تقرير: باسل محمود
مرّت 100 يوم على تولي كير ستارمر رئاسة الوزراء في بريطانيا، وعلى الرغم من أنّها فترة قصيرة نسبيًا، إلا أنّها كانت مليئة بالتحولات والأحداث الحاسمة التي رسمت ملامح حكومة حزب العمال الجديدة، بحسب تقارير صدرت عن “فاينينشيال تايمز” و”BBC”.
بين إنجازات حقيقية في تطبيق الإصلاحات المخطط لها، وتحديات كبيرة على الصعيدين الداخلي والخارجي، كان على حكومة ستارمر أن تواجه مقاومة سياسية من داخل مجلس الوزراء، مُضافًا إليها ضغوطات اقتصادية واجتماعية هائلة.
البدء بتنفيذ إصلاحات هيكلية واسعة
منذ وصوله إلى السلطة، حرص ستارمر على تنفيذ العديد من وعوده الانتخابية الأساسية التي كانت جزءًا لا يتجزأ من برنامج حزب العمال؛ منها إعادة تأميم السكك الحديدية، وتوسيع حقوق العمال، وتأسيس شركة طاقة وطنية باسم “GB Energy” بهدف تعزيز إنتاج الطاقة المستدامة في المملكة المتحدة.
وفيما يتعلق بالسياسات الاجتماعية، فقد ألغت الحكومة التقييمات التي تجريها هيئة “Ofsted” والمكونة من كلمة واحدة، وهي خطوة طال انتظارها خاصة من قبل المعلمين والنقابات التعليمية. كما تم العمل على إصلاح قواعد التخطيط العمراني، وهو ما يمكن أن يسهم في حل أزمة الإسكان التي تعاني منها البلاد منذ سنوات.
تلك الخطوات تعكس عزم حكومة ستارمر على تنفيذ جدول أعمالها الكبير، والمضي قدمًا في تقديم تغييرات هيكلية ملموسة، فقد صرّح أحد الوزراء في الحكومة قائلًا: “أجندتنا ضخمة، وأنا أشعر بتفاؤل حقيقي”، مشيرًا إلى أن هذه الإصلاحات هي بداية قوية لحكومة حزب العمال الجديدة.
التحديات التي تواجهها حكومة ستارمر
على الرغم من النجاحات التي حققتها الحكومة البريطانية الجديدة في عدة مجالات، إلا أنّ التحدي الأكبر الذي يواجه الحكومة يكمن في طبيعة تعاملها مع الأزمة المالية التي تعصف بالبلاد؛ حيث تقود وزيرة المالية راشيل ريفز الجهود الرامية إلى سد الفجوة المالية الهائلة التي تصل إلى 22 مليار جنيه إسترليني، والتي نتجت عن التزامات حكومية غير ممولة.
ولتحقيق ذلك، أعلنت ريفز عن نية الحكومة لرفع الضرائب أو تقليص الإنفاق العام بمقدار 40 مليار جنيه إسترليني ضمن ميزانية (2025/2026)، الأمر الذي أثار قلقًا كبيرًا داخل مجلس الوزراء؛ إذ إنّ الخطة المالية التي تسعى ريفز إلى تطبيقها تثير استياء بعض الوزراء الذين يعتبرون تخفيض الإنفاق العام بشكل كبير مُضِرًّا بقطاعات حيوية مثل الصحة، والتعليم، والدفاع، والنقل.
ومن جانبه وصف أحد المسؤولين الحكوميين هذه التخفيضات بـ “القاسية”، ما يوضح حجم الخلاف داخل الحكومة بشأن أفضل طريقة لإدارة الأزمة المالية، إذ عادةً ما يسخر المخضرمون في وزارة المالية من اعتراضات الوزراء ويصفونها بـ”التلويح بالأكفان”، لكن هذه المرة يبدو أن هناك استياءً حقيقيًا داخل مجلس الوزراء، فقد ورد عن أحد المصادر الحكومية: “الوزراء يشعرون بأن ما يحصلون عليه بائس جدًا، إنهم قلقون بشأن ما يعنيه ذلك لطموحات الحكومة والتزاماتها”.
اقرأ أيضًا: الأثرياء يخططون للهروب من بريطانيا
التحالف بين ستارمر وريفز
رغم التوترات الداخلية، يبدو أن التحالف بين رئيس الوزراء ستارمر ووزيرة المالية ريفز متينًا، وبحسب أحد حلفاء رئيس الوزراء، فإن ستارمر يدعم ريفز في كل خطوة، ويؤكد التزامه الكامل بخطتها المالية، فقد اجتمعا مرارًا خلال الأشهر الماضية لمناقشة الميزانية المزمع إعلانها في نهاية أكتوبر.
ما زالت ريفز مُصرةً على المضي قدمًا في خطتها لخفض الإنفاق، وتحديد أولويات الإنفاق الحكومي على مدى السنوات الخمس المقبلة رغم كل الانتقادات اللاذعة، حتى أصبح الموعد النهائي لإعلان الميزانية بمثابة اختبار حقيقي لتحالف ستارمر وريفز، ومدى قدرتهما على تنفيذ جدول الأعمال الاقتصادي لحكومة حزب العمال.
الخلافات الداخلية في الحكومة البريطانية
إلى جانب التحديات المالية، تواجه حكومة ستارمر تمردًا سياسيًا داخل مجلس الوزراء؛ حيث أظهر بعض الوزراء حالةً من عدم الرضا عن سياسات التقشف التي تتبناها الحكومة، وأرسلوا رسائل مباشرة إلى ستارمر للتعبير عن اعتراضهم، وهذا يعكس حجم الضغوط السياسية التي يواجهها رئيس الوزراء، خاصة في ظل توقعات بتقليص الإنفاق في قطاعات حيوية.
قال وزير بارز في تعليق له على الاحتجاجات: “من الطبيعي جدًا أن يكتب الزملاء إلى رئيس الوزراء خلال جولات الإنفاق، لكنه لن يفيدهم كثيرًا”. ما يجدر ذكره في هذا السياق هو أنّ هذا النوع من الخلافات الداخلية ليس جديدًا في الحياة السياسية البريطانية، لكن ما يميز هذه الحالة هو الاستياء العميق داخل الحكومة من خطة التقشف المالية، والتي يعتقد الكثيرون أنها قد تضعف فرص حكومة ستارمر في الحفاظ على شعبيتها بين الناخبين.
الأداء الدولي والنجاحات الدبلوماسية
على الرغم من التحديات الداخلية، أظهر كير ستارمر قدرة كبيرة على التعامل مع الأزمات الدولية، مما عزز من موقفه كزعيم عالمي، حيث تمكن خلال الأشهر الماضية من بناء علاقات دبلوماسية قوية، وتعامل بحنكة مع أزمات خارجية معقدة.
أحد المراقبين الدوليين قال إن “ستارمر لديه ميزة كبيرة تتمثل في الاستقرار والقوة السياسية”، واصفًا إياه بأنه “حذر وواثق” في تعاملاته الدبلوماسية. فضلًا عن ذلك، تمكن ستارمر من تهدئة بعض التوترات السياسية بين وستمنستر والإدارات المحلية في هوليرود وكارديف وستورمونت، وذلك من خلال إنشاء “مجلس الأمم والأقاليم”.
التوترات داخل فريق داونينغ ستريت
على الصعيد الداخلي، شهدت الأشهر الأولى لحكومة ستارمر بعض التوترات داخل فريق العمل في داونينغ ستريت، حيث كان رحيل سو غراي من منصبها كرئيسة موظفي الحكومة أحد العوامل التي ساعدت في تخفيف هذه التوترات، لكن لا يزال هناك قلق بشأن قدرة الحكومة على إدارة الأمور بفعالية في ظل هذا التغيير.
أحد أعضاء البرلمان صرّح بأن “ستارمر أظهر أنه يستطيع أن يكون قاسيًا عندما يتطلب الأمر”، مشيرًا إلى تغييرات أخرى في فريق العمل. وعمومًا، على الرغم من هذه التحسينات، ما تزال الحكومة بحاجة إلى تعزيز التنسيق الداخلي وضمان وجود رؤية سياسية واضحة تقود عملية اتخاذ القرار.
اقرأ أيضًا: مستقبل مشرق لاقتصاد بريطانيا بحلول 2038
ما الذي ينتظر حكومة ستارمر؟
بعد مرور 100 يوم على تولي كير ستارمر رئاسة الوزراء، صار من الواضح أن حكومته تقف أمام منعطف حاسم، فقد كانت التحديات المالية التي واجهتها والتمرد السياسي داخل مجلس الوزراء مجرد بداية لسلسلة من القرارات الصعبة التي يتعين على ستارمر اتخاذها في المستقبل القريب.
ومن هُنا، فإنّ نجاح هذه الحكومة أو فشلها سيعتمد إلى حد كبير على كيفية تعاملها مع الميزانية المرتقبة والإصلاحات المالية الكبرى التي تسعى إلى تنفيذها.
وعلى الرغم الانتقادات التي تواجهها الحكومة، لا يزال هناك تفاؤل حذر بين صفوف حزب العمال؛ حيث يرى بعض الوزراء أن حكومة ستارمر تتمتع بقدرة كبيرة على التكيف مع الظروف المتغيرة، وأنها قادرة على تحقيق نجاحات كبيرة إذا استطاعت تجاوز هذه العقبات الأولية، وهذا يؤكد أن أول 100 يوم من حكم كير ستارمر كانت بالفعل مليئة بالأحداث الكبرى.
بين النجاحات البارزة في تنفيذ الإصلاحات والضغوطات السياسية والمالية التي تواجهها الحكومة، تبقى الأسئلة الكبرى حول مستقبل هذه الحكومة مفتوحة، فهل ستتمكن حكومة حزب العمال من تجاوز هذه التحديات وتقديم رؤية اقتصادية واجتماعية قوية تلبي تطلعات الناخبين؟ الأشهر المقبلة ستكون حاسمة في تحديد الإجابة.