تشهد الأسواق العالمية زيادة ملحوظة في الإقبال على الملاذات الآمنة، مدفوعة بارتفاع الطلب على الذهب والفضة اللذين واصلا تحقيق مكاسب متتالية، في ظل الضبابية الاقتصادية وتباين البيانات الأمريكية عقب انتهاء الإغلاق الحكومي الأخير.
بحسب تقرير صادر عن مركز “الملاذ الآمن”، سجّلت الفضة العالمية ارتفاعًا قدره 6.3% خلال الأسبوع الماضي، إذ افتتحت الأوقية تداولاتها عند 48 دولارًا قبل أن تغلق عند 51 دولارًا، في واحدة من أكثر موجات الصعود قوة خلال الأسابيع الأخيرة، ويأتي هذا الارتفاع مدفوعًا بمجموعة من العوامل الاقتصادية التي أعادت تسليط الضوء على الفضة كأحد أهم الأصول التي تجمع بين دور الملاذ الآمن وبين مركزها الحيوي في الصناعة.
تزامن هذا الصعود مع مؤشرات أولية أظهرت تباطؤًا في سوق العمل الأمريكي وتراجعًا ملموسًا في ثقة المستهلك خلال أكتوبر، وهي مؤشرات أربكت الأسواق بسبب غياب بيانات كثيرة لم يتم استكمالها نتيجة الإغلاق الحكومي الذي عطل آليات جمع المعلومات، كما حذر المدير السابق للمجلس الاقتصادي الوطني، كيفن هاسيت، صراحة من أن بيانات أكتوبر “غير مكتملة”، وهو ما جعل التقييم الاقتصادي العام هشًا وغير موثوق، وبالتالي زاد توجه المستثمرين نحو الفضة باعتبارها أصلًا مقاومًا للصدمات.
كيف أثرت توقعات الفائدة على أسعار الفضة؟
تلعب توقعات الفائدة دورًا محوريًا في حركة الفضة، فمنذ أسبوع واحد كانت الأسواق تسعِّر احتمال خفض الفائدة في ديسمبر بنسبة 70%، لكن بعد تصريحات متشددة من مسؤولي الفيدرالي -من بينهم ألبرتو موساليم ونيل كاشكاري- تراجعت تلك الاحتمالات إلى 50% فقط، مما يخلق بيئة أكثر تعقيدًا تدفع نحو طلب إضافي على الفضة ضمن موجة التحوط من السياسات النقدية غير المؤكدة.
بالإضافة إلى ذلك، يتمتع المعدن بدعم هيكلي مستمر نتيجة العجز العالمي في المعروض، والذي يدخل عامه الخامس على التوالي، وهذا العجز، إلى جانب النمو المتوقع في الطلب الصناعي على الكهرباء والطاقة المتجددة، والذي أكدته وكالة الطاقة الدولية، يجعل الفضة في وضع مميز خلال العقد المقبل، فالقطاع الكهربائي وحده يستحوذ على 70% من الطلب الصناعي، وهو ما يجعل أي توسّع في تطبيقات الطاقة الشمسية أو النقل الكهربائي دافعًا مباشرًا لارتفاع الأسعار.
ورغم هذه العوامل الداعمة، مازالت الفضة عرضة لتقلبات حادة، فقد لامست خلال الأسبوع مستوى 55 دولارًا للأوقية -أعلى مستوى في أربعة أسابيع- قبل أن تتراجع تأثرًا بهبوط الذهب وتصحيح الأسواق. ويرى كارستن فريتش، من كومرتس بنك، أن الارتفاع السابق للفضة كان مبالغًا فيه، خاصة بعد انخفاض نسبة الذهب إلى الفضة لأقل من 78، وهو مستوى قريب من أدنى مستوى سنوي.
تراجع الدولار يدفع الذهب للارتفاع
قال سعيد إمبابي، خبير أسواق الذهب، إنَّ الذهب العالمي استطاع أن يُحقق مكاسب بأكثر من 2.1% خلال الأسبوع الماضي، مدفوعًا بتراجع الدولار الأمريكي وموجة من الحذر التي سيطرت على المستثمرين بعد إعادة فتح الحكومة الفيدرالية.
وأوضح إمبابي أنَّ الأوقية صعدت من 4001 دولار إلى 4086 دولارًا، لكن الذهب ما يزال يتحرك عند مستويات حساسة للغاية؛ ففشله في تجاوز مستوى 4200 دولار يعكس أن الأسواق العالمية تنتظر بيانات اقتصادية أكثر اتساقًا قبل أن تمنح الذهب زخمًا كافيًا لإعادة اختبار قمته التاريخية التي سجلها الشهر الماضي.
وأشار إمبابي إلى أنّ أطول إغلاق حكومي في تاريخ الولايات المتحدة، والذي دام 43 يومًا، أدى إلى فجوة ضخمة في البيانات الاقتصادية، خاصة بيانات التضخم وسوق العمل، ومع افتقاد هذه البيانات باتت الأسواق تعتمد على مؤشرات غير مكتملة، وهو ما يعزز تلقائيًا جاذبية الذهب كملاذ آمن في فترات غياب الوضوح.
وأكد أنَّ الذهب يتلقى دعمه الأساسي من توقعات الفائدة، وهي أكثر المتغيرات تأثيرًا على اتجاهات الذهب، ومع تراجع احتمالات الخفض إلى أقل من 50% –مقارنة بأكثر من 90% قبل شهر– أصبحت الأسواق أكثر حذرًا. كما لفت إمبابي إلى تصريحات جيفري شميد، عضو الاحتياطي الفيدرالي في كانساس سيتي، الذي قال إن التضخم “ما يزال مرتفعًا للغاية”، وهو ما يعزز من احتمالات الإبقاء على الفائدة دون تغيير لفترة أطول.
أزمة الديون الأمريكية
لا تقف الضغوط عند حدود البيانات فقط؛ إذ تظل أزمة الديون الأمريكية عاملًا محوريًا في اتجاهات الذهب، مع ضعف الإقبال على مزادات السندات طويلة الأجل وطرح مقترحات مالية مثيرة للجدل مثل الرهن العقاري لمدة 50 عامًا، وقال إمبابي إن هذه التطورات تعكس حالة من الارتباك داخل السياسة المالية الأمريكية، ما يضيف مزيدًا من عدم اليقين للسوق ويدعم صعود الذهب.
وأشار إلى أن الأسواق العالمية تراقب أيضًا مستقبل قيادة الاحتياطي الفيدرالي، خاصة مع اقتراب انتهاء ولاية جيروم باول في مايو المقبل، ومع إعادة طرح ملف استقلالية الفيدرالي أمام المحكمة العليا الأمريكية على خلفية المرافعات الخاصة بمحاولة إقالة ليزا كوك من منصبها. وأضاف أن هذه الحساسية السياسية ستكون جزءًا من العوامل المؤثرة على أسعار الذهب خلال الفترة المقبلة.
وختم إمبابي تصريحاته بالتأكيد على أنّ الذهب يتحرك اليوم وفق “معادلة معقدة” تجمع بين متغيرات التضخم، والفائدة، والدولار، والديون، والبيانات الناقصة، معتبرًا أن المعدن الأصفر سيظل الوجهة الأكثر أمانًا للمستثمرين، طالما ظل المشهد الاقتصادي العالمي بلا رؤية واضحة.
اقرأ أيضًا: لغز تراجع الاستثمارات في الصين
