شهدت أسواق المعادن النفيسة تقلبات ملحوظة في ظل تراجع أسعار الذهب عالميًا وتعرض الفضة لموجة تصحيح حادة، متأثرة بصعود الدولار الأمريكي، وتغير توقعات السياسة النقدية، وتراجع حدة التوترات الجيوسياسية، وهو ما أعاد تشكيل اتجاهات المستثمرين وحدّ من شهية المخاطرة في أسواق المعادن.
وفي هذا السياق، قال الدكتور حسين العسيلي الخبير الاقتصادي، إن تراجع الذهب جاء مدفوعًا بارتفاع الدولار الأمريكي إلى أعلى مستوياته في نحو أسبوعين، مستفيدًا من تحسُّن نسبي في بعض المؤشرات الاقتصادية الأمريكية، إلى جانب إعادة تسعير الأسواق لاحتمالات خفض أسعار الفائدة، هذا الصعود أعاد الضغط على المعدن الأصفر، الذي لا يدر عائدًا، وينظر إليه تقليديًا كمنافس مباشر للأدوات الدولارية في أوقات التشديد النقدي أو قوة العملة الأمريكية.
الذهب يواجه تغيرات شهية المخاطرة وعودة الثقة بالدولار
أوضح الخبير أن الذهب واجه صعوبة في البناء على موجة الارتداد الأخيرة التي انطلقت من مستويات منخفضة، إذ سرعان ما اصطدم بتغيرات في شهية المخاطرة العالمية، وعودة جزئية للثقة في الدولار، ما حدّ من قدرته على استكمال المسار الصاعد بزخم قوي، ورغم أن المعدن الأصفر لا يزال يتحرك ضمن اتجاه عام إيجابي على المدى المتوسط فإن المرحلة الحالية تتسم بالحذر والترقب أكثر من الاندفاع.
وأكد أن التطورات الجيوسياسية الأخيرة ساهمت في تهدئة الأسواق نسبيًا، بعد الإعلان عن توافق بين الولايات المتحدة وإيران على عقد محادثات في سلطنة عمان، ما خفف المخاوف المرتبطة باحتمالات التصعيد العسكري في منطقة الشرق الأوسط، وقلص الطلب الوقائي على الذهب كملاذ آمن، ودفع بعض المستثمرين إلى تقليص مراكزهم أو تأجيل الدخول في رهانات جديدة.
ووفقًا للخبير، لعبت الصين دورًا مهمًا في كبح زخم الذهب، إذ أظهرت بيانات رسمية صادرة عن الجمعية الصينية للذهب تراجع استهلاك البلاد من المعدن خلال عام 2025، مقابل زيادة محدودة في الإنتاج المحلي، وهذا يعكس تغيرًا في أنماط الطلب داخل أكبر سوق استهلاكي للذهب عالميًا، في ظل تباطؤ اقتصادي نسبي وتحولات في سلوك المستثمرين والمستهلكين على حد سواء.
بيانات السوق الأمريكية تعيد خلط أوراق الذهب
يرى العسيلي أن الضغوط على الذهب لم تكن أحادية الاتجاه، فبيانات سوق العمل الأمريكية أعادت خلط الأوراق، بعدما أظهر تقرير ADP تباطؤًا واضحًا في وتيرة التوظيف بالقطاع الخاص، وهو ما عزز التوقعات بأن مجلس الاحتياطي الفيدرالي قد يجد نفسه مضطرًا لتخفيف السياسة النقدية خلال الفترة المقبلة، فهذه المعطيات حدّت من اندفاع المستثمرين نحو الدولار، ووفرت دعمًا جزئيًا للذهب، الذي تمكن من تعويض جزء من خسائره خلال جلسات التداول.
وعلى صعيد السياسة النقدية، أثار ترشيح الرئيس دونالد ترامب لكيفن وارش لرئاسة مجلس الاحتياطي الفيدرالي موجة من التكهنات بشأن توجه أقل ميلًا للتيسير، وهو ما دعم الدولار مؤقتًا، غير أن تصريحات لاحقة لترامب بددت جانبًا من هذه المخاوف، بعدما أكد أنه لا يدعم أي توجه لرفع أسعار الفائدة، معبرًا عن ثقته في أن الفيدرالي سيتجه إلى خفضها خلال الفترة المقبلة، بما يعيد التوازن للأسواق.
ورغم أن بعض المؤشرات، مثل مؤشر مديري المشتريات لقطاع الخدمات الصادر عن معهد إدارة التوريد الأمريكي، أظهرت استمرار التوسع في النشاط الاقتصادي، فإن الأسواق لا تزال تراهن على أن الزخم الاقتصادي غير كافٍ لتبرير تشديد طويل الأمد في السياسة النقدية، وهو ما يبقي الذهب في موقع دفاعي متماسك، دون أن يطلق موجة صعود جديدة حتى تتضح الرؤية بشكل أكبر.
في هذا السياق، يرى محللو بنك يو بي إس أن الذهب لا يزال من أكثر أدوات التحوط جاذبية، مؤكدين أن الاتجاه الصاعد طويل الأجل لم ينتهِ بعد. ويربط البنك هذه الرؤية بعوامل هيكلية، تشمل تزايد المخاطر الجيوسياسية، والتحولات في النظام النقدي العالمي، وارتفاع الطلب من البنوك المركزية، متوقعًا أن يواصل الذهب تسجيل مستويات قياسية جديدة خلال العامين المقبلين.
اقرأ أيضًا: هبوط الدولار لأدنى مستوى في 4 سنوات.. كيف أثرت تصريحات ترامب؟
الفضة تفقد مكاسبها السريعة تحت ضغط البيع
على الجانب الآخر، بدت الفضة أكثر هشاشة أمام المتغيرات الأخيرة، إذ تعرضت لموجة تصحيح حادة نتيجة تضافر عمليات جني الأرباح مع قوة الدولار وتراجع الطلب الاستثماري، خاصة من الصين. ووفقًا لتقرير صادر عن “مركز الملاذ الآمن”، فإن الفضة دخلت مرحلة بيع مكثف، تخلت خلالها عن جزء كبير من مكاسبها السابقة في فترة زمنية قصيرة.
وجاء هذا التراجع بعد موجة صعود سريعة تجاوزت الأساسيات الاقتصادية، ما جعل السوق عرضة لتصحيح عنيف بمجرد تغير المزاج الاستثماري، وأشار محللون إلى أن الفضة، بحكم طبيعتها وسوقها الأصغر حجمًا مقارنة بالذهب، تكون أكثر حساسية للتقلبات المفاجئة، خاصة في ظل انتشار مراكز الرافعة المالية وضعف السيولة.
وفي مذكرة تحليلية، أوضح محللو جولدمان ساكس أن تسارع الهبوط فعّل أوامر وقف الخسائر على نطاق واسع، ما أدى إلى سلسلة من التراجعات المتتابعة، مؤكدين أن تصحيح الفضة كان أعنف من الذهب بسبب الفارق الكبير في عمق السوق والسيولة المتاحة.
كما شهدت صناديق المؤشرات المتداولة المدعومة بالفضة انخفاضًا ملحوظًا في الحيازات، في إشارة إلى تخارج المستثمرين وتراجع الثقة قصيرة الأجل. ويعكس هذا الاتجاه تحوّلًا سريعًا في المعنويات، بعدما كانت الفضة محط اهتمام مضاربي كثيف خلال موجة الصعود الأخيرة.
تداعيات تصحيح الفضة على الأسواق والقطاعات الصناعية
قالت ندى حسن، الخبيرة الاقتصادية، إن السوق لم يصل بعد إلى مرحلة الاستقرار، مشيرة إلى أن الضغوط البيعية لا تزال قائمة في ظل شح السيولة، مؤكدة أن الفضة واجهت عمليات بيع قوية فور اقترابها من مستويات مقاومة تاريخية، وهو ما يعكس حساسية المعدن الأبيض لأي إشارات فنية أو نفسية في السوق.
وامتدت تداعيات التقلبات الحادة إلى القطاعات الصناعية المرتبطة بالفضة، إذ أعلنت شركة باندورا عن توجهها لتعديل بعض تصميماتها والاعتماد على طلاء البلاتين، في محاولة للحد من تأثير التقلبات السعرية على تكاليف الإنتاج، في خطوة تعكس كيف يمكن لتقلبات المعادن أن تنتقل من الأسواق المالية إلى سلاسل الإمداد الفعلية.
أشارت إلى أن قوة الدولار ضاعفت من حدة الخسائر، إذ تجعل السلع المقومة بالعملة الأمريكية أقل جاذبية للمستثمرين من خارج الولايات المتحدة، خاصة في فترات ضعف السيولة.
هل يواصل سعر الفضة الهبوط أم يستعيد زخمه؟
رغم حدة التصحيح، لا يستبعد محللون عودة الفضة إلى مسار صاعد على المدى المتوسط، في حال تراجع الدولار، أو عادت التوترات الجيوسياسية للواجهة، أو تحولت توقعات السياسة النقدية بشكل أوضح نحو خفض أسعار الفائدة، فالفضة، رغم تقلباتها، قادرة على استعادة الزخم بسرعة عندما تتغير المعادلة الكلية.
ووفقًا للتقرير، يرى محللو بنك ستاندرد تشارترد أن أسواق المعادن النفيسة ستظل رهينة لتقلبات السياسة النقدية الأمريكية خلال الفترة المقبلة، مؤكدين أن الضبابية الحالية قد تستمر على المدى القصير، لكن العوامل الهيكلية الداعمة للذهب والفضة لم تختفِ، بل تنتظر فقط لحظة وضوح تعيد رسم الاتجاهات من جديد.
قد يهمّك أيضًا: سر هيمنة الدولار.. النفط والجيش ومعادلة البترودولار