هل ينهار الاقتصاد الأمريكي؟ الدين العام يتجاوز 36 تريليون دولار
تتزايد الديون الأمريكية بشكل مستمر، مما يثير قلقًا عالميًا بشأن تأثير هذا التراكم على الاقتصاد الأمريكي والعالمي، وتعود أسباب هذا التفاقم إلى عدة عوامل، بدءًا من السياسات الاقتصادية التي اتبعتها الولايات المتحدة عبر عقود من الزمن، وصولاً إلى الأزمات الاقتصادية الكبرى مثل الأزمة المالية العالمية 2008 وأزمة كورونا 2020، كما تلعب الحرب التجارية التي بدأها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب دورًا في تعقيد الوضع الاقتصادي، مما يزيد من الضغط على الاقتصاد الأمريكي.
وفي هذا الشأن، أكد الخبير الاقتصادي وليد عادل أن الدين الأمريكي أصبح يشكل تحديًا كبيرًا للاقتصاد الأمريكي والعالمي على حد سواء، مشيرًا إلى أن الأزمة بدأت منذ سنوات طويلة، حيث بدأ العجز في الموازنة الأمريكية يتفاقم، والديون تتراكم نتيجة لسياسات الإنفاق التي لا تتناسب مع إيرادات الحكومة الأمريكية.
أسباب تفاقم الديوم الأمريكية
أوضح عادل أنّ أمريكا مثل أي دولة أخرى، لديها ما يسمى بـ ‘عجز الموازنة’، حيث تصرف الحكومة أكثر مما تحصل عليه من الضرائب والعائدات الأخرى، وعندما ترتفع المصاريف بشكل أكبر من الإيرادات فإن الحل أمام الحكومة يكون إما بخفض الإنفاق أو الاقتراض، وأمريكا اختارت الاستدانة المستمرة، حتى أصبحت الديون تتراكم بشكل كبير.
وأضاف: “منذ الخمسينيات، خاصة بعد الحرب العالمية الثانية، بدأت أمريكا تعتمد على الاستدانة بشكل أكبر، ومع دخول الثمانينيات، أصبح النظام المالي الأمريكي يعتمد على سياسة ‘الصرف الكبير والضرائب القليلة’؛ حيث قامت الإدارة الأمريكية في فترة رونالد ريجان بتخفيضات ضريبية ضخمة في الوقت نفسه الذي زادت فيه الإنفاق العسكري، مما أدى إلى تفاقم العجز وزيادة الديون”.
اقرأ أيضًا: ضعف الدولار وخروج السندات.. هل تفقد أمريكا هيمنتها الاقتصادية؟
أمريكا غنية.. فلماذا تلجأ للاستدانة المستمرة؟
أشار عادل إلى أنَّ “السؤال الذي يطرح نفسه هو: إذا كانت أمريكا دولة غنية ولديها أكبر اقتصاد في العالم، فلماذا تستدين؟ الإجابة هي أنَّ السياسة والاقتصاد لا يسيران دائمًا بعقلانية، فكل رئيس جديد يسعى لتحقيق إنجازات ووعود انتخابية عبر زيادة الإنفاق على الدعم والإعانات والمشروعات، لكنه يتجنب رفع الضرائب لأن الشعب يعارض ذلك، وقد يخسر الانتخابات في المرة القادمة”.
وعلى الجانب الآخر، استعرض عادل نقطة التحول الكبيرة في 2008، قائلاً: “الأزمة المالية العالمية في 2008 كانت نقطة فارقة في تاريخ الاقتصاد الأمريكي، حينها انهار الاقتصاد الأمريكي تقريبًا، وأفلست العديد من البنوك، وانهار سوق العقارات، وكانت الشركات الكبرى في حالة انهيار تام”.
وأضاف: “الحكومة الأمريكية تدخلت بشكل حاسم، حيث أنفقت تريليونات الدولارات على خطط إنقاذ اقتصادية، مثل إنقاذ بنوك كبيرة مثل Lehman Brothers وAIG، وحوافز مالية للشركات والبنوك، وكل تلك الأموال كانت مغطاة بالدين، ما أدى إلى زيادة الديون بشكل هائل بعد 2008”.
تعرّف أيضًا إلى الدول الأكثر مديونية في العالم
أزمة كورونا ودور الدين في معالجتها
لفت عادل أيضًا إلى أنَّ “الحكومة الأمريكية تعاملت بنفس الطريقة مع أزمة كورونا في 2020، حيث قامت بإنفاق تريليونات من الدولارات على دعم الأفراد والشركات، ورغم أن هذه الإجراءات كانت ضرورية للحد من آثار الأزمة الصحية والاقتصادية، إلا أن تمويلها جاء من خلال الديون، وهو ما زاد من تعقيد الوضع المالي”.
هل تُشكّل سندات الخزانة قنبلة موقوتة؟
أوضح عادل أن “الديون الأمريكية ليست كلها ديون خارجية، فجزء كبير منها داخلي، حيث تستدين الحكومة الأمريكية من مواطنيها أو من مؤسساتها، مثل التأمينات الاجتماعية، ولكن هناك جزءًا كبيرًا من الدين خارجي، حيث تمتلك دول مثل الصين واليابان سندات خزانة أمريكية تقدر بمليارات الدولارات، ما يضع أمريكا تحت رحمة هذه الدول، لأن أي تحرك من هذه الدول لبيع هذه السندات بكميات كبيرة يمكن أن يتسبب في أزمة مالية ضخمة”.
اقرأ المزيد في هذا التقرير: كيف تؤثر الحرب التجارية على استثمارات الصين في السندات الأمريكية؟
ماذا يعني تجاوز الدين العام للناتج المحلي الأمريكي؟
أشار عادل إلى أن الدين العام الأمريكي تجاوز حاليًا 36 تريليون دولار، وهو رقم ضخم يفوق إجمالي الناتج المحلي للولايات المتحدة الذي يُقدَّر بنحو 27 تريليون دولار، وهذا يعني أن حجم الدين أصبح أعلى من حجم الاقتصاد الأمريكي نفسه، وهي معادلة تثير القلق في الأسواق العالمية؛ فكلما اتسعت الفجوة بين الدين والناتج المحلي، زاد الاعتماد على الاستدانة كمصدر للتمويل، ما يُضعف القدرة الفعلية على السداد ويهدد الاستقرار المالي على المدى البعيد.
كيف أثرت سياسات ترامب التجارية على مديونية أمريكا؟
قال عادل: “نأتي الآن إلى تساؤل مهم: لماذا فرض ترامب الرسوم الجمركية على جميع دول العالم؟ كان ترامب يعتقد أن الرسوم الجمركية ستُساعد في تقليل العجز التجاري للولايات المتحدة، وبالتالي تقليل الاعتماد على الديون، لكنَّ فرض هذه الرسوم كان له آثار سلبية على الاقتصاد العالمي، حيث تسبب في بداية حرب تجارية مع الصين ودول أخرى، مما زاد من التوترات الاقتصادية وهدَّد استقرار الأسواق العالمية”.
وحذّر عادل من المخاطر المستقبلية المحتملة، مشيرًا إلى أنَّ “الفرق الجوهري بين الولايات المتحدة واليونان يكمن في قدرة أمريكا على طباعة الدولار، الذي لا يزال العملة الاحتياطية الأولى في العالم، ما يمنحها هامشًا أوسع في الاستدانة دون مواجهة ضغوط مباشرة. لكن هذا الامتياز ليس مضمونًا إلى الأبد؛ فإذا فقد الدولار مكانته العالمية، فإن الولايات المتحدة قد تواجه سيناريو شبيهًا بما حدث في اليونان، حين تراجعت الثقة في ملاءتها المالية وأصبحت عاجزة عن سداد ديونها، وهو ما قد يُنذر بأزمة ثقة تهزّ أسواق المال العالمية”.
واختتم عادل تصريحاته بتوجيه رسالة إلى صناع القرار في الولايات المتحدة قائلاً: “إدارة الأزمة الحالية تتطلب قرارات جريئة، لأن تأجيل المواجهة سيزيد الأمور تعقيدًا في المستقبل. وعليه، لا بد من العمل على استراتيجية إصلاح مالي، إما بتقليل الإنفاق أو بزيادة الإيرادات من خلال فرض ضرائب على الأثرياء لتحقيق توازن مالي مستدام”.
موضوع ذو صلة: هل تهدد ديون الفيدرالي الاستقرار الاقتصادي الأمريكي والعالمي؟
