الدولار ملك العملات
لقد باتت قوة الدولار مصدر تهديد للاستقرار المالي العالمي، لا سيّما في قطاع الاقتصادات الناشئة، وذلك وفقًا للتحذيرات الصادرة عن صندوق النقد الدولي على لسان مديرته كريستالينا غورغيفيا.
قلق صناع السياسة النقدية من قوة الدولار
“أصبحت قوة العملة الخضراء مبعث قلق لصانعي السياسة النقدية على مستوى العالم، لا سيما في الدول النامية التي تعتمد بشكل مكثف على الواردات، إذ إن قوة العملة الخضراء ترفع تكاليف الاستيراد وتؤجج ضغوط التضخم، وتزيد الضغط على العملات المحلية”، هذا ما بدأ به محلل أسواق المال في شركة “تي ماتريكس” للاستشارات المالية، هيثم الجندي، حديثه لـ”Econpedia”، حول قوة العملة الخضراء ودورها في زيادة صعوبة مواجهة الدول للتضخم.
مضيفا أن هذه القوة تجبر البنوك المركزية على رفع معدلات الفائدة بطريقة تخنق النمو الاقتصادي والاستثمار، وتؤدي إلى تآكل احتياطيات النقد الأجنبي، وهي حلقة مفرغة يتعذر الإفلات منها، فضلًا عن أن تسارع مكاسب الدولار يضغط بشكل خاص على الدول المثقلة بالديون التي تواجه صعوبة في اللجوء إلى أسواق الدين الدولية للاقتراض، وبالتالي في الوفاء بالتزاماتها، الأمر الذي يتسبب في تداعيات سلبية على الاستقرار الاجتماعي لديها.
ارتفع مؤشر الدولار إلى أكثر من 103 نقاط حتى الآن، متجاوزاً المستويات المسجلة في بداية عام 2024، عند 102.2 نقطة. وقد اتفق مع تقديرات الجندي رئيس أبحاث السوق في شركة “OW Markets”، عاصم منصور، إذ قال: “لا شك في أن ارتفاع العملة الخضراء يؤثر على العديد من الجوانب، ولعل أبرزها التضخم في الدول الأخرى، حيث إن ارتفاع الدولار، يزيد من قيمة السلع والخدمات التي تصدرها الولايات المتحدة، ومن الضغوط على الدول المثقلة بالديون الخارجية بسبب زيادة قيمة تلك الديون”.
الاستثنائية الأميركية
أرجع الجندي قوة الدولار إلى ما بات يُعرف بـ”الاستثنائية الأمريكية” المتمثلة في معدلات النمو السريعة، مقارنة بنظرائها من الدول المتقدمة، وهي تستند إلى سياسات مالية توسعية، أغلبها ممول بالدين، وتبطل أثر الزيادات الحادة لأسعار الفائدة التي أجراها بنك الاحتياطي الفيدرالي، وتدفعه لإبقاء تكاليف الاقتراض عند ذروتها خلال عقدين لفترة أطول مما كان متصوراً في السابق.
في حين يرى منصور أن ارتفاع الدولار يعود في الأساس إلى تلاشي توقعات الأسواق؛ وذلك بأن يقوم الفيدرالي الأمريكي بخفض الفائدة أكثر من مرة هذا العام، بسبب ارتفاع معدلات التضخم خلال الأشهر الأخيرة، وتستقر التوقعات حاليًا إلى خفض الفائدة مرة واحدة فقط في نهاية العام الجاري.
اقرأ أيضًا: الدولار الأميركي بدأ يفقد هيمنته كعملة احتياط عالمية
قوة الدولار والدول الناشئة
يقول منصور: “إن الدول الناشئة تواجه صعوبة في التعامل مع ارتفاع قيمة العملة الخضراء بسبب عدم مرونة سعر الصرف، وارتفاع معدلات الفائدة بشكل كبير، مما يحد من قدرتها على تقليل الآثار السلبية لارتفاع الدولار، خاصة الدول التي تعتمد على الصادرات السلعية، لأن هناك علاقة عكسية بين قيمة الدولار وحجم التجارة السلعية”.
وأضاف أن مؤشر الدولار ارتفع منذ بداية العام بنسبة ثلاثة في المئة، كما تشير الإحصاءات إلى أنه في حال واصل الارتفاع وبلغت النسبة 10 في المئة، فمن المتوقع أن تتراجع معدلات الإنتاج في الدول الناشئة بنحو 1.9 في المئة بعد عام، وقد يزيد حجم العجز من الموازنة العامة لهذه الدول بنسبة واحد في المئة من الناتج المحلي الإجمالي.