يدخل الاقتصاد العالمي نفقاً من عدم اليقين مع تصاعد وتيرة التوترات الجيوسياسية في منطقة الشرق الأوسط، حيث لم تعد التداعيات محصورة في النطاق الجغرافي للصراع، بل امتدت لتهدد أمن الطاقة وسلاسل التوريد العالمية. في ظل هذا المشهد المعقد، تبرز تساؤلات ملحة حول قدرة الأسواق الناشئة على الصمود، ومدى تأثر مستهدفات التضخم العالمية بعودة النفط إلى واجهة الأزمات.
وفي هذا السياق، أكد الدكتور ناصر حسن، الخبير الاقتصادي، أن التصعيد العسكري بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى يفرض تداعيات اقتصادية واسعة لا تقتصر على منطقة الشرق الأوسط فقط، بل تمتد إلى الاقتصاد العالمي والأسواق المالية، مشيراً إلى أن هذه التطورات قد تنعكس أيضاً على الموازنات العامة للدول، خاصة في الاقتصادات الناشئة التي تتأثر سريعاً بتحركات أسعار الطاقة وسعر الصرف.
التعامل مع التحديات الراهنة
أوضح حسن أن من أهم الأدوات التي يمكن استخدامها للتعامل مع التقلبات المرتبطة بأسعار الطاقة هي التحوط عبر عقود المشتقات المرتبطة بأسعار النفط ومصادر الطاقة المختلفة، خاصة أن أسعار الكهرباء والطاقة في العديد من الدول تعتمد بشكل كبير على أسعار البترول. وأضاف أن استخدام هذه الأدوات يساعد الحكومات والمؤسسات الاقتصادية على تقليل المخاطر المرتبطة بالتقلبات الحادة في أسعار الطاقة العالمية.
وأشار الخبير الاقتصادي إلى أن تغيرات سعر الصرف تمثل تحديًا آخر في ظل هذه الظروف، مؤكداً أن إدارة سعر الصرف تحتاج إلى قدر كبير من المرونة حتى تتمكن الاقتصادات من امتصاص الصدمات الخارجية والتعامل مع التحركات السريعة في الأسواق العالمية.
وأضاف حسن أن أحد الجوانب المهمة في مواجهة هذه التطورات يتمثل في الحفاظ على أولويات الإنفاق داخل الموازنة العامة، خاصة في ظل دخول الحكومات مرحلة إعداد موازناتها للعام المالي الجديد، موضحًا أن هذه المرحلة تتطلب قدرًا كبيرًا من الحساسية في إدارة الموارد المالية وتوجيه الإنفاق نحو القطاعات الأكثر أهمية مثل التعليم والصحة، مع العمل في الوقت نفسه على تحقيق التوازن المالي.
الموازنة العامة في مصر
بالنسبة لمصر، لفت الخبير إلى أن الموازنة العامة للبلاد تستهدف خفض دين أجهزة الموازنة إلى نحو 75.5% من الناتج المحلي الإجمالي، إلى جانب تقليص العجز إلى نحو 4.9%، وهي أهداف تتطلب استمرار الالتزام بسياسات الضبط المالي رغم التحديات الاقتصادية العالمية.
وأوضح حسن أن إعداد الموازنة الحالية تم على أساس متوسط سعر للنفط يبلغ نحو 75 دولاراً للبرميل، في حين أن متوسط الأسعار خلال الأشهر الماضية ظل أقل من 70 دولاراً للبرميل، وهو ما وفر قدراً من المساحة المالية المؤقتة، إلا أنه حذر من أن تفاقم التوترات الجيوسياسية وارتفاع أسعار السلع عالمياً قد يؤديان إلى عودة الضغوط على فاتورة الطاقة والواردات، إضافة إلى زيادة تكلفة خدمة الدين.
وبشكل عام، أكد الخبير أن هذه التطورات قد تشكل تحديًا حقيقيًا أمام تحقيق مستهدفات الضبط المالي، حيث يتعين على الحكومات تحقيق توازن دقيق بين الحفاظ على استقرار المؤشرات المالية من جهة، والحد من انتقال الضغوط التضخمية وارتفاع الأسعار إلى المواطنين من جهة أخرى.
ارتفاع أسعار النفط عالمياً
أشار الخبير الاقتصادي إلى أن مسار الأسعار العالمية خلال الفترة المقبلة سيظل مرتبطاً بمدى قدرة الاقتصاد العالمي على احتواء الصدمات الخارجية، إضافة إلى تطورات الأوضاع الجيوسياسية في المنطقة واستمرار التوترات الإقليمية.
وأضاف حسن أن ارتفاع أسعار النفط عالمياً، إلى جانب صعود الدولار نتيجة خروج جزء من الاستثمارات الأجنبية من الأسواق الناشئة، قد يؤدي إلى زيادة الضغوط على تكلفة الواردات وارتفاع الأسعار في العديد من الدول.
واختتم الدكتور ناصر حسن تصريحاته بالتأكيد على أن الموازنات العامة قد تجد نفسها أمام اختبار جديد في ظل هذه التطورات، مشيراً إلى أن المرحلة المقبلة تتطلب إعداد موازنات أكثر مرونة وقدرة على التكيف مع الصدمات الخارجية، بما يسمح بالاستجابة للتغيرات الاقتصادية العالمية دون الإخلال بأهداف الاستقرار المالي.
اقرأ أيضًا: لماذا لم يقفز النفط إلى 100 دولار للبرميل؟
تغير معطيات التضخم العالمي
أوضح الباحث الاقتصادي محمد محمود أن الحرب الدائرة حاليًا في منطقة الشرق الأوسط تلقي بظلالها بشكل كبير على الاقتصاد الدولي، مشيراً إلى أن تداعياتها لا تقتصر على الجانب العسكري أو السياسي فقط، بل تمتد لتؤثر بصورة مباشرة في أسواق الطاقة ومعدلات التضخم العالمية.
وأضاف محمود أن أحد أبرز العوامل التي تعكس خطورة التصعيد الحالي يتمثل في الأهمية الاستراتيجية لمضيق هرمز، الذي يمر عبره يومياً نحو 20 مليون برميل من النفط، وهو ما يمثل قرابة 20% من إجمالي تجارة النفط العالمية أو من القدرة التصديرية للنفط في العالم، وأكد أن أي اضطراب في هذا الممر البحري الحيوي من شأنه أن يؤثر بشكل كبير على أسواق الطاقة العالمية.
وأشار إلى أن هذه التطورات قد تؤدي إلى تغيير معطيات التضخم العالمي، خاصة في وقت كانت فيه معدلات التضخم قد بدأت بالفعل في الانحسار خلال الفترة الماضية، وأوضح أن هذا التراجع في التضخم انعكس بشكل واضح على السياسات النقدية في العديد من دول العالم، وعلى رأسها السياسة النقدية للاحتياطي الفيدرالي الأمريكي الذي بدأ يحقق تقدماً نسبياً في السيطرة على التضخم داخل الولايات المتحدة، وهو ما انعكس بدوره على عدد من الاقتصادات العالمية، لا سيما الاقتصادات الناشئة.
وأكد الباحث الاقتصادي أن استمرار الحرب الحالية، إلى جانب الارتفاع في أسعار النفط، قد يعيد الضغوط التضخمية إلى الواجهة من جديد، مشيرًا إلى أن أسعار النفط شهدت بالفعل ارتفاعا ملحوظا خلال الفترة الأخيرة، حيث سجلت زيادة تقارب 10% ليصل سعر البرميل إلى نحو 79 دولاراً، وهو مستوى مرتفع نسبياً قد تكون له انعكاسات مباشرة على الاقتصاد العالمي.
وأوضح محمود أن هذه الزيادة في أسعار النفط قد تسهم في رفع معدلات التضخم العالمية بنسب تتراوح بين 0.5% إلى 0.7%، وفقًا لبعض التقديرات، وهي نسبة ليست ضئيلة بالنظر إلى حجم الاقتصاد العالمي وتعقيدات الأسواق المالية الدولية.
ارتفاع التكلفة الاقتصادية للحرب
أشار محمود إلى أن أحد أبرز التحديات في تحليل تأثيرات هذه الحرب يتمثل في عدم وضوح مدتها الزمنية، موضحاً أنه لا توجد حالياً معطيات دقيقة تسمح بتحديد ما إذا كانت الحرب ستستمر لأيام أو أسابيع أو حتى لأشهر، وأكد أن استمرار الصراع لفترة أطول يعني ارتفاع التكلفة الاقتصادية للحرب على الاقتصاد العالمي يوماً بعد يوم.
وأضاف أنّ اندلاع الحرب في حد ذاته لم يكن أمراً مفاجئاً بشكل كامل، حيث كانت هناك سيناريوهات متوقعة تتحدث عن احتمالات استهداف إيران للمصالح الأمريكية في المنطقة، مثل آبار النفط أو المنشآت الحيوية أو القواعد العسكرية الأمريكية، ومع ذلك فإن السيناريوهات المتعلقة بطبيعة الحرب ومدتها الزمنية غير واضحة حتى الآن.
وأشار محمود إلى أن هناك بلا شك قدراً من سوء التقدير السياسي والاقتصادي فيما يتعلق بتكلفة هذه الحرب، مؤكداً أن التكاليف المباشرة وغير المباشرة للصراع ستنعكس في النهاية على المواطن الأمريكي والمواطنين في مختلف دول العالم.
وأوضح أن تكلفة الحرب لا تقتصر فقط على ارتفاع أسعار النفط، بل تمتد أيضاً إلى تكاليف أخرى غير مباشرة، مثل ارتفاع أسعار الشحن البحري وارتفاع تكلفة التأمين على السفن التجارية التي تنقل النفط، وهذه العوامل قد تُضيف ما يتراوح بين دولار واحد إلى أربعة دولارات على سعر برميل النفط، وهي تكلفة غير مباشرة تتحملها في النهاية الأسواق العالمية والمستهلك النهائي.
وأضاف أن هذه الزيادات في التكلفة تنتقل تدريجياً إلى المستهلكين والحكومات على حد سواء، حيث تعتمد العديد من الدول في إعداد موازناتها العامة على تقديرات محددة لأسعار النفط، وبالتالي فإن أي ارتفاع في الأسعار يؤدي إلى اتساع العجز في الموازنات العامة لتلك الدول.
اقرأ أيضًا: الحرب بين أمريكا وإيران.. سيناريوهات التصعيد في الشرق الأوسط
هل هناك مكاسب اقتصادية من الحرب في الشرق الأوسط ؟
أشار محمود إلى أن الحكومات قد تضطر في مثل هذه الحالات إلى التعامل مع العجز المالي من خلال عدة أدوات، مثل زيادة الاقتراض أو إصدار أدوات دين سيادية أو حتى اللجوء إلى التوسع النقدي، وهو ما يضيف مزيداً من الضغوط على الاقتصادات الوطنية.
وأكد الباحث الاقتصادي أنه لا يمكن الحديث عن مكاسب اقتصادية حقيقية لأي طرف في هذه الحرب، حتى بالنسبة لبعض الدول المنتجة للنفط التي قد تبدو مستفيدة ظاهرياً من ارتفاع الأسعار، لأنّ هذه الدول قد تواجه في المقابل تكاليف اقتصادية أخرى مرتبطة بالحرب، مثل تراجع قطاع السياحة والسفر، وارتفاع تكاليف تأمين البنية التحتية، إضافة إلى تراجع الاستثمارات الأجنبية، وهي عوامل قد تؤثر بشكل كبير على اقتصادات تلك الدول.
واختتم محمد محمود حديثه بالتأكيد على أن جذب الاستثمارات يعد أحد أهم العوامل الداعمة للاقتصادات، بل قد يكون في كثير من الأحيان أكثر أهمية من العوائد الاستثنائية الناتجة عن ارتفاع أسعار النفط، مشيراً إلى أن استمرار التوترات الجيوسياسية قد يعرقل تدفق الاستثمارات ويؤثر سلباً على الاستقرار الاقتصادي في المنطقة والعالم.
اقرأ أيضًا: الحرب على إيران تثير قلق الأسواق العالمية