الحرب بين أمريكا وإيران.. سيناريوهات التصعيد في الشرق الأوسط

تدخل الحرب بين أمريكا وإيران مرحلة جديدة من التصعيد وسط تحذيرات من اتساع نطاق المواجهة وتحولها إلى صراع إقليمي واسع. وفي هذا الشأن، أكَّد الدكتور حامد فارس، أستاذ العلاقات الدولية، أن ما يشهده المشهد الدولي حالياً من تصاعد في التوتر بين الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، يعكس حالة واضحة من الصراع على النفوذ ومحاولة فرض الإرادات بين الأطراف المتواجهة، موضحاً أن طبيعة التصريحات المتبادلة بين الجانبين تشير إلى دخول الصراع مرحلة أكثر حساسية وتعقيداً.

وأوضح أن ما يحدث في الوقت الراهن يمكن وصفه بسياسة “كسر العظام”  السياسية والعسكرية، حيث يهدف كل طرف إلى إظهار قدرته على فرض رؤيته وقوته على الطرف الآخر، كما أنّ الولايات المتحدة الأمريكية تعمل على رفع سقف مطالبها وضغوطها تجاه إيران، وتسعى إلى فرض هيمنتها وربما الدفع في اتجاه تغيير النظام الإيراني، خاصة في ظل التطورات التي شهدتها إيران مؤخراً.

تغيير النظام الإيراني.. بين الواقع والمخطط

أشار أستاذ العلاقات الدولية إلى أن المشهد السياسي الإيراني شهد تحولات مهمة عقب اغتيال المرشد الإيراني علي خامنئي، وهو الحدث الذي أحدث تغييرات واضحة في بنية السلطة داخل إيران وأعاد تشكيل موازين القوى داخل النظام السياسي الإيراني، الأمر الذي انعكس بدوره على طبيعة التفاعلات الإقليمية والدولية المرتبطة بالملف الإيراني.

وفي المقابل، أكد فارس أن إيران تظهر تمسكاً واضحاً برفض أي محاولة أمريكية أو إسرائيلية للتدخل في مستقبلها السياسي أو فرض وصاية على قراراتها السيادية، موضحاً أن طهران تخطط إلى تأكيد استقلال قرارها السياسي والحفاظ على هويتها وسيادتها في مواجهة الضغوط الدولية.

وأضاف أن هذا الواقع يدفع جميع الأطراف إلى استخدام مختلف الأدوات المتاحة لديها، سواء كانت أدوات سياسية أو عسكرية أو اقتصادية، في محاولة لتحقيق أهدافها الاستراتيجية في هذا الصراع، فكل طرف يحاول تعزيز موقعه التفاوضي وإثبات قدرته على الصمود في مواجهة الضغوط.

ورغم حدة التصعيد، يرى فارس أن هذا الصراع قد يكون في النهاية ذا طبيعة صفرية بالنسبة لجميع الأطراف، موضحاً أن الولايات المتحدة الأمريكية قد لا تتمكن من تحقيق هدفها المتمثل في تغيير النظام الإيراني، وفي المقابل لن تكون إيران قادرة على حسم المواجهة أو تحقيق انتصار كامل على الولايات المتحدة الأمريكية، وأضاف أن هذه المعادلة قد تؤدي إلى استمرار حالة التوتر لفترة طويلة دون أن ينجح أي طرف في تحقيق أهدافه بشكل كامل.

اقرأ أيضًا: هل تنضم أوروبا للحرب على إيران.. تحول استراتيجي أم ردع دفاعي؟

دلالات إخراج الرعايا الأمريكيين من المنطقة

فيما يتعلق بتصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن إخراج الرعايا الأمريكيين من منطقة الشرق الأوسط، وخاصة من أربع عشرة دولة في المنطقة، أوضح الدكتور حامد فارس أن هذه التصريحات تحمل دلالات مهمة وتثير تساؤلات عديدة حول احتمالات التصعيد العسكري في المرحلة المقبلة.

وأشار إلى أنَّ أحد التفسيرات المحتملة لهذه الخطوة يتمثل في استعداد الولايات المتحدة لاحتمال تنفيذ ضربات عسكرية كبيرة ضد المنشآت النووية الإيرانية، وأضاف أن مثل هذه العمليات قد تعتمد على استخدام القاذفات الاستراتيجية الأمريكية، مثل طائرات «بي-1» أو «بي-2»، القادرة على تنفيذ ضربات دقيقة وعميقة ضد أهداف استراتيجية. وأوضح فارس أن الولايات المتحدة قد تكون أيضاً قلقة من تداعيات إشعاعية أو مخاطر بيئية محتملة في حال استهداف بعض المواقع النووية الإيرانية.

وأضاف أن احتمالات التصعيد لا تقتصر على توجيه ضربات مباشرة داخل الأراضي الإيرانية فقط، بل قد تمتد أيضاً إلى استهداف ما يعرف بالأذرع الإقليمية لإيران في المنطقة، وأشار إلى أن هذه الجهات تشمل بعض الفصائل المسلحة المرتبطة بإيران في العراق، وكذلك حزب الله في لبنان، إضافة إلى جماعة الحوثي في اليمن.

وأكد أستاذ العلاقات الدولية أن مثل هذه السيناريوهات تمثل درجة عالية من الخطورة، لأنها قد تؤدي إلى اتساع رقعة الصراع وتحوله من مواجهة محدودة إلى صراع إقليمي واسع النطاق يمتد إلى عدة جبهات في الشرق الأوسط.

وفي المقابل، لفت فارس إلى احتمال آخر يتمثل في قيام إيران بتوجيه ضربة إلى المفاعل النووي الإسرائيلي، وهو سيناريو قد يؤدي إلى تصعيد شديد الخطورة في المنطقة، وأوضح أن من المحتمل أن تكون لدى الولايات المتحدة معلومات استخباراتية تشير إلى إمكانية حدوث مثل هذا التطور، وهو ما يفسر حالة الحذر والاستعداد التي تبدو عليها واشنطن في الوقت الراهن.

مخاطر التصعيد العسكري الشامل في الإقليم

أشار فارس إلى أن أي تصعيد عسكري واسع في الشرق الأوسط قد يؤدي إلى خسائر في صفوف القوات أو المصالح الأمريكية المنتشرة في العديد من دول المنطقة، وهو ما قد ينعكس بشكل مباشر على دوائر صنع القرار داخل الولايات المتحدة الأمريكية.

وأضاف أن المشهد السياسي داخل الولايات المتحدة يشهد بالفعل حالة من الانقسام بين مؤيدي سياسات الإدارة الأمريكية ومعارضيها، الأمر الذي قد يزيد من تعقيد عملية اتخاذ القرار بشأن الدخول في مواجهة عسكرية أوسع في المنطقة.

واختتم الدكتور حامد فارس تصريحاته بالتأكيد على أن المرحلة الحالية تتسم بدرجة عالية من الحساسية، وأن مسار الأحداث سيظل مرتبطاً بقدرة الأطراف المختلفة على إدارة هذا التصعيد دون الانزلاق إلى مواجهة إقليمية شاملة قد تكون لها تداعيات خطيرة على الأمن والاستقرار في الشرق الأوسط والعالم.

هل سقوط إيران مصلحة إقليمية؟

من جانبه، أوضح اللواء سمير فرج، الخبير العسكري، إن هذه الحرب لا يمكن فهمها بمعزل عن موازين القوى في المنطقة، مؤكدًا أن ما يحدث حاليًا هو محاولة واضحة لفرض الإرادات بين الأطراف المختلفة، في إطار صراع استراتيجي أوسع يتعلق بإعادة تشكيل التوازنات الإقليمية.

ووفقًا لفرج، لا يعد سقوط إيران في مصلحة المنطقة ولا في مصلحة مصر تحديدًا، لأن وجود إيران يمثل جزءًا من معادلة التوازن الاستراتيجي في الشرق الأوسط، وأضاف أن المنطقة تحتاج إلى وجود قوى إقليمية متعددة مثل مصر وتركيا وإيران للحفاظ على هذا التوازن، خاصة بعد ما شهدته المنطقة من تراجع في أدوار دول محورية مثل العراق وسوريا اللتين تحتاجان إلى سنوات طويلة حتى تستعيدا قوتهما وتأثيرهما.

اقرأ أيضًا: تداعيات الحرب الأمريكية الإيرانية على الاقتصاد المصري

أهداف الحرب الحقيقية

أوضح فرج أن الحرب الحالية يمكن اعتبارها المرحلة الثانية من الصراع، بعد ما وصفه بالحرب الأولى التي اندلعت بين إسرائيل والولايات المتحدة من جهة وإيران من جهة أخرى، والتي استمرت لمدة اثني عشر يومًا في يونيو من العام الماضي، وأكد أن الهدف العسكري في تلك المرحلة كان واضحًا، حيث تركزت الضربات على المنشآت النووية الإيرانية ومراكز التخصيب بهدف منع إيران من امتلاك سلاح نووي.

وأضاف أن ما يثير التساؤلات في المرحلة الحالية هو إعلان هدف جديد يتمثل في إسقاط النظام الإيراني، وهو أمر يراه غير واقعي من الناحية العسكرية، وفسر ذلك بأن إسقاط الأنظمة السياسية لا يمكن أن يتحقق من خلال الضربات الجوية أو الصاروخية فقط، لأن تغيير الأنظمة يحدث عادة من الداخل عبر تحركات شعبية أو من خلال احتلال عسكري مباشر.

وأوضح أن هذين السيناريوهين غير متوفرين في الحالة الإيرانية؛ فالولايات المتحدة لا تستطيع الدخول في حرب برية داخل إيران لما قد يترتب على ذلك من تكرار سيناريوهات مكلفة حدثت في دول أخرى، كما أن إسرائيل لا تمتلك القدرة العسكرية الكافية لشن عملية برية في دولة كبيرة بحجم إيران، لذلك فإن الهدف الحقيقي من التصعيد العسكري يتمثل في زيادة الضغط على طهران لدفعها إلى القبول بالشروط الأمريكية والإسرائيلية في المفاوضات.

الضغط على إيران لقبول شروط التفاوض

بحسب فرج، الشروط الأمريكية الإسرائيلية تتلخص في ثلاثة مطالب رئيسة؛ أولها منع إيران بشكل كامل من امتلاك سلاح نووي، وثانيها تقليص برنامج الصواريخ الباليستية الإيرانية الذي أثبت فعاليته في المواجهات الحالية، وثالثها وقف دعم إيران لما يعرف بالأذرع العسكرية التابعة لها في المنطقة، مثل حزب الله في لبنان، وبعض الفصائل المسلحة في العراق وسوريا، إضافة إلى جماعة الحوثي في اليمن، فضلاً عن دورها في دعم الفصائل في قطاع غزة.

وأشار اللواء سمير فرج إلى أن رفض إيران لهذه المطالب كان أحد الأسباب الرئيسة التي أدت إلى اندلاع العمليات العسكرية الحالية، والتي تتطور بشكل متسارع يومًا بعد يوم، وأضاف أن إيران تمكنت خلال المواجهات الأخيرة من توجيه ضربات صاروخية مؤثرة داخل إسرائيل، ما أدى إلى حالة من القلق بين السكان الذين أصبحوا يقضون فترات طويلة داخل الملاجئ.

اقرأ أيضًا: الحرب الأمريكية الإيرانية تعيد تشكيل خريطة العملات عالميًا

أخطاء إيران.. ثغرات أمنية سبق أن ظهرت

في الوقت نفسه، لفت اللواء سمير فرج إلى أن إيران ارتكبت بعض الأخطاء التي وصفها بـ”غير المفهومة”، خاصة فيما يتعلق بتكرار ثغرات أمنية سبق أن ظهرت خلال المواجهة السابقة، وهو ما أدى إلى خسائر كبيرة، من بينها اغتيال قيادات بارزة مثل المرشد الإيراني وعدد من القادة العسكريين.

وأكد أنه من المفترض أن تكون الدول قد تعلمت من أخطاء الحروب السابقة، مشيرًا إلى أن الحروب بطبيعتها تعلم الجيوش وتطوّر خبراتها، كما حدث في التجربة المصرية بين حرب الاستنزاف وحرب أكتوبر.

مدة الحرب الإيرانية لن تتجاوز سابقتها

فيما يتعلق بمدة الحرب، أعرب فرج عن اعتقاده بأن الصراع لن يستمر لفترة طويلة كما يتوقع البعض، مشيرًا إلى أن بعض التقديرات الأمريكية تحدثت عن احتمال استمرار المواجهة لمدة أربعة أسابيع، لكنه يرى أن هذا السيناريو غير مرجح، واعتبر أن الحرب قد لا تتجاوز مدة الاثني عشر يومًا التي استغرقتها المواجهة السابقة، خاصة مع بدء تأثيراتها المباشرة على الاقتصاد العالمي.

وأوضح أن استمرار الحرب قد يؤدي إلى ارتفاع أسعار النفط بشكل كبير، كما أن هناك مخاوف من إغلاق مضيق هرمز الذي يمثل أحد أهم ممرات الطاقة في العالم، وأضاف أن إغلاق مضيق باب المندب أيضًا قد يؤدي إلى تعطيل نحو 20% من حركة النفط العالمية، وهو ما سيؤثر بشكل مباشر على الاقتصاد الدولي.

مواقف القوى الكبرى من اشتعال الصراع

تناول اللواء سمير فرج موقف القوى الكبرى من الصراع، مشيرًا إلى أن كثيرين يتساءلون عن دور كل من روسيا والصين في هذه الأزمة، لا سيّما أنَّ الصين تعتمد بشكل كبير على النفط الإيراني، حيث تستورد نسبة كبيرة من احتياجاتها من الطاقة من إيران، ومع ذلك فإن تحركاتها حتى الآن تقتصر على إرسال سفينة استخباراتية إلى منطقة الخليج، دون تدخل عسكري مباشر.

وأضاف أن روسيا أيضًا لم تقدم دعمًا عسكريًا مباشرًا لإيران، موضحًا أن السياسات الدولية تحكمها المصالح في المقام الأول، وأن كل دولة تتحرك وفق ما يخدم مصالحها الاستراتيجية، وليس بالضرورة وفق التحالفات السياسية المعلنة.

وأشار إلى أن الصين تحديدًا تركز في المرحلة الحالية على تعزيز قوتها الاقتصادية، ولذلك من غير المتوقع أن تدخل في مواجهة عسكرية مباشرة، وإن كان من الممكن أن تقدم دعمًا سياسيًا أو معلوماتيًا محدودًا.

اقرأ أيضًا: من رأس لفان إلى هرمز.. هل يدخل الغاز العالمي منطقة الخطر؟

تابعنا على صفحتنا على فيسبوك

تابعنا أيضًا على صفحتنا على إنستغرام

أخبار ذات صلة