التجاري، حيث يسعى ترامب إلى تقليص الفجوة التجارية بين الولايات المتحدة وأوروبا، والتي يراها غير عادلة.

لكن، بينما يرى ترامب في هذه الخطوة فرصة لتعزيز شعبيته، فإنّ تداعياتها الاقتصادية قد تكون كارثية على أسواق المال وسلاسل التوريد العالمية.

اقرأ المزيد: ترامب يُفاجئ العالم برسوم جمركية جديدة على واردات الصلب والألمنيوم

كيف يرد الاتحاد الأوروبي على قرارات ترامب؟

لم تنتظر المفوضية الأوروبية طويلًا قبل التحرُّك، حيث بدأت بروكسل بإعداد قائمة موسَّعة للسلع الأمريكية التي ستخضع لتعريفات جمركية انتقامية، في حال نفَّذ ترامب تهديداته.

هذه القائمة، التي تم تعليقها مؤقتًا منذ عام 2021 في إطار التهدئة التجارية مع إدارة جو بايدن، ستعود الآن إلى الطاولة، مع احتمالية إضافة منتجات أمريكية جديدة لضمان التأثير الأقصى على الاقتصاد الأمريكي، وذلك بهدف إلحاق ضرر اقتصادي وسياسي بواشنطن، خاصة أنَّ بعض هذه المنتجات تُصنّع في ولايات أمريكية داعمة لترامب، مما قد يخلق ضغوطًا داخلية عليه.

ومن أبرز السلع التي قد تخضع للتعريفات الأوروبية: الدراجات النارية من “هارلي – ديفيدسون”، والجينز من “ليفي شتراوس”، والمنتجات الزراعية، بما في ذلك الذرة والصويا، بالإضافة إلى المعدات الصناعية والسيارات.

هل تنجح الدبلوماسية في منع التصعيد؟

وسط هذه الأجواء المتوترة، توجَّه ماروس سيفكوفيتش، مسؤول التجارة في الاتحاد الأوروبي، إلى واشنطن لعقد اجتماعات مع كبار المسؤولين الأمريكيين، في محاولة لمنع تفاقم الأزمة قبل فوات الأوان، وخلال لقائه بوزير التجارة الأمريكي هوارد لوتنيك ومدير المجلس الاقتصادي الوطني كيفن هاسيت، حاول جسّ نبض واشنطن ومعرفة النوايا الحقيقية للإدارة الأمريكية.

على الرغم من أنَّ الاجتماعات كانت “إيجابية”، إلا أنَّ الغموض لا يزال يكتنف موقف ترامب النهائي، حيث لم يتم التوصل إلى أي اتفاق رسمي بعد. ورغم هذه التحركات الدبلوماسية، إلّا أنَّ بروكسل تدرك جيدًا أنَّ المناورة السياسية ستكون عاملاً حاسمًا في هذا النزاع، خاصة وأنَّ ترامب قد يستخدم هذا الملف كورقة ضغط في الانتخابات الأمريكية.

مقارنة بين حرب 2018 التجارية والأزمة الحالية

عندما فرضت واشنطن تعريفاتها الجمركية على الصلب والألمنيوم في 2018، أدى ذلك إلى تصعيد تجاري واسع النطاق، حيث ردَّت أوروبا بتعريفات انتقامية، مما تسبَّب في اضطرابات في الأسواق العالمية.

لكن هذه المرة، قد يكون التأثير أشد لأسباب منها ارتفاع تكلفة الإنتاج؛ حيث ستؤدي التعريفات إلى زيادة أسعار المعادن، مما سيرفع تكلفة التصنيع في قطاعات مثل السيارات والبناء، واضطراب سلاسل التوريد، إذ إنَّ أيَّ تصعيد جديد قد يُعَقِّد عمليات الاستيراد والتصدير، مما يعرقل تدفق المواد الخام بين القارات.

بالإضافة إلى موجة تضخم جديدة؛ حيث ستؤدي التعريفات إلى ارتفاع أسعار المنتجات الاستهلاكية، مما قد يزيد من معدلات التضخم في كل من أوروبا وأمريكا.

وفي ظل التباطؤ الاقتصادي العالمي، فإن نشوب حرب تجارية جديدة قد يكون له عواقب وخيمة على النمو الاقتصادي العالمي، وربما يدفع الأسواق المالية إلى موجة جديدة من التراجع.

الحلول المتاحة لمنع نشوب حرب تجارية جديدة

في ظل هذه التوترات، يبقى السؤال الأهم: هل يمكن تفادي المواجهة التجارية؟ حتى الآن، لدى الطرفين عدة خيارات لتجنُّب الحرب التجارية، منها التوصل إلى اتفاق مصغر؛ حيث يمكن للجانبين التفاوض على اتفاقية تجارية مصغرة تتضمن تخفيف بعض التعريفات على المعادن مقابل امتيازات تجارية أخرى، وتحقيق توازن في السياسات.

ويُحتمل أن تلجأ أوروبا إلى إجراءات دبلوماسية لضبط سياسات التجارة، مثل تقديم تنازلات محدودة في قطاعات أخرى مقابل تجنب التصعيد، بالإضافة إلى الرهان على الضغوط الداخلية في أمريكا، فمعارضة الشركات الأمريكية الكبرى قد تجبر ترامب على إعادة النظر في قراراته، خاصة إذا أدرك أنَّ الإجراءات ستضر بالاقتصاد المحلي، لكن في ظل نهجه المتشدد، فإن احتمالية التصعيد لا تزال قائمة، مما يعني أن العالم قد يكون على موعد مع فصل جديد من الحروب التجارية.

مع احتدام التوترات التجارية بين الولايات المتحدة وأوروبا، يبدو أنَّ الاقتصاد العالمي يواجه اختبارًا جديدًا، حيث ستُحدد الأسابيع المقبلة ما إذا كان العالم مقبلًا على مواجهة تجارية كبرى أم أنَّ الدبلوماسية ستنجح في تجنب الأزمة.

الأمر المؤكد هو أنَّ التاريخ يعيد نفسه، ولكن بتداعيات أشد خطورة، فبينما يراهن ترامب على كسب نقاط سياسية، فإن تكلفة الحرب التجارية قد تكون أعلى مما يتخيله أي من الطرفين.

اطّلع أيضًا على التقرير المصور: تهديد ووعيد من الاتحاد الأوروبي لترامب بسبب الرسوم الجُمركية

تابعنا على صفحتنا على فيسبوك

تابعنا أيضًا على صفحتنا على إنستغرام

أخبار ذات صلة