الذهب يلامس 4700 دولار للأوقية.. صعود تاريخي مدفوع بالحروب التجارية

واصلت أسعار الذهب تسجيل مستويات تاريخية غير مسبوقة خلال تعاملات اليوم الإثنين، مقتربة من حاجز 4700 دولار للأوقية، في تطور يعكس تصاعدًا حادًا في مستويات القلق داخل الأسواق العالمية، مدفوعًا بمزيج معقد من التوترات الجيوسياسية والتجارية، إلى جانب ضبابية المشهد الاقتصادي الدولي.

ويأتي هذا الصعود القوي بالتزامن مع تهديدات متكررة من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بفرض تعريفات جمركية واسعة على عدد من الدول الأوروبية، وهو ما أعاد الذهب بقوة إلى صدارة أدوات التحوط العالمية باعتباره الملاذ الآمن التقليدي في فترات عدم اليقين.

المعاملات الفورية للذهب تسجل قفزة تاريخية

لامست أسعار الذهب مستوى قياسيًا جديدًا بلغ 4690.75 دولارًا للأوقية، قبل أن تشهد تراجعًا طفيفًا في حركة تصحيحية محدودة، لتستقر الأسعار داخل نطاق يتراوح بين 4665 و4675 دولارًا.

وفي سوق المعاملات الفورية، ارتفع الذهب بنسبة تقارب 1.8% مسجلًا نحو 4675.55 دولارًا للأوقية، بينما صعدت عقود الذهب الأمريكية الآجلة بنسبة 1.9% لتصل إلى 4681.10 دولارًا للأوقية، وهو ما يعكس قوة الزخم الصعودي المسيطر على السوق، وارتفاع الطلب الاستثماري على المعدن الأصفر.

ويرى محللون أن هذا الأداء القوي لا يمكن فصله عن التحولات الجارية في سلوك المستثمرين عالميًا، حيث باتت المخاطر الجيوسياسية والتجارية هي المحرك الرئيسي للأسواق، متقدمة على العوامل الاقتصادية التقليدية؛ ففي ظل تصاعد النزاعات الدولية، والتهديد بفرض قيود تجارية جديدة، تراجعت شهية المخاطرة تجاه الأصول عالية التقلب، مقابل ارتفاع واضح في الطلب على أدوات التحوط، وعلى رأسها الذهب.

الذهب يقود ثورة ضد الدولار.. هل يشهد العالم ولادة نظام مالي جديد؟ اقرأ التقرير الكامل!

توقعات الاقتصاد العالمي وتأثيرها على أسعار الذهب

قال سعيد إمبابي، خبير أسواق الذهب، إن المكاسب التي يحققها المعدن النفيس اليوم تمثل امتدادًا مباشرًا لأداء قوي شهده الذهب خلال الأسبوع الماضي، حيث ارتفعت أسعاره بنحو 1.9%، مدعومة بتصاعد المخاطر الجيوسياسية واضطراب المشهد السياسي العالمي.

وأشار إلى أن الأسواق باتت تسعّر سيناريوهات أكثر تشاؤمًا بشأن مستقبل الاقتصاد العالمي، في ظل تزايد المؤشرات على تباطؤ الاقتصاد الأمريكي، وتراجع الضغوط التضخمية، وهو ما يعزز التوقعات باتجاه مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي لبدء دورة خفض أسعار الفائدة خلال الفترة المقبلة.

وخلال التداولات الآسيوية، سجل الذهب أعلى مستوى في تاريخه، مقتربًا بشكل مؤقت من حاجز 4700 دولار للأوقية، في مشهد يعكس تحوّلًا استراتيجيًا في توجهات المستثمرين حول العالم.

ويرى الخبير أن هذه القفزات السعرية المتتالية لا يمكن اعتبارها مجرد موجة مضاربات قصيرة الأجل، فهي تعكس تحولًا أعمق نحو التحوط طويل الأجل، في ظل بيئة عالمية تتسم بارتفاع منسوب المخاطر السياسية والاقتصادية، وتراجع الثقة في استقرار النظام المالي الدولي.

وأضاف الخبير: “تكتسب هذه التطورات أهمية خاصة في أسواق السلع العالمية، نظرًا لتلاقي عاملين شديدَي التأثير في الوقت نفسه: الأول يتمثل في تصاعد النزاعات الجيوسياسية على أكثر من جبهة، سواء في الشرق الأوسط أو في أوروبا الشرقية، والثاني يتمثل في عودة السياسات التجارية الحمائية، والتهديد بفرض تعريفات جمركية جديدة، وهو ما يضغط على توقعات النمو العالمي، ويؤثر سلبًا على سلاسل الإمداد والتجارة الدولية”.

كيف أثرت التهديدات التجارية على سلوك المستثمرين بالذهب؟

أعلن الرئيس الأمريكي عزمه فرض تعريفات جمركية جديدة على ثمانية دول أوروبية عارضت التوجهات الأمريكية بشأن ملف غرينلاند، موضحًا أن هذه الرسوم ستبدأ بنسبة 10% اعتبارًا من الأول من فبراير المقبل، على أن ترتفع إلى 25% بحلول شهر يونيو في حال عدم التوصل إلى اتفاق، وتشمل الدول المستهدفة فرنسا وألمانيا والمملكة المتحدة، إلى جانب عدد من دول شمال أوروبا، ما أثار ردود فعل أوروبية غاضبة، ومخاوف متزايدة من اتساع نطاق النزاع التجاري عبر الأطلسي.

يرى الخبير أنَّ هذه التهديدات التجارية ساهمت في إشعال موجة عالمية من النفور من المخاطر، دفعت المستثمرين إلى تعزيز حيازاتهم من الذهب والمعادن النفيسة، في وقت بدأت فيه الثقة في الأصول الأمريكية، وعلى رأسها الدولار، تتعرض لاختبار حقيقي، حيث تراجع الدولار الأمريكي عن أعلى مستوياته المسجلة منذ أوائل ديسمبر، وهو ما قدم دعمًا إضافيًا لأسعار الذهب، نظرًا للعلاقة العكسية بين العملة الأمريكية والمعدن النفيس، حيث يؤدي ضعف الدولار إلى جعل الذهب أقل تكلفة لحائزي العملات الأخرى، ويزيد من جاذبيته الاستثمارية.

ووفقا للخبير، لم يقتصر الصعود القوي على الذهب وحده، إذ شهدت أسعار الفضة قفزة لافتة تجاوزت 4%، لتسجل مستوى قياسيًا جديدًا عند 94.03 دولارًا للأوقية، ويعزى هذا الارتفاع إلى عاملين رئيسيين؛ الأول يتمثل في تصاعد الطلب على الملاذات الآمنة، والثاني يرتبط بالاستخدام الصناعي الواسع للفضة في قطاعات التكنولوجيا والطاقة المتجددة والصناعات المتقدمة، ما يعزز من مكانتها كمعدن مزدوج الوظيفة يجمع بين الاستثمار والصناعة.

اقرأ أيضًا: السيطرة على غرينلاند تشعل المواجهة بين واشنطن وأوروبا

كيف تؤثر السياسات النقدية على سوق الذهب؟

على صعيد السياسة النقدية، لا تزال الأسواق تترقب بحذر مسار قرارات مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، خاصة في ظل تراجع التوقعات بشأن عدد مرات خفض أسعار الفائدة خلال عام 2026.

ورغم التراجع النسبي في وتيرة الرهانات، فإن المعطيات الاقتصادية الراهنة، بما في ذلك صدور بيانات أمريكية جاءت أضعف من التوقعات، تشير إلى بيئة أكثر مرونة لصالح الأصول الآمنة؛ فظهور إشارات واضحة على تباطؤ معدلات التضخم يدعم احتمالات بدء دورة خفض أسعار الفائدة خلال العام الجاري، وهو سيناريو يعزّز جاذبية الأصول غير المدرة للعائد، وعلى رأسها الذهب، إذ يؤدي خفض الفائدة إلى تقليص تكلفة الفرصة البديلة للاحتفاظ بها مقارنة بالأدوات المالية التقليدية ذات العائد.

وفي هذا الإطار، قال الدكتور محمد عبد الهادي، الخبير الاقتصادي، إن التحركات القياسية التي يشهدها الذهب حاليًا تعكس حالة عدم يقين غير مسبوقة في الأسواق الدولية، موضحًا أن المعدن الأصفر لم يعد يتحرك وفق قواعد التحليل الفني التقليدي بقدر ما بات يتأثر مباشرة بالتطورات الجيوسياسية والقرارات السياسية المفاجئة، وعلى رأسها التصعيد الأمريكي في الملفات التجارية والعسكرية.

وأوضح عبد الهادي أن تصاعد التوترات المرتبطة بالسياسة الأمريكية دفع المستثمرين إلى تعزيز مراكزهم في الذهب باعتباره أداة تحوط رئيسية، وهو ما انعكس في وصول الأسعار إلى مستويات تاريخية تجاوزت 4600 دولار للأوقية، مع تسجيل قمم قرب 4650 دولارًا، وأضاف أن هذا الارتفاع مدفوع بعوامل نفسية وسياسية في المقام الأول، وليس نتيجة تحسن جوهري في المؤشرات الاقتصادية العالمية.

مخاطر الشراء عند قمم الأسعار واستراتيجيات المستثمرين

أكَّد عبدالهادي أن هذه المستويات المرتفعة تفرض قدرًا كبيرًا من الحذر، محذرًا من مخاطر الشراء العشوائي عند القمم السعرية، خاصة مع اتجاه بعض الصناديق الاستثمارية الكبرى إلى جني الأرباح أو انتظار تصحيحات سعرية مؤقتة، وأشار إلى أن الأسواق تمر بمرحلة حساسة تتسم بتضارب الإشارات بين استمرار الاتجاه الصاعد على المدى المتوسط، واحتمالات التراجع التصحيحي على المدى القصير.

ولفت عبد الهادي إلى أن التحليل الفني يشير إلى أن الاتجاه العام للذهب لا يزال صاعدًا، إلا أن الموجة الحالية قد تشهد تصحيحات طبيعية لا تعني انعكاس الاتجاه، بل تمثل فرصًا لإعادة بناء المراكز الاستثمارية بشكل أكثر توازنًا. وحدد الخبير عددًا من مستويات الدعم المحتملة التي قد تشكل مناطق مناسبة للشراء التدريجي، تبدأ من 4586 دولارًا للأوقية، ثم 4558 دولارًا، يليها 4535 دولارًا، وصولًا إلى 4512 و4489 دولارًا في حال تعمق التصحيح.

وشدد على أهمية إدارة السيولة وعدم ضخ كامل الاستثمارات دفعة واحدة، مؤكدًا أن الاستراتيجية الأنسب في هذه المرحلة تقوم على الشراء المرحلي مع كل تراجع، لتقليل المخاطر والاستفادة من أي انخفاضات مؤقتة، وأضاف أن الفضة تتحرك ضمن الإطار نفسه تقريبًا، ما يستدعي التريث وانتظار اتضاح الاتجاه قبل اتخاذ قرارات استثمارية جديدة.

قد يهمّك أيضًا: أسعار الذهب قد تخترق حاجز 5000 دولار في 2026

تابعنا على صفحتنا على فيسبوك

تابعنا أيضًا على صفحتنا على إنستغرام

أخبار ذات صلة