في فبراير 2022، انطلقت الحرب الروسية على أوكرانيا، تلتها لاحقاً حرب غزة، وكانت من أبرز الأسلحة المستخدمة فيها الحرب الدعائية عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وقد نجحت الدول الغربية في محاصرة روسيا إعلامياً، حيث قادت حملة عالمية قلبت الرأي العام الدولي ضد موسكو، مستفيدة من أذرعها الإعلامية الكبرى مثل فيسبوك وتويتر ويوتيوب وأدوات رقمية أخرى.
ومع مرور 21 شهراً على الأزمة الأوكرانية، ومع اندلاع حرب غزة، ضخت إسرائيل أكثر من 7 ملايين دولار لتجييش الرأي العالمي ضد حركة حماس وتصوير الفلسطينيين، وخصوصاً سكان قطاع غزة، على أنهم أعداء للديمقراطية ويحملون صفات الإرهاب.
وشملت الحملة المئات من الإعلاميين والقنوات الإعلامية في الولايات المتحدة وألمانيا وفرنسا وبريطانيا، إلى جانب التحيز الواضح في فيسبوك ضد المحتوى الفلسطيني والعربي، الذي يتم إغلاقه بعد دقائق من نشره.
وتحوّل هذا الصراع الإعلامي، بعيداً عن أخلاقيات الصحافة ونقل الحقيقة، من مرحلة الترويج والمواجهة إلى مرحلة حرب على كل من لا يمنع وصول المجازر إلى منصات التواصل الاجتماعي، وكان أبرز ضحايا هذه الحرب إيلون ماسك، مالك منصة X المعروفة سابقاً بتويتر.
منصة X وحرب غزة
لم تلجأ منصة X، على عكس غيرها من المنصات، إلى التحقق من المحتوى المتعلق بالحرب على غزة، وسمحت بنشر مواد تظهر حجم الدمار الذي تسببه العمليات العسكرية الإسرائيلية، مما أثار موجة غضب في إسرائيل وحلفائها ضد إيلون ماسك. وقد تصاعدت الحملة نهاية الأسبوع الثالث من نوفمبر 2023، بعد أن قام كبار المعلنين، مثل شركة أبل، بسحب إعلاناتهم وانتقد البيت الأبيض موقف ماسك.
وجاءت الأزمة بعد أن أقر ماسك منشوراً يصف فيه الشعب اليهودي بأنه يحمل “كراهية جدلية” تجاه البيض، قائلاً “لقد أصبت كبد الحقيقة”، ويتفاعل ماسك بانتظام مع المستخدمين المتهمين بمعاداة السامية على منصة إكس.
وفي هذا السياق، وصف البيت الأبيض رد ماسك بأنه تصرف غير مقبول يعرّض المجتمعات اليهودية للخطر، وفي الوقت نفسه، عارض العديد من المساهمين في شركة تسلا موقفه، حتى أن بعضهم طالب بضرورة إيقافه عن منصبه كرئيس تنفيذي للشركة.
وقال أندرو بيتس، المتحدث باسم البيت الأبيض، في بيان أمس، إن الأمريكيين ملزمون بالتنديد بأي شخص يهاجم كرامة المواطنين الأمريكيين ويعرّض سلامة مجتمعاتهم للخطر.
المعلنون يهجرون”X”
زاد تعليق إيلون ماسك من حدة ردود الفعل التي أثارها تقرير صدر يوم الخميس، 16 نوفمبر 2023، عن شركة Media Matters، والذي أفاد بأن إعلانات شركات مثل أبل وIBM وأوراكل، إضافة إلى العلامة التجارية Xfinity التابعة لشركة كومكاست، وشبكة تلفزيون Bravo، كانت تُعرض على منصة X إلى جانب محتوى يحمل تأييداً للنازية.
وأدى ذلك إلى قيام العديد من هذه الشركات بسحب إعلاناتها عن المنصة، وانضمت إليها أيضاً شركة Warner Bros. Discovery.
ومواجهةً لسيل الانسحابات، كتب ماسك تغريدة قال فيها إن ما أوردته شركة Media Matters “شوّه تماماً تجربة المستخدم الحقيقية على المنصة”، مضيفاً أن المنصة تخطط لرفع دعوى قضائية ضد الشركة يوم الاثنين.
قد يهمّك أيضًا: لماذا تحوّل تويتر إلى X؟ إليك تفاصيل خطة إيلون ماسك
حرب غزة تؤجج الصراع
تأتي أحدث تصريحات إيلون ماسك في وقت تتزايد فيه ما يُعرف بمعاداة السامية وكراهية الإسلام على مستوى العالم وسط الحرب بين إسرائيل وحماس. وأشارت رابطة مكافحة التشهير إلى أن معاداة السامية على منصة X ارتفعت بأكثر من 900% خلال الأسبوع الذي أعقب الهجوم الأولي الذي شنه حماس في 7 أكتوبر، مقارنة بالأسبوع الذي سبقه.

في العام الماضي، دعت اللجنة اليهودية الأمريكية إيلون ماسك إلى الاعتذار بعد أن حذف تغريدة مثيرة للجدل تضمنت مقارنة ساخرة بين رئيس الوزراء الكندي جاستن ترودو وأدولف هتلر.
وقال روس غربر، المؤسس المشارك والرئيس التنفيذي لشركة إدارة الثروة Gerber Kawasaki، على شبكة CNBC يوم الخميس: “لم يسبق لي أن واجهت هذا مع أي شركة استثمرت فيها في حياتي، حيث يقوم الرئيس التنفيذي بنفسه بالكثير من الأفعال الضارة، إنه يدمر العلامة التجارية”.
واتهم ماسك رابطة مكافحة التشهير، وهي مجموعة يهودية للدفاع عن الحقوق المدنية، بتقويض عوائد الإعلانات على منصة X من خلال تسليط الضوء على المحتوى المتطرف الذي دفع المعلنين للانسحاب. وقال ماسك في سبتمبر إن مبيعات الإعلانات على المنصة انخفضت بنسبة 60%، معتبراً أن السبب الرئيس يعود إلى الضغوط التي تمارسها رابطة مكافحة التشهير، بعد أن أظهرت المنظمة زيادة في التقارير عن المضايقات والمحتوى المتطرف منذ توليه إدارة الشركة.
اقرأ أيضًا: إيلون ماسك يشن هجومًا لاذعًا على وول ستريت
التأثير على “تسلا”
في سبتمبر، التقى إيلون ماسك برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في مكاتب شركة تسلا في مدينة فريمونت بولاية كاليفورنيا، لإجراء نقاش تم بثه تلفزيونياً، وقال فيه: “أنا ضد معاداة السامية بوضوح، وأنا ضد أي شيء يشجع على الكراهية والصراع”.
وخلال اللقاء الطويل الذي تناول موضوعات متعددة، كشف ماسك أنه التحق بمدرسة يهودية أثناء نشأته في جنوب أفريقيا، وأنه يستطيع أداء الأغنية الشعبية اليهودية “هافا ناجيلا” والتي تعني “دعونا نحتفل”.
وقالت كريستين هال، المؤسس والرئيس التنفيذي لصندوق Nia Impact Capital، إنها شعرت “بالفزع” من منشورات ماسك الأخيرة، مضيفة أن “تأثير الخطاب الخاطئ والعنصري والمعادي للسامية للرئيس التنفيذي يؤثر بشكل مباشر على علامة تسلا التجارية وأرباحها بشدة”، مؤكدة أن الرد المناسب قد يشمل توجيه مجلس إدارة الشركة اللوم له، أو خفض منصبه، أو تعيينه في منصب آخر، أو وقفه عن أداء مهامه، أو حتى إقالته.
المفوضية الأوروبية تدخل على خط الأزمة
أعلنت المفوضية الأوروبية يوم الجمعة أنها نصحت موظفيها بوقف الإعلان على منصة X، بسبب الزيادة المثيرة للقلق في المعلومات “المضللة” وخطاب “الكراهية”، دون الإشارة صراحة إلى منشورات ماسك، وقد نشرت صحيفة بوليتيكو الخبر أولاً.
وقال جو بيناروش، رئيس العمليات التجارية في المنصة، في رسالة إلى بلومبرغ: “لم تبلغ قيمة إعلانات المفوضية الأوروبية إلا نحو 5000 دولار حتى الآن هذا العام، لكنها لا تزال تنشر بشكل طبيعي عبر جميع حساباتها على X”.
اقرأ أيضًا: الحرب على غزة تدمر اقتصاد إسرائيل