الذهب بين مفترق طرق عالمي وضغوط بيانات أمريكية

يشهد سوق الذهب العالمي حالة غير مسبوقة من الحساسية والتوتر الهادئ، في ظل تحركات سعرية تبدو مستقرة نسبيًا، لكنها وفقًا لتقديرات الخبراء تخفي خلفها موجة محتملة من التقلبات العنيفة.

وقال الدكتور وائل بركات، الخبير الاقتصادي، إن الذهب يدور في نطاق ضيق للغاية بين 4,000 و4,100 دولار للأونصة، وهو نطاق شبه جامد يعكس حالة الترقب الحارق للأسواق، أشبه -على حد وصفه- بـ”الهدوء الذي يسبق العاصفة”، وأوضح أن السوق لا تنتظر تغيرات طفيفة، بل تنتظر “الإشارة الكبرى” التي ستحدد الاتجاه القادم بشكل حاسم، سواء نحو قمم تاريخية جديدة أو نحو هبوط حاد قد يعيد تشكيل ثقة المستثمرين.

رغم هذا الثبات الظاهري، شدَّد بركات على أن الحركة السعرية الحالية ليست عشوائية، بل تتسم بحساسية بالغة، في ظل تداخل عوامل مؤثرة مثل قوة الدولار، وتذبذب أسواق الأسهم والسندات، والاضطراب المستمر في العملات الرقمية، كما أن مؤشرات التباطؤ الاقتصادي العالمي تزيد من احتمالات دخول الأسواق في موجات من الانكماش، وهو ما يجعل الذهب يتحرك بحذر شديد دون تجاوز مستويات المقاومة الحادة عند 4,100 دولار أو كسر مستوى الدعم النفسي عند 4,000 دولار.

العوامل العالمية المحركة لأسعار الذهب

أشار بركات إلى أن السياسة النقدية الأمريكية تمثل أحد أهم محركات الذهب حاليًا، لاسيما بعد تصريحات عضو الفيدرالي جون ويليامز التي تحدث فيها عن مخاطر سلبية تتزايد على سوق العمل، ما يدعم احتمالات خفض الفائدة قريبًا، وأكد أن أي تحول فعلي نحو التيسير النقدي سيشكّل “وقودًا قويًا” لصعود الذهب، لأن تراجع الفائدة يضعف جاذبية الدولار ويزيد الإقبال على الأصول الآمنة.

لكنه في المقابل لفت إلى أن تصاعد المخاطر في سوق السندات اليابانية، وارتفاع العائد على السندات طويلة الأجل، قد يهددان استقرار ما يعرف بـ”صفقات المناقلة”، وهي صفقات ضخمة تسيطر على جانب كبير من حركة الأموال في أسواق التكنولوجيا والعملات، وأي اضطراب حاد في هذا الجانب قد يدفع المستثمرين لعمليات بيع واسعة تشمل حتى الذهب نفسه، مما قد يعمّق الضغوط على الأسعار بدل دعمها.

مقاومة شرسة ودفاعات حاسمة للذهب

على صعيد التحليل الفني، أكَّد بركات أن الذهب يقف على “عتبة معركة سعرية حاسمة”؛ حيث إنَّ الثبات فوق مستوى 4,000 دولار يعكس متانة واضحة، لكن الفشل المتكرر في الإغلاق فوق 4,100 دولار لمدة خمس جلسات متتالية يؤكد وجود مقاومة شرسة، فالمنطقة بين 4,145 و4,160 دولارًا تمثل “البوابة الذهبية” لانطلاقة صعود واسعة، بينما يعتبر مستوى 4,000 دولار خط الدفاع الأخير الذي قد يؤدي كسره إلى هبوط فني عميق.

التباطؤ الاقتصادي الأمريكي يعيد تشكيل توقعات الذهب

من جانبه، أوضح  سعيد إمبابي، خبير أسواق الذهب، أنَّ الذهب سجل ارتفاعات ملحوظة مؤخرًا ، مدفوعًا بتزايد توقعات الأسواق بأن الفيدرالي الأمريكي يقترب من خفض الفائدة في ديسمبر، في ضوء تباطؤ واضح في البيانات الأمريكية.

وأوضح إمبابي أن موجة الصعود الأخيرة جاءت بعد تصريحات تميل للتيسير من عدة أعضاء بالفيدرالي، خصوصًا مع تباطؤ سوق العمل، وضعف نمو مبيعات التجزئة، وتراجع مؤشرات التوظيف داخل القطاع الخاص، بينما تترقب الأسواق بيانات التضخم الأساسية التي ستكون حاسمة في تحديد اتجاه الفيدرالي.

وأشار إلى أن تعاملات أمس شهدت موجة شراء قوية من المستثمرين العالميين، مستفيدين من ضعف الدولار النسبي وزيادة الرهانات على خفض الفائدة، وأكد أن البيانات الاقتصادية الأمريكية -ومنها مؤشر أسعار المنتجين الذي سجل ارتفاعًا بنسبة 2.7% على أساس سنوي- لم توقف توقعات التيسير، لأن هذه القراءات لا تزال داخل الحدود المتوقعة.

أما بيانات الإنفاق الاستهلاكي فتعكس تباطؤًا واضحًا، وذلك بعد أن سجلت مبيعات التجزئة نموًا ضعيفًا عند 0.2% فقط، وهو ما يعزز الرأي القائل إن الاقتصاد الأمريكي يفقد زخمه تدريجيًا، ويدفع الفيدرالي لتخفيف قبضته النقدية.

وأضاف إمبابي أن تقرير “ADP” أظهر فقدان متوسط 13,500 وظيفة أسبوعيًا، وهو مؤشر يعكس ضعفًا مفاجئًا في سوق العمل خلال فترة يفترض أن تشهد زيادة التوظيف، ما يدعم موقف الداعين إلى خفض الفائدة، كما نقل تصريحات نيلا ريتشاردسون التي قالت إن “قوة المستهلك الأمريكي أصبحت محل شك” ، مما يزيد احتمالات تباطؤ اقتصادي أوسع.

ولفت إمبابي إلى أن تصريحات كبار مسؤولي الاحتياطي الفيدرالي –مثل ماري دالي وجون ويليامز وكريستوفر والر– عززت توقعات خفض أسعار الفائدة، بعدما أجمعوا على أن الضغوط التضخمية لم تعد تشكل تهديدًا كبيرًا للاقتصاد، وأن تباطؤ سوق العمل يستدعي اتخاذ خطوات نحو تخفيف السياسة النقدية. وأضاف أن الأسواق، وفقًا لأداة CME FedWatch، باتت تُسعّر احتمال خفض الفائدة في ديسمبر بنسبة تصل إلى 80%، ما يعكس قناعة متزايدة لدى المستثمرين بأن دورة التيسير النقدي باتت قريبة.

الأسواق تترقب بيانات اقتصادية شديدة التأثير

في الجانب الجيوسياسي، تحدث إمبابي عن تقرير “فاينانشال تايمز” بشأن مباحثات حساسة بين وفدين روسي وأوكراني ومسؤولين أمريكيين في أبوظبي، تم خلالها تعديل مقترحات السلام من 28 بندًا إلى 19 بندًا، في خطوة تعكس أن الصراع ما زال مفتوحًا على كل الاحتمالات، وهو ما يوفر دعمًا إضافيًا للذهب كملاذ آمن.

واختتم بالقول إن الأسواق تترقب يوم الأربعاء حزمة بيانات اقتصادية شديدة التأثير، أبرزها: مطالبات البطالة، وطلبيات السلع المعمرة، وتقديرات الناتج المحلي، ومسح ISM، وبيانات الدخل والإنفاق الشخصي، ومبيعات المنازل الجديدة، وكتاب “البيج” للفيدرالي، وأكد أن هذه البيانات ستحدد بشكل كبير اتجاه الذهب حتى نهاية الأسبوع.

الخلاصة هي أنّ الذهب يقف بالفعل أمام مرحلة فاصلة، فبينما تميل المعطيات الاقتصادية والنقدية نحو دعم الصعود على المدى المتوسط، تظل القيود الفنية والمخاطر الجيوسياسية تضغط على حركة الأسعار وتبقيها داخل نطاق ضيق، ومع كل يوم يمر دون انفراج تصبح احتمالات الانفجار السعري -صعودًا أو هبوطًا- أقرب من أي وقت مضى. 

اقرأ أيضًا: هبوط أسعار العملات المشفرة يمحو نحو مليار دولار من ثروة عائلة ترامب

تابعنا على صفحتنا على فيسبوك

تابعنا أيضًا على صفحتنا على إنستغرام

أخبار ذات صلة