سادت حالة من القلق بين المستثمرين في الأسواق المالية العالمية مع تزايد المخاوف من احتمال حدوث صدمة في أسعار الطاقة وارتفاع معدلات التضخم، في ظل مؤشرات على إطالة أمد الصراع الدائر في منطقة الشرق الأوسط.
ويخشى المستثمرون أن يؤدي استمرار التوترات العسكرية إلى زيادة الضغوط التضخمية، وهو ما قد يهدد وتيرة النمو الاقتصادي العالمي ويضعف في الوقت نفسه احتمالات خفض أسعار الفائدة الرئيسة خلال الأشهر المقبلة.
تقلبات حادة في أسعار الأصول داخل الأسواق المالية
في هذا السياق، رصدت شبكة “يو إس نيوز” الأمريكية تقلبات حادة في أسعار الأصول داخل الأسواق المالية العالمية عقب الضربات الأمريكية والإسرائيلية المشتركة التي استهدفت إيران قبل أيام.
وأشارت الشبكة إلى أن الاضطرابات التي يشهدها مضيق هرمز، وهو الممر المائي الحيوي الذي تمر عبره نحو 20% من إمدادات النفط العالمية، قد تؤدي إلى ارتفاع أسعار الطاقة، وهو ما يزيد بدوره من مخاطر تسارع معدلات التضخم على مستوى العالم.
وفي السياق ذاته، أكدت الدكتورة رانيا الجندي، الخبيرة الاقتصادية، أن التصعيد العسكري المتسارع بين إيران وعدد من دول الخليج يمثل تطورًا بالغ الخطورة ليس فقط على المستوى الجيوسياسي، بل على الاقتصاد العالمي بأسره.
وأوضحت الخبيرة أنَّ العالم يمر بلحظة توتر تعيد إلى الأذهان أكثر الفترات حساسية في تاريخ المنطقة، مشيرة إلى أن هذه المواجهة، رغم أنها تبدو جغرافيًا محصورة داخل نطاق إقليمي محدد، فإن انعكاساتها الاقتصادية تمتد بسرعة إلى الأسواق المالية العالمية.
وأضافت الجندي أن خطورة التصعيد الحالي تكمن في وقوعه داخل أهم منطقة لإمدادات الطاقة في العالم، مشيرة إلى أن أي تهديد لحركة الملاحة في هذا المضيق الحيوي كفيل بإحداث اضطرابات واسعة في أسواق الطاقة العالمية، وهو ما بدأ بالفعل في الظهور من خلال الارتفاع الملحوظ في أسعار خام برنت وخام غرب تكساس، وأكدت أن هذه الزيادات تعكس مخاوف الأسواق من حدوث قفزات أكبر في الأسعار إذا توسع نطاق المواجهة العسكرية.
اقرأ أيضًا: ارتفاع مفاجئ في أسعار الوقود مع تصاعد حرب الشرق الأوسط
أسعار النفط وموجة تضخم جديدة
أوضحت أن ارتفاع أسعار النفط لا يقتصر تأثيره على زيادة تكلفة الوقود فقط، بل يمتد ليشعل موجة تضخم عالمي جديدة، حيث ترتفع تكلفة النقل والإنتاج والطاقة في مختلف القطاعات الاقتصادية، كما يؤدي ذلك إلى ضغوط إضافية على البنوك المركزية حول العالم، التي قد تضطر إلى تأجيل خطط خفض أسعار الفائدة التي كانت مطروحة لدعم النمو الاقتصادي.
ونقلت الشبكة عن كبير استراتيجي الاستثمار في شركة “نورثرن ترست”، لإدارة الأصول في سان دييغو، جوزيف تانيوس، تصريحاته أن المستثمرين يشعرون بقلق متزايد رغم عدم حدوث تغيرات جوهرية كبيرة منذ اليوم السابق.
وأوضح أن القلق يتركز بشكل رئيس حول مدة استمرار الحرب وتأثيرها المحتمل على أسعار الطاقة، مشيرًا إلى أن الأسواق بدأت تدرك بشكل متزايد أن استمرار الصراع لفترة طويلة قد يؤدي إلى إضعاف النمو الاقتصادي العالمي وإعادة إشعال الضغوط التضخمية.
اضطرابات في أسواق الأسهم والسندات
في ظل استمرار ارتفاع أسعار النفط في الأسواق العالمية لليوم الثاني على التوالي، شهدت مؤشرات الأسهم الرئيسة في بورصة “وول ستريت” تراجعاً ملحوظاً، حيث انخفض مؤشر ستاندرد آند بورز 500 بنسبة 0.9%.
ورغم أن الأسهم تمكنت لاحقاً من تقليص جزء من خسائرها التي سجلتها في وقت سابق من جلسة التداول، فإن مؤشر “ستاندرد آند بورز 500” سجل أدنى مستوى له خلال أكثر من ثلاثة أشهر، كما شهدت القطاعات الأحد عشر المدرجة ضمنه انخفاضًا، وهو ما يعكس عمليات بيع واسعة في السوق.
وفي الوقت نفسه، تراجعت أسعار السندات الحكومية العالمية قبل أن تستعيد جزءًا من خسائرها، مع استمرار المتداولين في تقييم احتمالات استمرار الصراع وتأثيره على الأسواق المالية والاقتصاد العالمي.
كما سجل مؤشر مجلس بورصة شيكاغو للخيارات، المعروف باسم مؤشر التقلبات أعلى مستوى له منذ أكثر من ثلاثة أشهر، ويُعرف هذا المؤشر أيضًا باسم “مؤشر فيكس”، ويعد من أبرز المؤشرات التي تعكس مستوى القلق أو ما يعرف بـ “منسوب الخوف” في بورصة “وول ستريت” ، إذ يقيس درجة التقلبات المتوقعة في مؤشر ستاندرد آند بورز 500 الذي يعد المؤشر الرئيس للأسهم الأمريكية.
وفي هذا السياق، صرّح كبير مسؤولي الاستثمار في استراتيجيات الأسهم لدى شركة “ريسيرش أفلييتس” في مدينة نيوبورت بيتش بولاية كاليفورنيا، كيو نجوين، بأن ردود فعل الأسواق شهدت تصاعدًا ملحوظًا في حدتها، مشيراً إلى أنه لا توجد حتى الآن مؤشرات واضحة على قرب التوصل إلى حل سريع للأزمة، وأضاف أن كثيراً من المستثمرين بدأوا يدركون أن الوضع أكثر تعقيداً مما كان متوقعاً في البداية.
ارتفاع معدل التضخم في الولايات المتحدة
أشارت شبكة “يو إس نيوز” إلى أن المستثمرين باتوا أكثر تركيزًا على الضغوط المحتملة على التضخم نتيجة استمرار ارتفاع أسعار النفط، حيث بلغ سعر خام برنت القياسي نحو 81 دولاراً للبرميل، مقارنة بحوالي 60 دولاراً في بداية العام.
كما ارتفع معدل التضخم المتوقع في الولايات المتحدة خلال خمس سنوات، وهو أحد المؤشرات التي يعتمد عليها السوق لقياس توقعات التضخم، ليصل إلى 2.503% في وقت متأخر من يوم الاثنين، وهو أعلى مستوى له منذ 11 فبراير الماضي.
وأوضحت الشبكة أن تقديرات خبراء الاقتصاد في بنك “جولدمان ساكس” تشير إلى أن الارتفاع المستمر في أسعار النفط بنسبة 10% قد يؤدي إلى زيادة مؤشر أسعار المستهلكين، وهو المقياس الأكثر متابعة للتضخم، بنحو 28 نقطة أساس.
ما هي الملاذات الآمنة في الوقت الراهن؟
أوضحت الدكتورة رانيا الجندي أن الأزمات الجيوسياسية والحروب تدفع المستثمرين عادة إلى البحث عن الملاذات الآمنة، حيث يؤدي ذلك إلى ارتفاع قيمة الدولار الأمريكي وزيادة الإقبال على سندات الخزانة الأمريكية باعتبارها من أكثر الأصول أمانًا، إلى جانب تحقيق الذهب مكاسب ملحوظة باعتباره مخزنًا تقليديًا للقيمة في أوقات عدم اليقين. وفي المقابل، تتعرض أسواق الأسهم لضغوط ملحوظة، خاصة في الأسواق الناشئة التي تشهد عادة خروجًا جزئيًا لرؤوس الأموال الأجنبية.
كما أشارت إلى أن بعض القطاعات الاقتصادية العالمية قد تستفيد من هذه التطورات، وعلى رأسها شركات الطاقة الكبرى التي تحقق مكاسب مباشرة من ارتفاع أسعار النفط، بينما يتضرر قطاع الطيران بشكل ملحوظ نتيجة ارتفاع تكاليف الوقود واضطراب حركة الطيران العالمية، وهو ما يؤدي إلى زيادة الضغوط على أرباح شركات الطيران.
اقرأ أيضًا: ارتفاع أسعار الذهب.. هل تقترب الأوقية من 6000 دولار؟
الأسواق تُعدل توقعاتها بشأن خفض أسعار الفائدة
في ظل المعطيات الحالية، بدأت الأسواق المالية في تعديل توقعاتها بشأن خفض أسعار الفائدة من قبل مجلس الاحتياط الفيدرالي الأمريكي، وتشير بيانات العقود الآجلة لصناديق الاحتياطي الفيدرالي إلى احتمال بنسبة 56% بأن يُبقي البنك المركزي الأمريكي على أسعار الفائدة دون تغيير خلال اجتماعه المقرر في يونيو المقبل.
ويأتي ذلك بعد أن كانت الأسواق، في أواخر الشهر الماضي، تتوقع بنسبة تزيد على 50% أن يقوم الاحتياط الفيدرالي بخفض أسعار الفائدة خلال ذلك الاجتماع، وفقاً لبيانات مجموعة “سي إم إي” المتخصصة في متابعة توقعات سياسات الاحتياط الفيدرالي.
واختتمت الدكتورة رانيا الجندي تصريحاتها بالتأكيد على أن الأسواق العالمية غالبًا ما تستعيد توازنها إذا ظل التصعيد العسكري محدودًا من حيث الزمن والنطاق الجغرافي، لكنها حذرت من أن إطالة أمد المواجهة أو حدوث اضطرابات مباشرة في ممرات الطاقة العالمية قد يؤدي إلى موجة تضخمية عالمية جديدة تضغط على الاقتصاد الدولي، مؤكدة أن العالم يمر بمرحلة شديدة الحساسية، وأن تكلفة الصراعات لا تظهر فقط في ساحات القتال، بل تنعكس على أسعار الطاقة وقيمة العملات ومستوى المدخرات في مختلف الاقتصادات.
اقرأ أيضًا: الحرب بين أمريكا وإيران.. سيناريوهات التصعيد في الشرق الأوسط