الدين العام والفائدة.. كيف يتأثر الاقتصاد الأمريكي بأزمة هرمز؟

حذر خبراء الاقتصاد من التداعيات المتزايدة لاستمرار أزمة إغلاق هرمز، في ظل حالة من الضبابية والتصعيد المتبادل بين الولايات المتحدة وإيران، وسط مخاوف من تحول الأزمة إلى أزمة عالمية تمس أسواق الطاقة والسندات والاقتصاد العالمي بأكمله.

وكشفت مصادر إيرانية أن فريق التفاوض الإيراني قرر وقف تبادل الرسائل مع الولايات المتحدة عبر الوسطاء، وذلك على خلفية التصعيد العسكري المتسارع في لبنان.

وقال الدكتور محمد الشوربجي، الخبير الاقتصادي، إن المشهد في مضيق هرمز يتغير بصورة متسارعة، فبينما تتحدث بعض التصريحات عن تخفيف القيود المفروضة على الملاحة، تعود تصريحات أخرى لتؤكد استمرار التوترات، وهو ما يجعل حركة السفن داخل المضيق تتراجع بصورة كبيرة مقارنة بالمعدلات الطبيعية.

وأوضح أن عدد السفن المارة عبر المضيق انخفض بشكل حاد، حيث تمر حاليًا أعداد محدودة للغاية مقارنة بما كان يحدث قبل الأزمة، ما يعكس حجم الضغوط الواقعة على أحد أهم الممرات الاستراتيجية في العالم.

وأكد الخبير أن أهمية المضيق تنبع من كونه شريانًا رئيسًا للطاقة العالمية، حيث يمر عبره نحو 20% من تجارة النفط العالمية، و20% من الغاز الطبيعي المسال، إضافة إلى نسبة كبيرة من تجارة الشحن البحري العالمية، وهو ما يجعل أي اضطراب طويل الأمد فيه مصدر قلق كبير للاقتصاد العالمي، خاصة للدول الآسيوية المعتمدة بشكل كبير على واردات الطاقة القادمة من الخليج.

إغلاق هرمز.. استنزاف الاحتياطي النفطي الأمريكي

أوضح الخبير الاقتصادي أن أحد العوامل التي حدّت حتى الآن من القفزات الحادة في أسعار الطاقة يتمثل في السحب المكثف من الاحتياطي النفطي الاستراتيجي الأمريكي، حيث استخدمت الولايات المتحدة كميات كبيرة من الاحتياطي خلال الفترة الأخيرة بهدف تهدئة الأسواق والحفاظ على استقرار الإمدادات.

وأشار إلى أن وتيرة السحب الحالية تعد مرتفعة للغاية مقارنة بما تقوم به دول أخرى مثل الصين، ما يعكس حجم الضغوط الواقعة على سوق الطاقة العالمي، ويثير تساؤلات حول قدرة الاحتياطيات الاستراتيجية على الاستمرار في لعب هذا الدور لفترة طويلة إذا استمرت الأزمة الحالية.

وأوضح أن كبار المسؤولين التنفيذيين في شركات الطاقة العالمية بدأوا يطلقون تحذيرات متزايدة من احتمالات حدوث أزمة في الإمدادات النفطية إذا استمرت الاضطرابات في مضيق هرمز.

وأشار إلى أن استمرار الأزمة لأسبوعين أو ثلاثة أسابيع إضافية دون عودة الملاحة إلى مستوياتها الطبيعية قد يدفع أسعار خام برنت إلى مستويات تتراوح بين 150 و160 دولارًا للبرميل، وهو ما من شأنه أن ينعكس على معدلات التضخم العالمية وأسعار النقل والإنتاج والطاقة في مختلف دول العالم.

الاقتصاد الأمريكي يواجه ضغوطًا متزايدة

في سياق متصل، أكد الدكتور سيد قاسم، الخبير الاقتصادي أن الاقتصاد الأمريكي يواجه مجموعة من التحديات المتراكمة، في مقدمتها ارتفاع مستويات الدين العام، وتراجع معدلات الادخار لدى المواطنين، وارتفاع تكلفة المعيشة.

وأشار إلى أن مستويات الدين الأمريكي شهدت زيادات كبيرة خلال السنوات الماضية، فيما تراجعت معدلات الادخار الشخصي إلى مستويات تعد من الأدنى منذ عقود، وهو ما يعكس الضغوط التي تواجه الأسر الأمريكية في ظل ارتفاع الأسعار وأسعار الفائدة.

وأوضح أن سوق العقارات الأمريكي يواجه بدوره تحديات متزايدة نتيجة استمرار ارتفاع أسعار المنازل بالتزامن مع وصول فوائد الرهن العقاري إلى مستويات مرتفعة.

وأشار إلى أن تكلفة السكن أصبحت تستحوذ على نحو 46% من دخل الأسر الأمريكية في بعض الحالات، وهي نسبة تتجاوز بكثير المعدلات الآمنة تاريخيًا، ما يثير مخاوف من تراجع القدرة الشرائية للأسر واستمرار الضغوط على سوق الإسكان.

اقرأ أيضًا: المفاوضات الأمريكية الإيرانية.. تضارب التصريحات وضبابية الاتفاق

أسواق المال عند قمم تاريخية

رغم هذه التحديات، تواصل أسواق المال الأمريكية تسجيل مستويات تاريخية مرتفعة وفقًا لعدد من مؤشرات التقييم الرئيسة، وهو ما يثير تساؤلات واسعة حول قدرة الأسواق على الاستمرار في الصعود في ظل هذا الكم من المخاطر الاقتصادية والجيوسياسية.

لكن في الوقت ذاته، أوضح قاسم أن جزءًا كبيرًا من الارتفاعات الحالية يتركز في عدد محدود من الشركات العملاقة العاملة في مجالات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات، بينما تواجه قطاعات أخرى ضغوطًا وتراجعات ملحوظة.

الفائدة الأمريكية والسندات تحت الضغط

فيما يتعلق بالسياسة النقدية، أوضح الخبراء أن مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي يواجه معضلة معقدة، إذ لا يستطيع خفض أسعار الفائدة في ظل استمرار الضغوط التضخمية، وفي الوقت نفسه فإن رفع الفائدة قد يزيد الضغوط على الاقتصاد وأسواق الدين.

وأشاروا إلى أن التوقعات الحالية تشير إلى تراجع احتمالات خفض الفائدة بشكل كبير، مقابل ارتفاع احتمالات الإبقاء عليها مرتفعة أو حتى رفعها إذا استمرت الضغوط التضخمية خلال الأشهر المقبلة.

وأكدوا أن سوق السندات الأمريكية يشهد ضغوطًا متزايدة مع ارتفاع العوائد وتراجع الأسعار، ما أدى إلى خسائر للمستثمرين الذين اشتروا السندات خلال الفترات السابقة.

كما أشاروا إلى استمرار عمليات بيع السندات الأمريكية من جانب عدد من الدول والمستثمرين الدوليين، في ظل المخاوف المرتبطة بمستويات الدين الأمريكي وتطورات السياسة النقدية، وهو ما يزيد من التحديات التي تواجه سوق الدين الأمريكي خلال الفترة المقبلة.

واختتم الخبراء تحليلاتهم بالتأكيد على أن المرحلة الحالية تتسم بدرجة عالية من عدم اليقين، سواء فيما يتعلق بمستقبل أسعار الطاقة أو اتجاهات الفائدة أو أداء الأسواق المالية العالمية، مشددين على أن التنويع الاستثماري بين الأسهم والطاقة والذهب والنقدية يظل أحد أهم أدوات إدارة المخاطر في ظل هذه الظروف الاستثنائية، إلى جانب الاحتفاظ بسيولة مناسبة لمواجهة التقلبات المحتملة في الأسواق العالمية.

اقرأ أيضًا: هل تهبط أسعار النفط بعد الاتفاق الأمريكي الإيراني؟

تابعنا على صفحتنا على فيسبوك

تابعنا أيضًا على صفحتنا على إنستغرام

أخبار ذات صلة