تقرير: باسل محمود
لمدة عقد من الزمان، كان الدولار الأميركي هو المسيطر على سوق العملات، لكن لا يدوم أي حال إلى الأبد.
وعلى عكس ما توقعه الكثيرون في وول ستريت، حصل الدولار الأميركي على دفعة جديدة هذا العام 2024، حيث دفعت بيانات التضخم المتقلبة المستثمرين إلى التراجع عن توقعات خفض أسعار الفائدة.
بالنسبة لقياس الدولار الأميركي مقابل العملات الأخرى، فإنه لا يزال أقل من الذروة الأخيرة في عام 2022، عندما كان الاحتياطي الفيدرالي يرفع أسعار الفائدة بقوة، لكنه يبقى باهظ الثمن تاريخياً بالقيم المعدلة حسب التضخم، حيث أنه أقل بنسبة 10% فقط من المستوى الذي أوقف عنده ريتشارد نيكسون قابلية تحويل الدولار إلى ذهب في عام 1971، وفقاً لبيانات بنك التسويات الدولية، ولم يكن الدولار قوياً بهذا الشكل باستمرار منذ الثمانينات عندما كان يرأس الاحتياطي الفيدرالي بول فولكر.
فوز ترامب يدعم الدولار الأميركي
شيء مشابه يمكن أن يحدث مرة أخرى على نطاق أصغر، خاصةً إذا فاز دونالد ترامب في الانتخابات الرئاسية في نوفمبر 2024.
مستشاروه الاقتصاديون سبق وأن أوصوا بضعف الدولار لتقليل العجز التجاري الأميركي، خاصةً بالنسبة لليوان الصيني، الذي يواجه ضغوطاً حالياً مع فرار المستثمرين الأجانب من السندات الصينية منخفضة العائد.
ربما يكون الأكثر أهمية هو أن النمو الاقتصادي يتسارع خارج حدود الولايات المتحدة، وقد وفر هذا تاريخياً الظروف المناسبة لضعف الدولار، حيث تشير البيانات الاقتصادية الأخيرة إلى أن منطقة اليورو واليابان بدأتا في الانتعاش، ويبدو أن انتعاش الصين يكتسب زخماً، وبكين تتدخل بقوة لدعم اليوان.
اقرأ أيضا: قبضة الدولار تكسر الاقتصادات الضعيفة
عوامل قوة الدولار
يقول رئيس أبحاث المنطقة العربية في شركة XS.com، أحمد نجم، في تصريحات خاصة لـ”Econ-Pedia” إنه على مدى الأشهر الأخيرة، ارتفع الدولار بشكل كبير، ليصل إلى مستويات لم يشهدها منذ الثمانينيات، وكان هذا الصعود، نتيجة مجموعة من العوامل الاقتصادية والسياسية العالمية، ما أثار التساؤلات حول مدى استدامة قوة الدولار وما يعنيه للاقتصاد العالمي.
أضاف: “أعتقد أن أحد العوامل الرئيسية وراء قوة الدولار الحالية هو سياسة الفيدرالي الأميركي، حيث أن الجميع يعلم أنه مع ارتفاع معدلات التضخم، قام الفيدرالي بتشديد سياسته النقدية ورفع أسعار الفائدة، مما جعل الدولار أكثر جاذبية للمستثمرين الباحثين عن عوائد أعلى، وهذا أدى إلى زيادة الطلب على الدولار، كما أدت بيانات التضخم المتباينة إلى زيادة مخاوف المستثمرين بشأن موعد تخفيضات أسعار الفائدة، وتسببت في إعادة تسعير الأسواق لتوقعات مختلفة ومتفاوتة تماماً خلال 2024″.
أوضح نجم، أن الأزمات الاقتصادية والسياسية حول العالم، ساهمت في دعم قوة الدولار كملاذ آمن.
“الأوضاع الاقتصادية الصعبة في أوروبا بسبب حرب أوكرانيا، والتباطؤ الاقتصادي في الصين، دفع المستثمرين إلى تحويل أموالهم إلى الدولار بحثًا عن الاستقرار، ومن وجهة نظري، هذا التدفق الكبير للاستثمارات نحو الولايات المتحدة ساعد في دعم قوة الدولار”.. بحسب نجم.
ضعف الدولار يدعم نمو الاقتصاد العالمي
عادة ما يؤدي انخفاض الدولار إلى تعزيز النمو العالمي، ونحو نصف الفواتير التجارية، وثلاثة أرباع الديون غير المصرفية مقومة بالدولار، مما يعني أن الدول الناشئة بشكل خاص – تلك التي تواجه صعوبة في الاقتراض بعملاتها الخاصة – تحصل على دفعة عندما يضعف الدولار.
اقرأ أيضا: هل تنتهي هيمنة الدولار على العالم؟
حتى وإن كان ضعف الدولار نتيجة للنمو الاقتصادي الواسع النطاق بدلاً من كونه سبباً، فإنه يبقى إشارة إيجابية لأسواق الأسهم الدولية، التي لديها نسبة أكبر من الشركات، والبنوك الأوروبية التي تشهد انتعاشاً.
لم تستفد الأسهم الخارجية كثيراً من هذه الرياح المواتية منذ الأزمة المالية العالمية، حيث ارتفعت القيمة الحقيقية للدولار المعدلة حسب التضخم بنسبة 35% منذ نهاية عام 2009، بينما أعاد مؤشر MSCI EAFE (مؤشر الأسهم في الأسواق المتقدمة خارج أمريكا الشمالية) حوالي 200% فقط، مقارنةً بحوالي 500% لمؤشر S&P 500 ((مؤشر سوق الأسهم الأمريكية).
في الفترة الوحيدة الأخيرة عندما كان الدولار ضعيفاً، بين عامي 2020 ومنتصف عام 2021، سجلت الأسهم الأميركية أداءً مذهلاً، مدعومةً بعمالقة التكنولوجيا الذين جَنَوا مكاسب هائلة خلال الجائحة.
هذا جعل المستثمرين يتعودون على التخلي ووضع كل بيضهم في السلة الأميركية.
تحديات ومخاطر تواجه قوة الدولار
يرى محلل أسواق المال، أحمد مجدي، أن هناك ثمة تحديات ومخاطر تواجه قوة الدولار، منها القدرة التنافسية للتصدير، حيث أن الدولار القوي يجعل الصادرات الأمريكية أكثر تكلفة وأقل تنافسية عالميا، ويحتمل أن تؤثر على الرصيد التجاري والنمو الاقتصادي، بالإضافة إلى أرباح الشركات، حيث يمكن للشركات متعددة الجنسيات، أن تواجه تحديات بسبب الآثار الضارة للدولار القوي على الأرباح الأجنبية.
أضاف في تصريحات خاصة لـ”Econ-Pedia”: “هناك أيضاً ديون الاستدامة، حيث أن الدول ذات الديون المقومة بالدولار تواجه صعوبات مع السداد، مما يؤدي إلى عدم الاستقرار الأوسع نطاقا، وقد تؤثر في النهاية على قوة الدولار، كمان أن تراجع قيمة الدولار في الاحتياطي النقدي العالمي إلى نحو 46%، قد يؤثر على قوة الدولار، ناهيك عن تخلي بعض الدول الكبرى عن احتياطيها الدولارية، ومن أذون الخزانة الأمريكية، مقابل رفع الاحتياطي رصيده من الذهب مما قد يؤثر على قوة الدولار.
“صحيح أن الدولار الأميركي حاليا عند مستوى قوي تاريخياً، لكن مسار القوة في المستقبل، يعتمد على تفاعل معقد من العوامل المحلية والدولية، خاصة فيما يتعلق بالسياسات النقدية الفيدرالية، والظروف الاقتصادية العالمية، والتطورات الجيوسياسية”.. بحسب مجدي.
أضاف: “مراقبة هذه العوامل ستوفر رؤى أفضل فيما إذا كانت قوة الدولار يمكن أن تستمر”.
السعر المرتفع للدولار مضللا
وقد يكون سعر الصرف الحقيقي المرتفع للدولار مقارنة بالماضي مضللاً إلى حد ما، حيث أن تعديل التضخم أمر معقد، لأن معظم المنتجات لا يتم تداولها عبر الحدود، وعندما يتعلق الأمر بالطاقة، التي لها تأثير كبير، فإن الولايات المتحدة تحولت من كونها مستورداً صافياً إلى مصدراً صافياً، بفضل ثورة النفط الصخري في عقد 2010.
بالإضافة إلى ذلك، أدى توجه واشنطن الأخير نحو السياسة الصناعية، إلى موجة من الاستثمار الأجنبي المباشر في الولايات المتحدة، وتتنبأ النظرية الاقتصادية أيضاً، بأن الرسوم الجمركية الأخيرة التي فرضتها واشنطن، ينبغي أن تدفع العملة للأعلى، وتؤكد الأبحاث الحديثة هذا إلى حد ما.
اقرأ أيضا: حكاية غريبة عن الدولار
قوة مستمرة على المدى المتوسط
ويرى نجم، أن قوة الدولار قد تستمر على المدى القريب والمتوسط، بفضل السياسات النقدية الأمريكية والأوضاع الاقتصادية العالمية.
“لكن ستعتمد استدامة هذا الوضع على مجموعة من العوامل، والتاريخ لا يكرر نفسه دائماُ، ولا يمكن أن يستمر الدولار في الارتفاع إلى الأبد”.. قال نجم.
في عام 1985، ارتفع الدولار بشكل كبير لدرجة أن المسؤولين الأمريكيين أصبحوا قلقين من تأثيره السلبي على المصنعين المحليين.
في اجتماع شهير مع مسؤولين من بريطانيا، ألمانيا، فرنسا، واليابان في فندق بلازا في نيويورك، وافقوا على تنسيق خفض قيمة الدولار، وبحلول عام 1988، فقد الدولار ثلث قيمته الحقيقية.