حقّقت أسعار الذهب مكاسب أسبوعية قوية بالبورصة العالمية، إذ ارتفعت الأوقية بنسبة تجاوزت 2.2%، مدعومة بتراجع الدولار الأمريكي، وانخفاض المخاوف المرتبطة بالتضخم وتشديد السياسة النقدية، إلى جانب تنامي تفاؤل المستثمرين بإمكانية التوصل إلى اتفاق بين الولايات المتحدة وإيران، وفقًا لتقرير صادر عن مرصد الذهب للدراسات الاقتصادية.
وقال الدكتور وليد فاروق، خبير أسواق الذهب، إن الأوقية بالبورصة العالمية حققت مكاسب أسبوعية بنحو 102 دولار، لتغلق عند مستوى 4716 دولارًا، وفقًا لبيانات مجلس الذهب العالمي حتى وقت كتابة التقرير.
وكانت أسعار الذهب قد أنهت تعاملات أمس الجمعة، 8 مايو 2026، على ارتفاع، حيث صعدت الأوقية عالميًا بنحو 11 دولارًا، بعدما افتتحت التداولات عند 4705 دولارات، ولامست مستوى 4745 دولارًا، قبل أن تغلق عند 4716 دولارًا.
تأثير البيانات الاقتصادية الأمريكية
أوضح التقرير أن أسعار الذهب والفضة استفادت من البيانات الاقتصادية الأمريكية الأخيرة، والتي أظهرت تحسنًا في سوق العمل واستقرارًا في معدلات البطالة، بالتزامن مع تراجع ثقة المستهلكين وتوقعات التضخم، وهو ما عزز قدرة الذهب على الحفاظ على تداولاته فوق مستوى 4700 دولار للأوقية.
وأشار التقرير إلى أن الاقتصاد الأمريكي أضاف نحو 115 ألف وظيفة خلال أبريل، بينما استقر معدل البطالة عند 4.3%، مع تركز مكاسب الوظائف في قطاعات الرعاية الصحية والنقل والتخزين وتجارة التجزئة، في وقت استمر فيه تراجع التوظيف داخل الحكومة الفيدرالية.
كما تراجع مؤشر ثقة المستهلك الأولي خلال مايو إلى 48.2 نقطة، مقابل 49.8 نقطة في أبريل، مع انخفاض توقعات التضخم قصيرة وطويلة الأجل.
وأكد التقرير أن هذه البيانات دعمت أسعار الذهب، لكنها لم تمنح الأسواق إشارات حاسمة بشأن قرب خفض أسعار الفائدة الأمريكية، إذ ما تزال قوة سوق العمل تحد من رهانات التيسير النقدي السريع، رغم تراجع المعنويات الاقتصادية.
قوة الطلب على الفضة
على صعيد الفضة، سجل المعدن الأبيض مكاسب قوية خلال الأسبوع الماضي، وسط صعود حاد في الأسعار العالمية وتطورات جيوسياسية دعمت حركة الفضة، وفقًا لتقرير فني صادر عن مركز الملاذ الآمن.
وقال مركز الملاذ الآمن إن أسعار الفضة تأثرت بشكل مباشر بالارتفاع القوي في أسعار الأوقية عالميًا، بالتزامن مع التطورات الإيجابية في المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، والتي ساهمت في تهدئة المخاوف المتعلقة بالتضخم العالمي وأسعار الطاقة، ما عزز توقعات خفض أسعار الفائدة الأمريكية مستقبلًا.
وأكد المركز أن أسعار الفضة عالميًا سجلت ارتفاعًا حادًا خلال الفترة محل التحليل، حيث ارتفعت الأوقية من 72.711 دولارًا في 4 مايو إلى 80.514 دولارًا في 8 مايو، بنسبة صعود بلغت نحو 10.7%.
وأوضح المركز أن الفضة سجلت خلال تعاملات 8 مايو نحو 80.71 دولارًا للأوقية، بارتفاع يومي بلغ 2.99%، كما ارتفعت الأسعار بنسبة 7.15% خلال الشهر الماضي، وبنسبة 146.71% مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، ما يعكس قوة الطلب العالمي على الفضة باعتبارها أحد أهم الملاذات الآمنة في ظل التقلبات الاقتصادية والجيوسياسية.
قد يهمّك أيضًا: تأثير تثبيت أسعار الفائدة الأمريكية على الأسواق العالمية والذهب
علاوة المخاطر في أسواق الطاقة تدعم الذهب والفضة
على الصعيد الجيوسياسي، أشار التقرير إلى استمرار حالة التوتر في منطقة الخليج، رغم بقاء وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران قائمًا بشكل اسمي، في ظل تصاعد التحركات العسكرية والضغوط المرتبطة بحركة الملاحة والطاقة في مضيق هرمز، وهو ما أبقى على علاوة المخاطر في أسواق الطاقة العالمية.
وأضاف أن تعطل حركة ناقلات النفط وارتفاع تكاليف إعادة توجيه الإمدادات وتأمينها، خاصة بالنسبة لمستوردين آسيويين ومصافي التكرير، عزز حالة القلق بالأسواق، رغم تراجع أسعار النفط الخام بفعل التفاؤل بإمكانية التوصل إلى اتفاق سياسي.
واستقرت أسعار خام غرب تكساس قرب 95.42 دولارًا للبرميل، بينما سجل خام برنت نحو 101.29 دولارًا، في حين تراجع مؤشر الدولار الأمريكي، واستقر العائد على سندات الخزانة الأمريكية لأجل 10 سنوات قرب 4.4%.
وأشار مركز الملاذ الآمن إلى أن الأسواق العالمية تفاعلت بقوة مع التصريحات الأمريكية المتعلقة بإمكانية التوصل إلى اتفاق مع إيران، وهو ما أدى إلى تراجع أسعار النفط وانخفاض المخاوف المرتبطة باستمرار موجات التضخم المرتفعة عالميًا.
وأضاف المركز أن هذه التطورات دفعت المستثمرين إلى إعادة تسعير توقعاتهم تجاه السياسة النقدية الأمريكية، خاصة مع تزايد الرهانات على احتمالات خفض أسعار الفائدة خلال الفترة المقبلة.
وأوضح مركز الملاذ الآمن أن الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي قرر تثبيت أسعار الفائدة عند نطاق يتراوح بين 3.5% و3.75% للاجتماع الثالث على التوالي خلال أبريل 2026، في ظل استمرار حالة الترقب لتداعيات التطورات الجيوسياسية على معدلات التضخم الأمريكية.
وأشار المركز إلى أن معدل التضخم السنوي في الولايات المتحدة ارتفع إلى 3.3% خلال مارس 2026، وهو أعلى مستوى منذ مايو 2024، مدفوعًا بارتفاع أسعار الطاقة بنسبة 12.5%، والبنزين بنسبة 18.9%، وزيت الوقود بنسبة 44.2%، نتيجة تداعيات الحرب مع إيران.
وأضاف أن استمرار الضغوط التضخمية يدعم أسعار المعادن الثمينة، وعلى رأسها الذهب والفضة، باعتبارهما من أدوات التحوط الرئيسة ضد تآكل القوة الشرائية للعملات.
اقرأ أيضًا: هل تنهي صفحة واحدة الحرب وتعيد فتح مضيق هرمز؟
الاستثمارات في صناديق الذهب
في سياق متصل، واصل المستثمرون الهنود تعزيز استثماراتهم في الذهب عبر صناديق المؤشرات المتداولة، حيث سجلت صناديق الذهب الهندية تدفقات نقدية إيجابية للشهر الحادي عشر على التوالي خلال أبريل، بصافي تدفقات بلغ 297.2 مليون دولار، بزيادة 68% مقارنة بشهر مارس، وفقًا لبيانات مجلس الذهب العالمي.
وأوضح التقرير أن الهند لعبت دورًا رئيسًا في انتعاش التدفقات العالمية إلى صناديق الاستثمار المتداولة المدعومة بالذهب خلال أبريل، والتي سجلت تدفقات إجمالية بلغت 6.6 مليار دولار، بقيادة المملكة المتحدة والولايات المتحدة وهونج كونج، ما يعكس عودة الاهتمام الاستثماري بالذهب كملاذ آمن.
كما أشار إلى أن أسعار الذهب تتحرك حاليًا في نطاق بين 4400 و4900 دولار للأوقية منذ نهاية مارس، في ظل توازن بين الدعم الناتج عن التوترات الجيوسياسية وعمليات التحوط، وبين الضغوط الناتجة عن ارتفاع أسعار الفائدة العالمية وتشدد البنوك المركزية.
البنوك المركزية تعزز احتياطاتها من الذهب
أكد التقرير أن البنوك المركزية ما تزال تمثل أحد أهم العوامل الداعمة لسوق الذهب على المدى الطويل، رغم تسجيل صافي مبيعات بلغ 30 طنًا خلال مارس، نتيجة مبيعات كبيرة من تركيا وروسيا، إذ واصلت عدة دول، من بينها الصين وبولندا وأوزبكستان وكازاخستان، تعزيز احتياطياتها من المعدن النفيس.
ولفت إلى أن بنك الشعب الصيني رفع احتياطياته الرسمية من الذهب للشهر الثامن عشر على التوالي، بعدما اشترى نحو 8 أطنان خلال مارس، وهي أكبر وتيرة شراء شهرية منذ ديسمبر 2024، في إطار سياسة استراتيجية تهدف إلى تنويع الاحتياطيات وتقليل الاعتماد على الدولار الأمريكي.
وأوضح التقرير أن الذهب لا يزال يمثل نحو 15% فقط من إجمالي الاحتياطيات الرسمية العالمية، ما يترك مساحة واسعة أمام مزيد من إعادة توزيع الأصول لصالح المعدن النفيس خلال السنوات المقبلة، خاصة مع دخول مشترين جدد إلى السوق، مثل كوسوفو التي أضافت الذهب إلى احتياطياتها للمرة الأولى.
توقعات الذهب والفضة خلال الفترة المقبلة
توقع مركز الملاذ الآمن أن تستمر أسعار الفضة في التحرك ضمن اتجاه صاعد على المدى القصير، خاصة إذا استمرت المفاوضات الأمريكية الإيرانية في تحقيق تقدم إيجابي خلال الفترة المقبلة.
وأوضح المركز أن أبرز العوامل الداعمة للأسعار تتمثل في استمرار تهدئة التوترات الجيوسياسية، وتراجع الضغوط التضخمية المرتبطة بأسعار النفط، إلى جانب استقرار السياسة النقدية الأمريكية واحتمالات خفض أسعار الفائدة مستقبلًا.
واختتم تقرير مرصد الذهب مؤكدًا أن مشتريات البنوك المركزية أصبحت أقل حساسية للأسعار مقارنة بالدورات السابقة، مع تركيز المؤسسات الرسمية على بناء مراكز استراتيجية طويلة الأجل، وهو ما يساهم في تكوين أرضية دعم قوية لسوق الذهب خلال فترات التصحيح، رغم استمرار احتمالات التقلب على المدى القصير بفعل تحركات الدولار وعوائد السندات والتطورات الجيوسياسية.
اقرأ أيضًا: توترات مضيق هرمز تبقي النفط تحت ضغط المخاطر الجيوسياسية